Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Tuesday, 18 September, 2007

أعدّها للنشر : بن جوّاد

كانوا يخططون لمحو الليبيين من وطنهم :
أيام بالبو في ليبيا
(*)

د. وهـبي البوري

انتهت المقاومة في ليبيا وانتهت ولاية المارشال بادوليو عليها وأخذ الجنرال غراتسياني يستعد لخلافة بادوليو لتولي منصب حاكم طرابلس وبرقه وكان يتولى في ذلك الوقت منصب نائب الوالي في برقه، غير أن موسوليني الذي ضايقته شعبية وزير طيرانه الشاب ( بالبو ) الذي اجتاز لأول مرة المحيط بسرب من الطائرات وصفق له العالم بأسره أراد إبعاده عن الساحة السياسية الإيطالية فعرض عليه ولاية طرابلس وبرقه متجاهلاً طموحات غرازياني.
لم يتقبل بالبو المنصب الجديد بعين الرضا فقد كان يطمح إلى الحصول على منصب يجعل منه الرجل الثاني في إيطاليا، ولذلك ظل متردداً ستة أشهر قبل أن يأتي طرابلس لتسلـّم عمله، ولكن يبدو أنه أعجب بليبيا وشعبها وقرر أن يعمل بجد واهتمام.
وقد اتسمت بداية ولاية بالبو بالنشاط والحركة والاتصال بالأعيان ورجال البلاد وكان يحاول أن يدخل في نفوس الناس أنه يختلف عن الولاة الجامدين الذين سبقوه وأنه يريد الإصلاح ورفع مستوى العرب و مداواة جروحهم وتمكينهم من العيش في اطمئنان واستقرار في ظل الحكم الإيطالي المباشر. ولم يُخفِ إعجابه بهم حيث أعلن أنه معجب بهؤلاء الأفريقيين الشماليين رجولة وذكاء وأن كلمتهم تساوي أي قرار مكتوب (1) وكان بالبو كثير التنقل بين مدينة وأخرى من المدن الليبية وفي كل مرة يصل إلى مكان يتصل في الحال برجاله البارزين والقضاة ويستمع إليهم ويناقشهم ويحاول فهم مشاكلهم وآرائهم.
وتمتع العرب في فترة حكمه بالهدوء والسكينة ولم تعد تلاحقهم الشرطة والمخابرات ولم يعد يرسل أحد إلى السجن لسبب سياسي وفتح أمامهم ميادين العمل وزاد رواتب الموظفين وجعل لهم " كوادر " تضمن حقوقهم ومستقبلهم وزاد من قيمة القروض الزراعية ومنع تربية الأغنام على غير المسلمين وأسس جمعية الليتوريو العربية التي وجد فيها الشبان و الأطفال مبتغاهم من الرياضة والترفيه والرحلات التي كانوا محرومين منها ويتمتع بها الشبان والأطفال الإيطاليون وكان أقصى شيء يريده بالبو للعرب مساواتهم بالإيطاليين وقد كتبت رسالة إلى مجلس الفاشست الأعلى بتاريخ 20/10/1936م طالبا فيها الموافقة على منح سكان ليبيا الشمالية الجنسية الإيطالية الكاملة. وقد رفض المجلس الطلب لتعارضه مع قوانين التمييز العنصري الصادرة أخيراً وطلب منه أن يتقد بمشروع قانون أكثر تواضعا، فتقدم حينئذ بقانون الجنسية الخاصة للمسلمين الذي منح بعض الليبيين جنسية خاصة تمنح حاملها من الامتيازات ما لم تمنحه الجنسية العادية لليبيين.
وتصرف بالبو منذ وصوله طرابلس تصرف نائب الملك لا كحاكم للمستعمرة وحول ليبيا إلى مملكة خاصة به فأقام مكتبه بالسرايا الحمراء مقر الحكام الأتراك والقرمنلي وحول قصر الحاكم إلى بلاط ملكي يزينه الخيالة الليبيون ببرانسهم الحمراء المزركشة وقد وقفوا عن مدخل القصر وفي الممران المؤدية إليه لتحية الضيوف، وقد أحاط نفسه بمجموعة من أصدقائه الذين أتى بهم من إيطاليا ومن بينهم مهندسون ومعماريون وصحافيون وكتاّب وفنانون ومثقفون وأسند إلى بعضهم مناصب في الولاية ومن بينهم اليهودي " ايفوليفي Ivo levi " الذي اسند إليه قيادة الشرطة في طرابلس وفتح قصره للحفلات التي كانت تقام للزوار القادمين من إيطاليا في مختلف المناسبات وكان يدعو إليها أعيان طرابلس الذين كانوا بملابسهم المزركشة وطرابيشهم الحمراء يضفون على الحفلات طابعاً شرقياً يسر له الزوار.
وظل غراتسياني محتفظاً بمنصبه كنائب للوالي في برقه. وأراد أن ينصح بالبو ويرشده إلى طريقة حكم البلاد، فبعث إليه بتقرير نصحه فيه بالإبقاء على الأوضاع الحالية في برقه وعلى الإجراءات العسكرية القائمة بقرب الحدود وعدم المساس بها خشية تسرب عناصر المقاومة إلى البلاد وقيامها بأي عمل عسكري.
وأكد له أنه يكفى أن يقوم أربعة أو خمسة من المتسللين بالاعتداء على إحدى عائلات المستوطنين لكي يدب الفزع والخوف بين جميع المعمرين وترتبك بصورة جدية عملية الاستيطان الزراعي بكاملها (2) تضايق بالبو من وجود غراتسياني في ليبيا وفي أول لقاء بينهما طلب منه مغادرة ليبيا. وكان بالبو لا يميل إلى غراتسياني ولا إلى أعماله التي ارتكبها في ليبيا ولذلك أمر بإزالة كل أثر له في ليبيا بما في ذلك اللوحات التذكارية التي تخلد المعارك التي انتصر فيها كما أمر بإزالة اسم زوجته من على مصيف جليانه ببنغازي، وشكـّل في نفس الوقت لجنة للبحث والتحقيق فيما ارتكبه غراتسياني من أعمال لا إنسانية في ليبيا لا تشرّف إيطاليا، وكان لهذه التدابير وقع حسن لدى السكان العرب الذين لا يريدون أن يبقى على أرضهم أي أثر يذكرهم بغراتسياني وأعماله البغيضة.
وكتب غراتسياني بعد نهاية الحرب أنه بعد أن قابل بالبو لأول مرة بعد توليه حكم طرابلس وبرقه طالبه أن يغادر ليبيا في أقرب وقت.
ويتسأل غراتسياني لماذا هذا العداء ضدي وضد أي شيء يتعلق بي أو يتحدث عنى ؟ ماذا جره إلى هذا التصرف الصبياني ، وقد ازداد عداءً لي منذ ذلك الوقت فحطم كل شيء يذكرني في ليبيا ووصل الأمر به إلى شطب اسمي من على بعض اللوحات المرمرية التي كانت تذكر بعض وقائعي وطارد رفاقي في العمل والمخاطر (3) .
وصدر مرسوم ملكي بتاريخ 3 / 12 1934م يقضي بتوحيد طرابلس وبرقه في حكومة واحدة مقرها طرابلس وتنقسم إداريا إلى أربع تصرفيات إقليمية هي طرابلس ومصراته وبنغازي ودرنه.
والتفت بالبو إلى مدينة طرابلس عاصمة ملكه فأولاها اهتمامه وعنايته وأراد أن يجعلها جديرة به، فصرف الأموال الطائلة في إصلاح الطرق وبناء الفنادق والعمارات والمرافق وزينها بالحدائق الجميلة وفتح شارع عمر المختار ووسعه وشيد فيع العمارات الضخمة فأصبح أهم شارع في المدينة واهتم بالخدمات الصحية وقام بحملة ضد التراكوما والسل الرئوي وأنشأ هيئة للسياحة والفنادق، قامت بإنشاء سلسلة من الفنادق في جميع أنحاء ليبيا وأعد مسرح صبراته الروماني لعرض المسرحيات الكلاسيكية التي كانت تقدمها فرق قادمة من إيطاليا.
وأراد بالبو أن يعطي طرابلس مظهرا دوليا فقرر إقامة سباق دولي للسيارات في طرابلس واختار الملاحة ( مطار معيتيقة حاليا) لتقام بها الطرق والتجهيزات الخاصة بالسباق وأقام أول سباق دولي للسيارات ما بين طرابلس وبنغازي شاركت فيه 22 سيارة إيطالية وأجنبية.
واهتم بالبو بالآثار فحول السرايا الحمراء إلى متحف ليبي وأتى بالخبراء لتنظيمه والإشراف عليه ومواصلة التنقيب في المواقع الأثرية.
ودعم بالبو معرض طرابلس الدولي وأدخل عليه تعديلات كثيرة. وفي عام 1934م شكل لجنة مكونة من سياسيين ومعماريين للإشراف على التطور العمراني لمدينة طرابلس وضواحيها، وشيد فندق الودان وزوده بالمطاعم والملاهي وكازينو للعب القمار. ولعل أهم عملين قام بهما بالبو في ليبيا هما قدوم العشرين ألف مستوطن وزيارة موليني إلى ليبيا.
أدرك بالبو أن عدد المعمرين الإيطاليين في العشرين سنة الماضية لا يتجاوز بضعة آلاف فقد حالت الثورة دون إيطاليا وتحقيق أهدافها الاستيطانية، ولذلك قرر بالاتفاق مع رؤسائه في روما تكثيف عملية الاستيطان لتعويض الزمن الضائع، وتقرر إرسال عشرين ألف مستوطن في العام بحيث يصل عددهم إلى 500ألف مستوطن في عام 1950م أي ما يقارب عدد السكان الليبيين، ولذلك تحقق الضفة الإيطالية الرابعة التي يسعى بالبو إلى تحقيقها ومن الطبيعي أن نصف المليون مستوطن سيتزايد باستمرار إلى أن يصبح السكان العرب أقلية في خدمة الأكثرية.
واستعمل بالبو في إعداد القرى التي ستستقبل العشرين ألف عدة شركات إيطالية وعشرة آلاف عامل إيطالي وخمسة وعشرين ألف عامل ليبي، وقد وجد المستعمرون لدى وصولهم مزرعة بها دار فسيحة مفروشة ومخازن ومياه وطعاماً في المعلبات وحيوانات وأدوات الزراعة.
كانت رؤية بالبو بالنسبة للاستيطان الإيطالي في ليبيا واضحة بقدر ما كانت رؤيته لمصير الليبيين مشوشة وغير واضحة وقد خطط منذ تولي الحكم في ليبيا على استعادة العشرين سنة التي ضاعت في قتال الليبيين وحالت دون تحقيق حلم إيطاليا في تحويل ليبيا إلى الضفة الرابعة الإيطالية وأراد بالبو تعويض الزمن الضائع بتكثيف الهجرة الإيطالية إلى ليبيا وترسيخ الوجود الإيطالي وتحقيق الحلم الذي راود المستعمرين الإيطاليين منذ عام 1911م، وقررت روما في هذه المرحلة، الإنفاق على توطين المعمرين في ليبيا واستقرارهم وأن تعد لهم الأرض والسكن والأدوات الزراعية والحيوانات وراتباً شهرياً يسد حاجة المستعمر إلى أن يستطيع أن يقف على قدميه ويصبح مالكاً للمزرعة بعد عشرين عاماً أو أقل وفقاً لمجهوده.
وفي الوقت الذي كان فيه بالبو يحاور الأعيان ورجال الدين حول الزمزامات وجهاز العروس وصدقة الميت وحلق الرؤوس كانت الشركات الإيطالية والمقاولون وعشرة آلاف عامل إيطالي وخمسة وعشرين ألف عامل ليبي يعملون ليل نهار لإصلاح الأراضي، وبناء القرى الجديدة التي ستستقبل المعمرين.
وقام بالبو بإخراج ضخم لرحلة العشرين ألف فأتى بهم في رحلة واحدة على ظهر (17) سبع عشرة باخرة وتحرسها طرادتان وجاء موسوليني إلى نابولي لتوديع المسافرين.
وفي يوم 10 /11 / 1938م وصلت البواخر طرابلس وكان بالبو في انتظارها، ونزل المعمرون واجتمعوا في ميدان السرايا الحمراء وركعوا وقبلوا أرض وطنهم الجديد وكانت أعينهم تذرف بالدموع وعينا بالبو أيضاً.
وأراد بالبو أن يطمئن أصدقائه العرب، فجمعهم بوادي " لثرون " حيث تناول معهم الطعام العربي وقد أعلمهم بأن أراضي الجبل الأخضر بكاملها خصصت للإيطاليين في حين خصص للقبائل التي كانت تسكن الجبل سابقا المنحدر الجنوبي من الجبل. وتحدث بعض الحاضرين فقال أن هذا الإجراء يعني القضاء على الليبيين لأن الأرض التي خصصت لهم لا تتوفر فيها المراعي دائما ولا الأمطار ولا المياه.
وبعد أقل من ثلاث سنوات عاد العشرون ألف معمر إلى إيطاليا وهم يبكون بعدما خلفوا وراءهم الحلم الجميل وكل ما كانوا يملكون وبعد أن فقدوا أكثر من خمسين قتيلا.
بذل المارشال بالبو كل طاقته وجهوده وبراعته من أجل جعل زيارة موسوليني إلى ليبيا حدثاً تاريخيا يبهر الليبيين ويثير اهتمام العالم ويرضي غرور موسوليني.
وجاءت هذه الزيارة في وقت صعد فيه نجم موسوليني إلى القمة بعد انتصاره على الليبيين والإثيوبيين وعلى عصبة الأمم والدول الكبرى وتأسيس الإمبراطورية الفاشستية وجند بالبو جميع إمكانيات ليبيا البشرية والمادية.
وفي سبيل إنجاح هذه الزيارة أكثر من تجواله في جميع أنحاء ليبيا وكثف اتصالاته بالليبيين شارحا لهم مغزى هذه الزيارة وما سوف يترتب عليها من فوائد توازي عشر (صابات ) أي محصول عشر سنوات جيدة من الحبوب وهو الخبز الذي يقدمه لليبيين مقابل مساهمتهم في انتصار إيطاليا على إثيوبيا.
وشكل بالبو لجاناً في جميع أنحاء ليبيا قامت في كل البلاد بتنظيم مشاركة الليبيين في الاحتفالات، فشجعت الشعراء على نظم قصائد المديح والشبان على إقامة الاحتفالات وأشرفت على إقامة الزينات وإعداد تلاميذ المدارس لهذا اليوم الخالد . ووزعت البلديات الأموال على الطرق الصوفية لتجديد أعلامها وتجهيزاتها، واستعدت ليبيا بأكملها لاستقبال الزعيم.
وحشد بالبو السكان الرحّل على طول الطريق التي سيجتازها موسوليني ليلوحوا له ويهتفوا بحياته وكان هؤلاء هم العائدون من معتقلات العذاب. ووصل موكب موسوليني إلى طبرق يوم 10 / 3 / 1937م واتجه إلى الحدود المصرية وألقى خطاباً ثم توجه إلى درنة حيث قضى الليلة فيها وفي الصباح اتجه لزيارة قرى المعمرين وزار راس الهلال وقضى ليلته في شحات وفي صباح اليوم التالي توجه إلى بنغازي التي قوبل فيها بالهتافات والمظاهرات، وقد اخترق سوق الجريد وسوق الظلام على قدميه وكانا مفروشين بالسجاد العجمي وأطل من شرفة البلدية على الجماهير وألقى خطابا من ثلاثين كلمة.
وواصل في اليوم التالي رحلته إلى الشق الغربي من ليبيا. وقد رتب له بالبو أماكن توقفه على طول الطريق حيث كان يستمع إلى كلمات القضاة ويتحدث إلى بعض الناس ثم يهبهم السكر والشاي والأرز هدية.
وقضى موسوليني ورفاقه الليل في معسكر أعد لهم في رأس الأنوف ومر موسوليني بسرت ومصراته وزليتن حيث استمع إلى خطب القضاة ووزع السكر والشاي على الحاضرين وقد وصل طرابلس ودخلها دخول الفاتحين فأطلقت المدافع وأضيئت الأنوار وارتفعت الهتافات فركب جواده وسار على رأس ألفي فارس ليبي إلى ميدان القصر حيث أقيمت سرادق تتسع لخمسة آلاف مدعو. وقد تجلت قمت إخراج بالبو في الاحتفال الكبير الذي أقيم في سهل بوغرارة حيث حشد قرابة ثلاثة آلاف فارس ليبي يتقدمهم جمع من الأعيان والمشايخ ورجال الدين واعتلى موسوليني صهوة جواده وصعد إلى ربوة يطل على الجموع، ثم تقدم إليه يوسف خربيش وقدم له سيفاً قائلاً له أنه ( باسم عساكر ومسلمي ليبيا الفخورين بأنهم أبناء إيطاليا الفاشستية أقدم إليك أيها الزعيم سيف الإسلام القاطع ) فاستلم منه موسوليني السيف واستله من غماده ورفعه إلى أعلى وهزه عدة مرات ثم صاح بأعلى صوته: يا أولاد، نداء الحرب الليبي. وردد الفرسان العرب النداء بصوت واحد اهتز له المكان وانطلق الزعيم على رأس الفرسان مخترقا شوارع طرابلس إلى أن وصل ميدان السرايا الحمراء الذي كان غاصا بالجماهير واعتلى بجواده ربوة أعدت خصيصا وألقى خطابه الذي كان الجميع في انتظاره.
ولم يذكر موسوليني في خطابه شيئا يرضي الليبيين سوى وعود لم تتحقق ولم ينعم الزعيم برحلته المثيرة إلى ليبيا لأنه تلقى نبأ هزيمة الجيش الإيطالي في وادي وادي الحجارة بإسبانيا وكانت إيطاليا قد أرسلت قوات إيطالية إلى إسبانيا لمساعدة فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية وقطع موسوليني رحلته وغادر ليبيا متوجها إلى إيطاليا.

* * *

اختار بالبو طريق الدين الإسلامي للوصول إلى قلوب الليبيين والتأثير عليهم فقد جعل واجهة الشعب الليبي من رجال الدين وجعلهم يمثلون في كل مكان الشعب الليبي ويتحدثون باسمه وارتفعت أسهم القضاة وأصبحوا يشاركون في كل اجتماع وأمر بالبو بإصلاح أضرحة الأولياء والمساجد والزوايا والمدارس الدينية المشهورة وأمر بإطلاق سراح المسجونين والمعتقلين السياسيين.
وقام بإنشاء المدرسة الإسلامية العليا كي يحول دون الطلبة وذهابهم إلى مصر وتونس لتلقي علومهم الدينية وتوج بالبو نشاطه بإعطاء موسوليني لقب حامي الإسلام.
وكتب رسالة إلى روما يطالبها ببناء مسجد في روما عاصمة الكاثوليكية وقد اندهش المسؤولون للطلب وغضب الفاتيكان لذلك ورفض الطلب واستنكره وظل رافظا فكرة بناء مسجد إسلامي في روما على مدى نصف قرن ثم شيد المسجد في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي بأموال عربية .
وفي يوم 10 / 6 / 1940م أعلنت إيطاليا الحرب على فرنسا وبريطانيا إلى جانب ألمانيا التي احتلت فرنسا وأجبرت بريطانيا على الانسحاب إلى جزيرتها، وعين موسوليني المارشال بالبو قائداً عاماً للقوات الإيطالية في شمال إفريقيا. وكان بالبو يخطط لاحتلال الإسكندرية سواء دخلت إيطاليا الحرب أم لم تدخل لقد كان يبحث عن تحقيق مجد يجعله الرجل الثاني في إيطاليا ووضع خطة عسكرية لتحقيق هذا الهدف عرضها على المارشال بادوليو وغيره من القادة غير أنهم لم يشجعوه على فكرته ومع ذلك فقد ظل بالبو مصراً على احتلال الإسكندرية. وزار القاهرة في شهر مايو 1939م والتقى بالملك فاروق وبرئيس وزرائه محمد محمود باشا وطلب منهما الدخول في مفاوضات لرسم الحدود مع السودان ن وطمأن السلطات المصرية بأن الجنود الإيطاليين الموجودين على الحدود المصرية لا يكونون خطرا على مصر وأن إيطاليا تكن لمصر كل مودة وخير واقترح عليهما في نفس الوقت عقد معاهدة صداقة وحسن جوار مع إيطاليا.
ومر سبعة عشر يوما على دخول إيطاليا الحرب دون أن يتحرك بالبو لتحقيق هدفه فقد أراد له القدر مصيرا آخر فقد أطلقت الطرادة سان جورجو الراسية بطبرق مدافعها على طائرة بالبو التي كانت تستعد للهبوط في طبرق فأسقطتها وأردته قتيلا مع من كان معه في الطائرة.
مات بالبو دون أن يشهد هزيمة إيطاليا في ليبيا واحتلال بريطانيا لها ولا عودة العشرين ألف مستوطن وقد خلفوا وراءهم أحلامهم وآمالهم وكل ما يملكون بعدما قوبلوا بالورود والموسيقى يوم وصولهم.
ولخص بالبو فلسفته الجديدة وأفكاره حول التعاون مع الليبيين في دراسة قدمها إلى منتدى " قولنا " الذي عقد في روما في شهر أكتوبر 1938م بعنوان " السياسة الاجتماعية الفاشستية تجاه عرب ليبيا "أوضح فيها أن التعاون العربي الإيطالي ضرورة لابد منها، وأن سكان الولايات الشمالية الذين لهم صفاتهم وتقاليدهم لا يجوز أن يظلوا في وضع المستعمر، فيجب القيام بعمل سياسي ومعنوي لتغيير تركيبة هؤلاء السكان الاجتماعية وإيجاد الأسباب الضرورية لتمكينهم من اشتراك مباشر في الحياة الاجتماعية ويشترط بالبو لتحقيق تعاون إيطالي عربي وذلك بأن يتحسن مستوى العرب الثقافي والاجتماعي بحيث يستطيعون التطلع إلى شغل المناصب والوظائف العامة المهمة.

* * *

اختلفت آراء الليبيين في سياسة بالبو تجاه عرب ليبيا. ففريق يقول إن بالبو كان صادقا في تودده للعرب والعمل على رع مستواهم الاجتماعي والسياسي، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وإعدادهم لتولي مناصب مهمة والمشاركة في حكم وطنهم. وقد عمل على تحسين أوضاع الموظفين ورفع أجورهم وإيجاد مناصب كبيرة لهم في الإدارة مثل مستشار وكاتب الأشغال العربية. وتحسين أوضاع القضاة. وأراد بالبو إصلاح الأوضاع الاقتصادية الليبية فأمر باقتصار تربية الأغنام على المسلمين من الليبيين ومنح القروض الزراعية وعمل بالبو على إنقاذ الثروة الحيوانية في طرابلس بترحيل 300 ألف رأس غنم من طريق البحر للرعي في برقة بسبب الجفاف الحاد الذي أصاب طرابلس.
وقام بتأسيس جمعية شباب الليتوريو العربي. وأسس المدرسة الإسلامية العليا. وكون هيئة استشارية من الأعيان ورجال الدين وأمر ببناء المساجد وإصلاح الزوايا.
ويرى الفريق الآخر أن بالبو من أبرز الرموز في النظام الفاشستي والمؤمنين بمبادئه وهو نظام استعماري متطرف يؤمن بالقوة والسلطة والاستعمار ولم يعد العرب بأي نظام يحفظ وحدتهم ولغتهم وكيانهم بل وعدهم بأن يكونوا جزءاً من الشعب الإيطالي وتكون بلادهم ضفة رابعة إيطالية وقد اختلف بالبو عن الولاة الذين سبقوه لأنه جاء بعد نهاية الثورة وتوقف القتال وخضوع الليبيين لإيطاليا فلو جاء والقتال مازال مشتعلا لاختلف موقفه بالنسبة للعرب، فبالبو لم يعط ليبياً واحداً منصباً مهماً في إدارة البلاد وظل الموظفون العرب في دوائر الحكومة تابعين لأقل موظف إيطالي مهما كانت مؤهلاتهم وخبراتهم. ولم يؤسس مدرسة ثانوية واحدة لأبناء العرب ولم يسمح لعربي أن يترأس مكتبا يعمل به إيطالي ولم يتراجع عن انتزاع أراضي العرب ومنحها للإيطاليين وقد كون بالبو، كما سبق وذكرنا، هيئة استشارية كبيرة من الأعيان والقضاة والمشايخ لبحث مشاكل البلاد واجتمعوا بحضور بالبو ورجال حكومته وانقضى الاجتماع بصدور قرارات تافهة لا علاقة لها بمشاكل البلاد وقضاياها الملحة.
ويؤكد المعارضون لسياسة بالبو أنه جاء ليبيا وفي ذهنه أمران: تحويل ليبيا إلى جزء متمم لإيطاليا وتحويل شعبها إلى مواطنين تابعين من الدرجة الثانية.
وأراد بالبو أن يشعر الليبيين بتحقيق وعود موسوليني التي تلخصت في صدور مرسوم يضم المتصرفات الأربع الليبية الشمالية إلى المملكة الإيطالية باعتبارها المقاطعة التاسعة عشرة مع بقائها تحت إدارة وزارة المستعمرات وإبقاء الأوضاع على ما هي عليه.
________________________

(*) مجلة "تراث الشعب" العدد "1" مسلسل 55، السنة 27 ـ 2007م
الهوامش والمراجع:
   (1) كلوديو سيقري ـ الشاطئ الرابع ـ الترجمة العربية طرابلس 1987 ص 110.
   (2) جورج روشاة ـ بالبو ـ تورينو 1986 ص 10.
   (3) إيتالو بالبو "السياسة الاجتماعية الفاشستية تجاه العرب في ليبيا" وثائق منتدى فولتا ـ روما ـ أكتوبر 1938 ص 375.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home