Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Yasin Abousaif Yasin
الكاتب الليبي ياسين أبوسيف ياسين

الأحد 2 مايو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

قصة/سيرة ذاتية

نجمة الصحراء (6)

ياسين ابوسيف ياسين

كانت مدينة بنغازي الباسلة واقعة تحت قصف مستمر من قوات المحور وقوات الحلفاء على السواء لا تكاد تستقر على حال, تتبادلها الأيدي وتجتاحها الجيوش بين الفينة والأخرى في كر وفر لا مثيل له في تاريخ الحروب الحديثة .

وسكان المدينة يصبحون على حال ويمسون على آخر لا يدرون لمن ستكون الغلبة في النهاية فهي حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ولا يعرفون أي القوتين أصلح لليبيا فإن انتصرت قوات المحور بقي الاستعمار الإيطالي في ليبيا وأصبحت شواطئها – كما يدعي الفاشي سست – هي الشواطئ الجنوبية لروما إلى الأبد , وإن انتصرت قوات الحلفاء يكون مصير ليبيا كمصير جارتها مصر الواقعة تحت سيطرة الاستعمار البريطاني وبعضهم يقول " الوجه اللي تعرفه خير من الوجه اللي ما تعرفش ... وما تعرف خيري نين اتجرب غيري" وفي كليهما شر. والشعب الليبي الطيب يؤمن بأن الخيرة فيما يختاره الله .

لم يطمئن الشيخ بانتصار الجيش الإنجليزي على قوات المحور وكان يظن أن رومل سيعود لاحتلال بنغازي مرة ثانية وبالتالي ستعود معه القوات الإيطالية الغاشمة التي كانت تمثل عبئا ثقيلا على الألمان أنفسهم فالجنود الإيطاليين من ناحية مرفهون منعمون أكثر مما يجب ( ديليكاتو) حتى أن الألمان كانوا يطلقون عليهم لقب (اسباجيتي) ومن ناحية أخرى فأصحاب الأرض الليبيين يمقتونهم لأنهم يحتلون أرضهم وقد تسببوا في جرح و قتل الآلاف المؤلفة من الشهداء واعتقال قبائل بأكملها في معتقلات أعدوها لهذا الغرض كما تسببوا في تشريد آلاف الأسر والضحايا بين مفقودين و منفيين ومهجرين وجعلوا منهم دروعا بشرية في الصومال والحبشة وكان الليبيون يتمنون أن تكون الغلبة للقوات الإنجليزية لا حبا فيهم ولكن لتخليصهم من براثن الاحتلال الإيطالي الغاشم الذي استمر ثلاثين عاما شاهد فيها الليبيون كثيرا من ويلات الاستعمار وقهره وبعض من محاسنه أيضا كشق الطرق وإقامة المزارع وتعمير المدن .

صدق حدس الشيخ وتحققت ظنونه فما لبث روميل - ثعلب الصحراء - وقواته أن التف حول الجيش البريطاني واجتاحت قواته بنغازي من جديد وعاد معهم الإيطاليون لحكم البلاد وفكر الشيخ في تطبيق خطته الأولى والإقامة في بنغازي .

استأجر منزلا في الرويصات وهي ضاحية من ضواحي بنغازي وكان المنزل عبارة عن حوش أرضي عربي مكون من حجرتين ومربوعه والمنافع وسقيفة واسعة وسط الحوش وكلف يوسف فجاءه بطفله الوحيد وكان يخشى عليه من الطليان أن يحتفظوا به رهينة عندهم ليقوموا بابتزازه بعد ذلك حتى يسلم الشيخ نفسه وقد اعتاد منهم على عمل بربري كهذا في السابق حينما احتجزوا زوجته كرهينة لديهم ثم ليحقنوها بعدئذ بإبرة سامة توفيت علي أثرها . وأقام الشيخ و أبنه وحدهما بالمنزل .

كان السيد عبد الله غوقه ( الحاج فيما بعد) واحدا من تجار وأعيان مدينة بنغازي المعروفين وقد كانت تربطه سابق معرفة بالشيخ فشاركه التجارة وقدم له العون والمساعدة وحفظ سره وصان عهده وبقيا صديقين حتى آخر العمر إلى أن فرق الموت بينهما .

وكان للحاج عبد الله ولدان عبد الوهاب وهو في سن نجله و عبد القادر وهو أصغر منهما وكان الشيخ يترك ابنه ليلعب مع أبناء الحاج عبد الله ويمضي هو في مباشرة أعماله وتجارته والاتصال بقبيلته وحضها على مقاومة سلطات الاحتلال حتى يكتب لهم النصر المؤزر ويقضي الله أمرا كان مفعولا .

لقد شاءت الأقدار وكأن للشيخ موعدا مع القنابل الساقطة من السماء أو قل هكذا كان حال سكان بنغازي فالقنابل تساقط عليهم ليل نهار من كل اتجاه من البر والبحر والجو فذات يوم حدث شيء رهيب ففي سكون الليل بينما هو نائم وابنه الصغير في ركن من أركان الحجرة إذ دوى انفجار هائل وسط المنزل أتى على البيت المبني من طوب وطين ودمره تدميرا شاملا ماعدا ركن الحجرة التي كان الاثنان نائمين فيها.

نهض الشيخ مسرعا حاملا طفله بين يديه وسط أكوام من التراب والغبار طالبا أقرب ملجأ حامدا الله على سلامة كل منهما . وما أن طلع الصباح حتى كان هو وأهل الحي مجتمعين يلقون نظرة على موقع الانفجار فكانت دهشة الجميع بالغة أن أحدا منهما لم يصب بسوء رغم أن المنزل كله - فيما عدا ذلك الركن من الحجرة الذي كان الشيخ وابنه ينامان فيه – قد سوي بالأرض تماما .

لاحظ الطفل عمق الحفرة التي خلّفتها القنبلة في الأرض - والتي كانت منزلا في يوم من الأيام - ووقف على حافتها فكانت بالنسبة له تبدو هوة سحيقة بلا قرار و شيئا مذهلا مرعبا ولاحظ أن أحدهم كان يقيس بشبره المسافة بين أعلى المخدة التي كان يرقد عليها الطفل وبين شظية قنبلة راشقة بالجدار فوق المخدة مباشرة فكانت أقل من شبر واحد فوق رأسه وكان الناس يتحدثون عن ذلك بما يشبه المعجزة الإلهية .

انتقل الشيخ بعدئذ للإقامة في منزل آخر بشارع العرفية بالبركة وهو أيضا حوش عربي مكون من مربوعة وثلاث ديار ووسط حوش مرصوف بالأسمنت الناعم وعندما استقر به المقام وآمن شر الطليان وظن أنهم لن يعرفوا له سبيلا فتح وكالة تجارية في سوق الجريد وأصبح يتعاطى التجارة كواحد من تجار مدينة بنغازي والحاج عبدالله غوقه قريبا منه حيث يوجد دكانه في سوق الظلام الشهير .

ولما زاد اطمئنانه واستقر لديه الاعتقاد بأن الطليان قد نسوه أو هكذا خيل له أحضر زوجته - حليمه – لتقيم معه في المدينة تاركة النجع والهواء الطلق والحرية التي تعودت عليها طوال حياتها لتقبع بين جدران أربعة وترعاه وطفله فكانت نعم الزوجة الصالحة والأم الرءوم والمربية الحنون وكانت قوية الشخصية والإرادة صارمة لا تفوتها شاردة ولا واردة مضيافة محبة للخير تكرم الضيف وتود جاراتها في زنقة العرفيه حتى بات جميع نساء الشارع يعرفنها ويثنين عليها .

كانت الزوجة حليمة صالح قد ورثت طباعها البدوية الأصيلة عن أبيها الحاج صالح عبد الله بوخماده الذي كان شيخا مهيبا يتمتع بقوة الشخصية والشجاعة والكرم وكان شيخا طويل القامة عريض المنكبيين ذا قبضة فولاذية لا يوجد له نظير في النجع كله وكان عنيدا لا يخشى في الحق لوم لائم يتشبث برأيه إلى آخر مدى حتى لو كلفه ذلك حياته وكان يتمتع بفراسة تفوق الحدود .

يحكى أن الحاج صالح ذات يوم كان مدعوا إلى غذاء من قبل شيخ أحد النجوع البعيدة عن نجعه وما أن تم إعداد الطعام وتقديمه للضيوف حتى علق الشيخ صالح على لحمة كانت بيده قائلا أن هذه اللحمة التي نأكلها هي من شاة من غنمي فاستغرب الحاضرون لهذا القول وأبدوا دهشتهم لأن غنم الحاج صالح تبعد عن هذا النجع مسافة ليست بالقصيرة ولكنه أصر وطلب أن يأتوه براعي الغنم الذي أنكر أن تكون الشاة من غنم الحاج صالح فزاد عناده وحلف أن هذه الشاة بنت كبشه ! وتطور الأمر- بعد أن أحس الحاج صالح بتسفيه رأيه - حتى وصل إلى المحكمة فرفض القاضي طلبه بحجة أنه ينقصه الدليل والبينة . زاد الحاج صالح في عناده ولم يرض بالحكم وأبى إلا أن يحلف شيخ النجع والراعي وأن يزكيهم عشرون رجلا على ضريح ولي صالح ( سيدي شاهر روحه ) بقرب اجدابيا فتحدد موعد والتأم الجمع ليئدوا اليمين وهم واثقين من أنهم على حق .

ولما كان الناس في ذلك الزمان يخافون الأولياء ويخشونهم أكثر من الحلف بالله والمصحف الشريف رأى شيخ النجع أن يسأل الراعي للمرة الأخيرة قبل أداء اليمين عما إذا كان يخفي شيئا مما حدث قٌائلا له أنهم على وشك أن يحلفوا يمينا فإن كنت تعرف شيئا فأخبرني به قبل فوات الأوان . وهنا أسقط في يد الراعي واعترف أنه بينما كان يرعى غنمه إذ مر (بمراح) مكان غنم الحاج صالح فوجد نعجة قد تركت مولودا حديث الولادة فربى الخروف في غنمه دون أن يعلم أحد بالأمر. سامح الحاج صالح في حقه واشتهر بالفراسة منذ ذلك اليوم ولم يجرءوا أحد أن يخالفه في شيء بعدها .

ومن النوادر التي كانت تروى عن الحاج صالح أنه مرض ذات يوم مرضا شديدا وبينما هو في فراش المرض سمع همسا من أحد يقول أنه يصارع الموت فهب واقفا مستندا على الجابر وهو يقول (أنهاقات) علي الطلاق ما نموت في الفراش . ثم لم يعد إلى الفراش من جديد , مما يعني أنه كان قوي الإرادة و البأس والعزيمة . وعاش بعدها حتى شارف على التسعين من عمره أو يزيد .

وكان الطفل الصغير قد أصيب بمرض غريب في عينيه عجز الطب في ذلك الوقت عن فهم أسبابه ولم تنفع الأدوية في علاجه, كان نوعا من الحساسية ضد الضوء مهما كان خافتا فالعين لا تستحمله على الإطلاق مع كون العينين سليمتان تماما ولا أثر فيهما للرمد أو الاحمرار أو ما شابه ذلك . كان الطفل قابعا في حجرته واضعا على وجهه وعينيه غلالة سوداء تحجب الضوء مغلقا شباك الحجرة وبابها خشية أن يتسرب منها أي ضوء مهما كان خافتا وكان النور بالنسبة له كأنه سكين يقطع عينيه تقطيعا فإمعانا في طلب الظلام كان لا يكتفي بغلق الباب والشباك الخشبي بل كان يفضل البقاء تحت السرير حيث يكون الظلام دامسا .

وذات يوم والنساء مجتمعات يشربن شاي الضحى ويتسامرن دخلت عليهن سيدة مسنة عجوز وما أن عرفت بقصة الطفل حتى قالت أنها عندها الحل لهذه المشكلة التي يعاني منها الطفل وطلبت أن يأتوها بثلاث مسامير كبيرة ووضعتها في جمر الكانون حتى أصبحت ثومة المسمار حمراء من وهج النار فطلبت أن يأتوا بالطفل.

استغرب الطفل أن تطلب منه والدته الخروج من تحت السرير وهي عادة لا تعمل ذلك إلا في حالتين إما أن يطلب الذهاب إلى الحمام وإما ليعرضوه على طبيب وهو يمقت الخروج نهارا لما يقاسيه من عذاب مرير من ضوء النهار.

طلبت العجوز من النسوة تكتيف الطفل وشل حركته عن المقاومة وأخذت رمادا دافئا من الكانون وضعته على صدغيه وأم رأسه حتى ظن أن الأمر هين فاسترخت أعصابه وإذا بالعجوز تكويه بالمسامير الحامية الواحد تلو الآخر حتى شم رائحة الشواء ينبعث من رأسه .

وفي نفس اليوم كانت المفاجأة فقد تغذا الطفل بينهم لأول مرة منذ أصيب بهذا المرض قبل ثلاث سنوات وكأنه كان في حلم مزعج استيقظ منه على حين غرة وكأنه لم تمرض عيناه على الإطلاق فخرج إلى الشارع فرحا يمرح و يلعب مع الأطفال وكلما ورد ذكر تلك السيدة العجوز وجد نفسه يترحم عليها حية كانت أو ميتة ويذكر بالخير تلك السيدة التي جعلته يرى النور بوسائلها الشعبية من التطبيب البدائي البديل .

وللحكاية بقية .

ياسين أبوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home