Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Wanis el-Mabrouk al-Fsaiy

Wanis el-Mabrouk

Monday, 16 January, 2006

فتوى شرعـية في قبول تعـويضات جريمة العـصر

ونيس المبروك

لعلي لا أبالغ في الوصف ، لو قلت أن (جريمة حقن أطفال مدينة بنغازي بفيروس الإيدز) هي سابقة تاريخية تجاوزت خصوصية المكان والزمان ، وهي بحق وصمة عار ، لاتلحق من كان خلفها ، سواء كن الممرضات برفقة الطبيب ـ كما حكم القضاء الليبي ـ ،ولغرض البحث العلمي لأحد الجهات ، أم كانت مخابرات أحد الدول ـ كما قال حاكم البلاد العقيد القذافي ـ !!، أو كان بتدبير عناصر أمنية لتأديب المدينة العاصية كما يشاع من خلال اتهام بعض اطراف المعارضة الليبية.!!!

أياً كان المجرم ، إلا أنها بحق وصمة عار في جبين الإنسانية على مر تاريخها . لأن التاريخ لم يحدثنا عن طبيب يدس السم في عروق أطفال ، وبهذا العدد ، في غير ميدان النزال أو ظروف حرب معلنة.!!

وأريد أن أتوجه برسائل قصيرة لجهات ثلاث : أولياء القتيل و الدولة وعامة الشعب.

رسالتي للدولة : أنا أعلم مسبقا بأن خطابي لشخص العقيد لا يجدي شيئا ، لان الرد المكرر ، والمعد لمثل هذه الظروف ، أنه لايوجد ( حاكم ) في ليبيا و لا رئيس ولا ......، فالشعب يحكم نفسه من خلال مؤتمراته الأساسية ، والمسئولية التنفيذية تتقاسمها الملايين الخمس داخل الوطن ! وأترك شرح ذلك لضيوف القنوات الفضائية.

لاباس ...!

ولكن أقول إن عدم تحمل الدولة والأجهزة التنفذية فيها لمسئوليتها في عقوبة الفاعل ، أو حق ( معرفته ) على الاقل ، سوف يزيد الفجوة بين الشعب والمجموعة الحاكمة في ليبيا ، ويكرس حالة الإحتقان والتردي المستفحلة في البلاد ، ويغذي في نفوس أحرار ليبيا ـ وهم كثر ـ روح الرفض والحقد والكراهية ، والتي قد تخمد فترة من الزمن بسبب قبضة الأمن ، ولكنها ستؤول حتما لإنفجار وطوفان سيجرف كل ما أمامه ، وربما يسلم البلد لفتنة قد تدوم طويلا.

أما رسالتي لعامة الناس :

فاقول لكم ولنفسي : والله الذي لا إله إلا هو ، لاخير فينا ، ولا كرامة ....، أن نحن صمتنا عن هذه الجريمة النكراء، . واصارحكم القول بان من يصمت عن المطالبة بدم أطفاله الأبرياء والمغدورين في حماه ، لايستحق الحياة الشريفة ، بل باطن الأرض خير له من ظاهرها ، و كل ما يسوقه الله لنا بعد ذلك على يد الظالمين من عسف وظلم وقهر وحرمان ؛ قليل ، قليل، قليل.

ولنقف جميعا ، رجالا ونساء وقفة واحدة ، ولنصرخ في كل ميدان مطالبين بمعرفة الجاني.

كلنا يعمل في مجاله ، ولنستخدم كل مالدينا من وسائل ، فهذا يكتب مقالة ، والأخر يحرر خبرا ، والثالث يقود اعتصاما ، والآخر يخطب على منبره ، والخامس يبذل ماله ، وذاك يتصل بالمؤسسات ذات الصلة في كل مكان على الأرض ، .......... ومن لم يستطع شيئا من ذلك ، فليرفع يديه في جوف الليل بالدعاء الصادق وذلك اضعف الإيمان.

إنه حقكم جميعا ايها الليبيون ، وما ضاع حق خلفه طالب.

أما رسالتي لأولياء القتلى :

أنتم اليوم أمام امتحان صعب ، فهل سيشتري الساسة صمتكم بحفنة من الدولارات ، وهل ستبيعون دم أولادكم دون معرفة ( الجاني ) وهل سترتكبون خطأ تاريخيا بتفويت الفرصة في كشف الغطاء عن هذه المأساة الوطنية الكبرى ؟؟؟؟؟

من حقكم قبول ( الدية ) فهذا حق كفلته لكم الشريعة واباحته لكم بلا شك ، ولكن الدية لا تؤخذ إلا بعد معرفة ( القاتل ) ، والشريعة الإسلامية عندما شرعت الدية لم تجعلها ( رشوة ) للسكوت عن الحق ، فهذا منافي لمقصد التشريع اساسا ، ولكنها جعلتها ( زجرا ) للجاني و( ردعا ) لغيره، و( إرضاء ) لأهل الميت ومايجري اليوم هو محاولة لتقييد القضية ضد مجهول ، أو إحالتها على تدني مستوى الخدمات الصحية !!! وقبول المال في هذه الحالة لا يمكن توصيفه ( شرعا ) بأنه دية قتيل ، فهذا تلاعب بالشريعة الإسلامية ، أتمنى أن لايتورط فيه عالم أو يفتى به شيخ.

والحكم الشرعي بالنسبة لولي الأمر هو القصاص أو العفو أو الدية ، ولكن لا يجوز للولي أن يعفو عن الجريمة ، وعلة ذلك عند العلماء هو أنه ( ..... لو سمح للمجنى عليه بالعفو عن الجريمة لما امكن معاقبة الجاني وفي هذا خطر شديد على الجماعة لأن الجريمة تمس الجماعة وإن كانت أكثر مساسا بالمجني عليه ، ولو سمح لولي الأمر بالعفو عن الجريمة لأمكن تعطيل حق المجنى عليه في القصاص والدية.)(*)

وأنا أخشى أن تكون هذه الدولارات هي ثمن لقبول شهادة الزور ، وشراء لصمتكم عن المنكر ، فإن كانت كذلك فإني أقول لكم ،هي حرام و لا يجوز لكم أخذها باي حال ، فأضربوا بها وجوه السماسرة ، فوالله لن تزيدكم إلا فقرا في قلوبكم ، وسقوطا من أعين الناس.

فإن كانت العرب تقول (تموت الحرة ولا تاكل بثدييها) فكيف تأكلوا بدماء أبناءكم التي لوثتها يد الغدر والعدوان؟؟؟

ـ فاصبروا وصابروا ، واستعينوا بالله ، فإن خانتكم حكومتكم وخذلتكم ـ وأظنها ستفعل ! أو ترككم الناس ـ ولا أظنهم يفعلون ـ. إلا أن الله تعالى لن يضيع أجركم وصبركم واحتسابكم ، وما عند الله تبارك وتعالى خير وابقى ، فلا تأخذوا من هذا المال قرشا حتى يعلن رسميا عن (الجاني الحقيقي).

وستبقى دماء أطفالكم لعنة ونذير شؤم على الجاني ومن أعانه أو تستر عليه ، واعلموا أن هذه الدنيا إنما هي فصل من الفصول سيمضى بحزنه وسروره ، وآماله وآلامه ، و عند الله يجتمع الخصوم ، وهو غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ونيس المبروك
استاذ الشريعة بالكلية الأوربية للدراسات الإسلامية ـ ويلز ـ المملكة المتحدة
الإثنين 16 من ذي الحجة 1426 الموافق 16 يناير 2006
________________________________________________

(*) عبدالقادر عودة ـ التشريع الجنائي ـ ج 1 ص 775 ـ طبعة دار التراث


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home