Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Saturday, 16 September, 2006

أعدّها للنشر : بن جوّاد

عـمر المختار و بادوليو
أو مفاوضات سيدي ارحومه
(*)

د. وهـبي البوري

في أواخر العشرينيات من القرن الماضي بدأت ايطاليا الفاشستية تحتل موقعا ملحوظا على الساحة الدولية وبدأ موسوليني يشاكس فرنسا وبريطانيا مطالبا بحق ايطاليا في مزيد من المستعمرات ، ومن المعروف أن ايطاليا شاركت في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء وفقدت فيها مليونا من أبنائها ما بين قتيل و مفقود ، وخرجت منها "صفر اليدين" في حين اقتسمت بريطانيا وفرنسا الولايات العثمانية العربية والمستعمرات الألمانية في إفريقيا ولم تحصل ايطاليا على شئ ، و وجه موسوليني نظره إلى جنوب و شرق البحر الأبيض المتوسط لتغذية روح الحرية و التمرد بين أبنائها و إزعاج فرنسا و بريطانيا اللتين تحتلان هذه البلاد ، و اختار القنصلية الإيطالية بالقدس مركزا له للنشاط و للاتصال بالعناصر الوطنية المطالبة بالاستقلال ،، وأدركت الدبلوماسية الإيطالية أنها لا تستطيع تحقيق أهدافها المذكورة مادام الصراع الإيطالي الليبي قائما ومادامت الشعوب العربية تتعاطف مع المجاهدين و تنقم على ايطاليا ، كما أن استمرار المقاومة الليبية لما يقارب العشرين عاما كان يسئ إلى سمعة ايطاليا العسكرية ويشير إلى عجزها عن توطيد سيادتها على المستعمرة الوحيدة التي حصلت عليها بالبحر الأبيض .
وبما أن جميع المحاولات التي بذلت لوضع حد للقتال في ليبيا قد باءت بالفشل فقد قرّر موسوليني تغيير القيادات العسكرية في ليبيا و تغيير إستراتيجية الحرب .
فأقال الجنرال " دي بونو" والي طرابلس والجنرال "تيروتسي" والي برقه و وزير المستعمرات "فيدروزوني" و لجأ إلى المارشال " بادوليو" رئيس أركان حرب القوات المسلحة الإيطالية والعسكري الأكثر شهرة في ايطاليا ، و عرض عليه أن يكون حاكما عاما لطرابلس و برقه وأن يتكفل بإنهاء المقاومة فيهما .
والمارشال بادوليو محسوب على الملك و من المقربين إليه ويعتبر رجل الملمات في ايطاليا ، فقد لجأ إليه موسوليني ، كما ذكرنا للقضاء على الثورة في ليبيا ، ولجأ إليه مرة أخرى لاحتلال إثيوبيا بعد أن فشل الجنرال دي بونو في ذلك ، كما لجأ إليه الملك لتصفية موسوليني نفسه ونظامه عام 1943م.
لم يقبل المارشال بادوليو المنصب الذي عرضه عليه موسوليني بسهولة فقد وضع شروطا من بينها أن لا تقل ولايته عن خمس سنوات وأن يمنح لقبا نبيلا وأن يتقاضى راتبا مرتفعا.
وصل المارشال بيترو بادوليو طرابلس يوم 24/1/1929م واصدر في نفس اليوم منشورين أولهما للإيطاليين أكد فيه أن الاستيطان الزراعي في طرابلس و برقه أصبح حقيقة بعد أن كان مجرد رغبة وثانيهما للعرب هددهم فيه بالويل و الثبور ، وفي الوقت الذي وافق فيه على استمرار الحرب للقضاء على المقاومة في جنوب طرابلس ، فقد أمر نائبه في برقه الجنرال "سيشلياني" أن يسحب المراكز العسكرية المتقدمة في برقه وأن يضع خط دفاع تكون جميع القوات داخله كما طلب منه الاتصال ببعض الأعيان و تكليفهم بالاتصال بعمر المختار و دعوته إلى الحوار لوضع حد للقتال الدائر ، و استغرب الجميع أن يطلب بادوليو السلام وهو رجل الحرب الذي أرسل للقضاء على الثورة في ليبيا ، ويبدو أن بادوليو اتفق مع موسوليني على الحوار مع الثوار للوصول إلى حلول تحقن الدماء و لا تمس بالسيادة الإيطالية على كامل ليبيا ، ولم يسلك بادوليو طريق السلام لأنه يؤمن به و إنما كما قال جورج روشات : "لأنه كان يرمي إلى الحصول على نجاح شخصي يضع حدا للقتال و المعاناة في غضون أشهر قليلة دون اقتسام حقيقي للسلطة مع الليبيين وكان يحاول من وراء السلام تحقيق تغلغل تدريجي داخل البلاد يحقق لإيطاليا أهدافها بدلا من اللجوء إلى الطرف التقليدية المستندة على السلاح" (1)

المفاوضات :

شرع الجنرال سيشلياني نائب الوالي في برقه في الاتصال ببعض المشايخ المعروفين لنفوذهم و علاقتهم الطيبة بعمر المختار و طلب منهم الاتصال بقائد الثورة و إبلاغه برغبة المارشال بادوليو في تجنيب البلاد مزيد من الدماء و وضع حد للقتال ، و دامت هذه الاتصالات قرابة الشهرين قبل أن يوافق عمر المختار على الالتقاء بالإيطاليين .
و على الرغم من الشكوك التي تلازمه من حقيقة أهداف إيطاليا فقد التقى عمر المختار بمتصرف درنه داود ياشي **** في يوم 20/3/1929م بحضور جمع من الأعيان و المشايخ ، و تبادل الطرفان وجهات النظر و الأفكار للوصول إلى صيغة اتفاق مقبولة من الجانبين يتم الاتفاق عليها في اجتماع يعقد بين المختار و بادوليو .
و تواصلت لقاءات الطرفين في سانية القيقب يوم 27/3/1929م و في منطقة الباكور يوم 20/4/1929م و لم تسفر جميع هذه اللقاءات عن تقارب في وجهات نظر الطرفين أو بلورة صيغة اتفاق يرضي الجانبين ، و قدّم الوفد الإيطالي في اجتماع قصر القيقب صيغة تقريرية لشروط ايطاليا من بينها وهو أهم ما فيها بالنسبة إلى إيطاليا تسليم المجاهدين نصف سلاحهم مقابل ألف ليرة للبندقية و يضم نصف المجاهدين الآخر الذي احتفظ بسلاحه إلى تنظيمات تنشئها الحكومة لفترة من الزمن يتفق عليها إلى أن يتم إعداد المكان المناسب لإقامتهم و تموينهم و مراقبتهم (2) و لم تتضمن تلك الشروط أي حق سياسي لليبيين و قد رفضها المختار بشدة كما عارض فكرة نزع السلاح من المجاهدين .
و عقد اجتماع ثالث في قندولة يوم 30/3/1928م حضره الفضيل بوعمر و عبد الحميد العبار و غيرهم من قادة المقاومة و عدد من الأعيان و المشايخ ،و لم يخف المختار في هذا لاجتماع شكوكه في نوايا إيطاليا فطلب حضور مراقبين من مصر و تونس يشهدون على الاتفاق الذي يتم التوصل إليه ، و يقول شهود عيان أن هذا اللقاء كان صاخبا و تبودلت فيه الاتهامات إلا أنه تم الاتفاق على لقاء عمر المختار مع الجنرال سيشلياني نائب الوالي في برقه ، و قد تم هذا اللقاء يوم 3/6/1929م و في هذا اللقاء قدم الجانب الليبي شروطه التي لم نعثر عليها في أي مصدر إيطالي أو عربي غير أن الدكتور فؤاد شكري يقول أن هذه الشروط في جوهرها لا تبعد عن اتفاقيات عام 1919م و ما يقاربها(3) ويبدو أن الجنرال سيشلياني أقنع المختار أن لقاءه مع المارشال بادوليو قد يكون مفيدا و مثمرا ، وتم الاتفاق على أن يعقد في" سيدي ارحومه " بالقرب من المرج يوم 19/6/1929م.
و وقع اللقاء التاريخي بين حاكم ليبيا العام و قائد الثورة في برقه في المكان و الزمان المحددين للتفاوض من أجل إحلال السلام في ربوع ليبيا، ووصل عمر المختار إلى سيدي ارحومه على رأس أربعمائة مقاتل و قد طوقوا المنطقة و اتخذوا احتياطات أمنية للمحافظة على زعيمهم ووصل بادوليو ورفاقه في أربع سيارات وكان بصحبته الجنرال سيشلياني ومتصرف درنه داودياشي ومتصرف المرج باريلي وعدد من كبار رجال الجيش والشرطة والموظفين ، كما حضر الاجتماع عدد من الأعيان والمشايخ الذين اشتركوا في الواسطة – وقرأ الفضيل بوعمر شروط المجاهدين التي استلمها بادوليو ووعد برفعها إلى رؤسائه ، ودار نقاش حول السلام والتنازلات التي قدمها كل من الطرفين واقترح المارشال بادوليو عقد هدنه لمدة شهرين تتوقف فيها جميع العمليات العسكرية لأن المفاوضات قد تستغرق بعض الوقت ويجب أن تدور في جو هادئ .
وانتهى الاجتماع بصورة ودّية وتبادل الطرفان الهدايا فقد وزّع بادوليو ساعات ذهبية على مساعدي عمر المختار و أهدى الأخير جوادا عربيا أصيلا إلى بادوليو وأخذت الصور التذكارية للمفاوضين يتوسطهم عمر المختار وبادوليو وقد نشرتها مجلة اللطائف المصورة في وقته ، وكان جو المفاوضات يوحي بجديتها وبأنها ولاشك ستضع حدا للصراع الدائر وكان لقاء عمر المختار ببادوليو لقاء الند للند . ووصف الكاتب الإيطالي كانيفاري اللقاء : " بأن عمر المختار وصل مكان الاجتماع محاطا بفرسانه كما يصل المنتصر الذي جاء ليملي شروطه على المغلوب(4) ، وقد تم الاتفاق على الهدنة شفويا وتحاشى اٌيطاليون تقديم أية ورقة مكتوبة وموقعة إلى الجانب الليبي وذلك إلى جانب التعتيم الإعلامي الكامل على المفاوضات وتجاهلت الصحافة المحلية الإيطالية ما كان يجري في " سيدي ارحومه " الأمر الذي أثار دهشة واستغراب الدوائر السياسية وكان ذلك يدل على سوء نية إيطاليا المبيتة للغدر بالمجاهدين وخداعهم .
عاد بادوليو من سيدي ارحومه إلى بنغازي يحمل مفاجأة كبيرة أذهلت الجميع ، فقد أبرق إلى روما معلنا أن عمر المختار ورجاله قد استسلموا دون ذكر الشروط التي تم على أساسها الاستسلام ، وعقد في طرابلس مؤتمرا صحافيا نفى فيه أنه قام بمفاوضات مع عمر المختار وأن الأخير استسلم بناء على ضغط رجاله الذين أرهقتهم الحرب والحرمان والمصاعب ، وذهل الناس في ليبيا لهذا النبأ وكان عمر المختار أكثرهم ذهولا ، فهو لم يستسلم ولم يعِد بادوليو بشي باستثناء الاتفاق على هدنه شهرين غير أن هذا الاستسلام المزعوم كذبته الوقائع فقد ظل عمر المختار ورجاله محتفظين بسلاحهم ينتظرون رد إيطاليا بخصوص مواصلة المفاوضات ولكن الإيطاليون صدقوا بادوليو وظلوا ينتظرون وصول عمر المختار إلى بنغازي مستسلما وطال انتظارهم ولم يسلـّم المجاهدون بندقية واحدة .

ما بعد المفاوضات

كان موقف بادوليو حرجا و صعبا وقد اهتزت مصداقيته فاستسلام عمر المختار لم يتحقق والثورة لم تنته وبدأت روما تتسأل عن حقيقة الموقف ، غير أن بادوليو صمم على السير في طريقه وصمّ أذنيه عن الانتقادات وكان واثقا من أن الثورة في طريق الانهيار بعد أن انفصل عنها البعض ، وبعد أن واصل العملاء وكبار الموظفين مساعيهم لتمزيق ما تبقى من الثوار مع عمر المختار . وحلل جورج روشات أوضاع بادوليو في تلك الفترة فكتب : إن وضع بادوليو لم يكن سهلا فكان عليه أن يحارب على جبهتين : المجاهدين من جهة والأوساط الاستعمارية من الجهة الثانية ، والاثنان مستعدان لاستغلال أي خطأ يصدر عنه ومن هنا ، كما يبدو أختار العمل المزدوج الذي لا يخلو من خطورة فهو يؤكد للأوساط لاستعمارية أن استسلام عمر المختار نهائي وبدون شروط بحيث يستطيع أن يواصل سياسته دون تدخل خارجي ليتسنى له مواصلة المفاوضات مع عمر المختار للوصول إلى حل وسط يؤدي إلى السلام و تقاسم السلطة في برقه .
غير أن باوليو كان مقتنعا أن هدنة لبضعة أشهر يصحبها عمل ذكي لعمليات الإغراءات المالية وشق صفوف الثوار تكفي للوصول إلى سلم يؤمن سيادة إيطاليا الكاملة على ليبيا .
كان بادوليو مستعدا لتقديم الكثير إلى عمر المختار على المدى المباشر دون أن يصل إلى اتفاقية رسمية مكتوبة كان الطرف الليبي يطالب بها ، وقد وعده الجنرال سيشلياني بها وقد راهن بادوليو على الخلافات التي يغذيها الإيطاليون وعلى تعب سكان الجبل الأخضر وهي عوامل تجعل من استئناف القتال في وقت قريب أمرا مستحيلا (5) غير أن عمر المختار كان أبعد نظرا فقد أدرك من البداية حدود اللعبة الإيطالية فأخذ حذره وابتعد بقواته عن المراكز الإيطالية ليجنبها عمليات الإغراءات و الاستقطاب التي وقع فيها البعض وواصل احترامه للهدنة على أمل مواصلة المفاوضات وقد بعث برسالة إلى الجنرال سيشلياني يوم 29/6/1929م يلفت نظره إلى المماطلة الإيطالية والتسويف في استئناف المفاوضات وإلى تصرفات كبار الموظفين الإيطاليين والعملاء لبث الفتنة بين المجاهدين واستمالتهم إلى ايطاليا عن طريق الإغراءات المادية والمالية وكانت رسالة المختار واضحة فقد أراد أن يشعر بادوليو أنه على علم بمخططاته ومحولاته الرخيصة للقضاء على الثورة بدون حرب .
مرت أشهر صيف عام 1929م والأوضاع بين المجاهدين و ايطاليا على ما هي عليه فبادوليو كان ينتظر من أعوانه في برقه أن ينجحوا في مهمتهم ويمزقوا قوات عمر المختار ويدفعوها إلى لاستسلام وعمر المختار من الجهة احترم الهدنة وظل ينتظر استئناف المفاوضات وإن كان لا يؤمل خيرا من خصومه وكانت روما في نفس الوقت قد أرسلت الوزير المفوض باترو (*********) إلى القاهرة للاتصال بزعامة المهاجرين للحصول على مساعدتها في ايجاد حل سلمي للوضع السائد في برقه .
وفي يوم 25/9/1929م أرسل عمر المختار رسالة إلى سيشلياني أشعره فيها بأن مندوبي الحكومة ورؤساء التفاوض المرتبطين بكم يقومون ببث الخلاف بيننا بمساعدة بعض المتصرفين الذين يقومون بتوزيع المؤن والأغذية وأن المسؤولية تقع على الحكومة إذا تسبب ذلك في سؤ تفاهم (6) وفي 19 أكتوبر بعث عمر المختار برسالة إلى بادوليو ينذره بأن الهدنة لن تجدد بعد يوم 24/10/1929م وبعث في نفس الوقت ببيان إلى الصحافة المصرية نشرته صحيفتا المقطم والأهرام يوم 20/10/1929م ضمنه مجمل الحوار الذي دار بينه وبين بادوليو في سيدي ارحومه والذي صحح فيه الوقائع التي كان يذيعها الايطاليون على غير جديتهم ومحاولاتهم تدمير المقاومة عن طريق شراء الضمائر والدسيسة وشق الصفوف وأكد أن اجتماع سيدي ارحومه انتهى بالاتفاق على الهدنة وقد سلم الجانب الليبي شروطه إلى بادوليو الذي وعد بنقلها إلى رؤسائه .
وقد أحد بيان عمر المختار الذي نشرته الصحافة المصرية هزة في روما وغضبا بسبب الأوضاع المتردية في ليبيا والتي يبدو أن بادوليو عاجز عن حلها .
وكانت روما تؤمل في أن ينجح مندوبها الذي أرسلته إلى القاهرة في إيجاد الحل الذي عجز عنه بادوليو .
وكان بادوليو يحاول إقناع المسؤولين في روما بأن الأمور سائرة على مايرام وأرسل يوم 16/11/1929م برقية إلى وزير المستعمرات جاء فيها : " لا أدري ما هي الأكاذيب الأخرى التي يخترعها عمر المختار لاتهام الحكومة بأنها لم تف بكلمتها وأنكم تعلمون أن خيال المشايخ العرب واسع عندما يتعلق الأمر بإخفاء الحقائق ولا يجب العدو ورائهم وإنما ضربهم بقوة .. فإذا ظلت حركة عمر المختار معزولة فيكون من السهل القضاء عليها ، إن ثلثي الثوار سيكونون جانبنا ، إن الوضع لا يثير أي قلق وسنتغلب عليه في وقت قصير " (7)

انفجار الموقف

انفجر الموقف يوم 8 نوفمبر 1929م أي قبل ثلاثة أسابيع من الموعد الذي حدده عمر المختار لانتهاء الهدنة فقد هاجمت مجموعة من المجاهدين دورية من الضابطية وأبادتها وتسبب الحادث في غضب الايطاليين وبادوليو بصوره خاصة الذي انهارت آماله في إنهاء الثورة سلميا وانزعج موسوليني وأوقف الاتصالات الجارية في مصر وأمر بالعودة إلى القوة والحرب وشمت دي بونو وزير المستعمرات في بادوليو وأرسل له يوم 10/11/1929م برقية جافة ضمنها كل حقده وكراهيته لبادوليو جاء فيها : لقد تحقق مع الأسف كل ما كنت أتوقعه وأشرت إليه في رسائلي ، إن رئيس الحكومة الذي أطلعته على الوضع يوافق على اقتراحاتي التالية:
1. قطع أي نوع من المفاوضات والتسامح مع الثوار ومهاجمتهم باستمرار .
2. وضع رقابة شديدة على جميع المشايخ دون أي اعتبار .
3. عدم الكلام عن أي استسلام ما لم يكن حقيقيا.
4. شنق المشايخ الذين يقعون في أيدينا .
5. من الضروري أن يكون لهذا الفسل أقل صدى ، نحن هنا سنصدر الأوامر بعدم نشر أي شئ عنه ، نائب الوالي سيشلياني برهن على أنه ليس في مستوى مركزه يجب تغييره دون أن يعرف بأنه عزل لسبب فشله السياسي (8)

اتهمت ايطاليا عمر المختار بالخيانة وخرق الهدنة . وحادث الاعتداء على الدورية الايطالية يحيط به الغموض ، عمر المختار لا يأمر بعمل كهذا وهو الذي حدد موعد انتهاء الهدنة وهو الحريص على وعوده وتعهداته والذي دبر الحادث هو من المستفيدين من الحرب وبعضهم يتعاون مع الثوار ويبيع لهم السلاح .
وكان رد فعل الجنرال سيشلياني على قتل أفراد الدورية إرسال أربع طائرات لقصف منتجعات المجاهدين بمن فيها من نساء وأطفال وشيوخ وقد تمكن المجاهدون من إسقاط إحدى الطائرات وأسر طيارها ، واصدر سيشلياني بعد مرور يوم على الحادث بيانا قال فيه : لقد فرضت علينا خيانة عمر المختار استئناف الحرب ضد الثوار وسيكون قتال شامل بدون رحمة أو توقف ضد كل من يرفع السلاح في وجه الحكومة أو حمله بدون ترخيص(9) واتفق بادوليو وسيشليلني على توجيه ضربة قوية للثوار وهم لازالوا في حالة تفكك وارتباك بعد أن تخلى عنهم جزء من المقاتلين .
وبعد أربعة أيام من سقوط الطائرة الايطالية ، حشد الايطاليون قواتهم وطائراتهم وآلياتهم لمهاجمة وتطويق الدوار وإبادتها وتولى الطيران الدور الأول في المعركة .
وكان بادوليو عندما أمر بهذا الهجوم على ثقة بأن الثورة تفككت وأصبحت على وشك الانهيار ونقل قناعته هذه إلى وزير المستعمرات مؤكدا له القضاء على الثوار في وقت قريب .
وفشلت القوات الايطالية في مهمتها وتمكن الثوار من الإفلات من عملية التطويق بفضل استماتة قوات الحماية كما اعترف الجنرال سيشلياني بذلك.
وكانت هذه أول معركة يخوضها بادوليو ضد المجاهدين ولم تختلف نتائجها عن نتائج المعارك التي سبقتها والتي أطاحت بثلاثة ولاة وقد أدرك بادوليو أن خصمه شديد ومنظم وذكي ولا يمكن التغلب عليه في حرب تقليدية وقد وصف بادوليو عمر المختار لوزير المستعمرات فكتب : " عمر المختار هو المحور الذي تدور حوله الثورة وهو يحظى بسلطة ونفوذ مطلقين ولا يشاركه أحد في السلطة ولديه نواب مخلصون وملتزمون فمن المستحيل استعمال الأسلوب المعتاد لاستغلال كوامن الغيرة والتنافس والحقد التي تتوفر دائما حيث يوجد عدة زعماء، إن إرادة عمر المختار القوية هي التي تملي القوانين في أي وقت وأي ظرف (10)

حرب الإبادة

اهتز وضع المارشال بادوليو بعد فشله في المفاوضات وبعد الإخفاق في الهجوم الذي قصد منه إنهاء الثورة واستغل الجنرال دي بونو وزير المستعمرات تزعزع مركز بادوليو فانهال عليه بالتعليمات والتوجيهات وطلب منه إعفاء نائبه الجنرال سيشلياني وتعيين الجنرال غراتسياني بديلا له وكان دي بونو يريد أن يخلق من غراتسياني ندا لبادوليو ومنافسا له . وفي هذه الأثناء بدأت الشكوك تحوم حول البعض ، فقررت السلطة الايطالية نزع سلاحهم إلا أنهم قاوموا وجرت معركة عنيفة بين الطرفين استشهد فيها ثمانون شخصا وأسر قرابة المائة واستطاع الباقون من شق طريقهم من بين المهاجمين والالتحاق بقوات عمر المختار وقضى هذا الحادث على ما تبقى لبادوليو من آمال في استسلام المقاتلين .
وصل الجنرال غراتسياني نائب الوالي الجديد إلى بنغازي يوم 7/3/1930م تحيط به هالة من البطولة والاعتداد بالنفس والغطرسة وقد قابله موسوليني في روما وأثنى عليه ووضع ثقته فيه كما هتف له مجلس النواب الايطالي وشرع في عمله باتخاذ سلسلة من الإجراءات القمعية والتعسفية فأرسل بعض المشايخ إلى سجون ايطاليا وقرر توقيع عقوبة الإعدام على كل من يتعاون أو يتصل بالثوار وسجن معظم المشايخ وأعيان بنغازي ودرنه في قلعة بنينه وأشأ المحكمة الطائرة التي تنتقل من مكان إلى مكان وتحكم بالإعدام على المتهمين وتنفذ الحكم فورا وغير ذلك من الأعمال الهمجية وشرع غراتسياني في الإعداد للمعركة الفاصلة مع الثوار فحشد معظم القوات الموجودة ببرقة وعززها بكتيبتين إريتريتين ولآليات وطائرات وصلته من طرابلس واعترف بأن قواته بلغت عشرة أضعاف قوات الثوار وطلب منه بادوليو المجيء إلى بنغازي للاطلاع على ما أعده غراتسياني للمعركة إلا أن الأخير طلب منه أن يؤجل مجيئه إلى ما بعد المعركة ليحتفلا سويا بنهاية الثورة وكان غراتسياني يريد أن يستأثر بشرف النصر له وحده .
واستعلت المعركة في الفايدية يوم 1/7/1930م بعد أن قامت القوات الايطالية بتطويق مواقع المجاهدين ودامت المعركة عدة أيام تمكن في نهايتها المجاهدون من فتح طريقهم من بين القوات المحاصرة وفشل غراتسياني كما فشل من قبله ثلاثة ولاة ، وكانت لطمة قاسية حطمت كبرياء غراتسياني وغروره وانتهز بادوليو الفرصة وأراد أن يعيد غراتسياني إلى حجمه الطبيعي فبعث إليه ببرقية شديدة اللهجة جاء فيها : " لقد تركتك تقوم بهذه العملية دون أن أتدخل تمشيا مع رغبتك في تأجيل زيارتي لبنغازي إلى ما بعد المعركة إلا أني أشعر الآن أنه قد أصبح واجبي أن أتدخل لأن المسئولية تقع علىّ قبل أن تقع على الوزارة لقد فشلت معركة الفايدية كما فشلت المعارك التي سبقتها والتي ستلحقها مادامت الأوضاع الحالية لاتزال قائمة .
وتعود أسباب هذا الفشل إلى عاملين رئيسيي يتمتع يهما الثوار : الأول نظام الحماية والاستخبارات اليقظ جدا : ثانيا براعة عمر المختار الخارقة للعادة وعدم اهتمامه بالشهرة أو المجد العسكري ، فهو يقوم بهدوء وبرود إمكانيات قواته وفي ضوء هذا التقييم يقاتل أو يرفض القتال ويبعثر قواته وإذا ما درستم تاريخ العمليات الحربية التي تمت فسترون أننا في الغالب غنمنا بعض الحيوانات ولم نصب العدو بضربات شديدة وذلك بسبب ا الأوضاع التي ذكرتها ومادامت الحرب التقليدية لم تثمر فيجب استعمال وسائل أخرى شديدة العنف حتى ولو ألحقت الكوارث بالليبيين ولذلك يجب خلق فراغ أرضي شاسع بين الثوار والسكان الخاضعين لنا ، ولا أخفي عليكم وزن خطورة هذا الإجراء الذي يعني دمار السكان إلا أن الطرق رسمت وعلينا أن نسير فيها إلى النهاية حتى ولد أدت إلى موت جميع سكان برقة ويجب العمل بسرعة على نقل جميع السكان الخاضعين لنا في مكان ضيق لمراقبتهم وأن يكون بينهم وبين الثوار مساحة كبيرة وبعد أن يتم هذا سنشرع في الحرب ضد الثوار " (11)
برقية بادوليو المذكورة بالإضافة إلى أنها أعادت غراتسياني إلى حجمه الطبيعي فإنها تضمنت اعترافا بعجز ايطاليا حتى الآن عن إنها الثورة عسكريا واعتراف بادوليو ببراعة عمر المختار الخارقة للعادة في تسيير ثورته وبحسن تنظيمه ويقظة استخباراته وهي من التنظيمات التي كانت تفتقر إليها القوات الايطالية نفسها وكان بادوليو أول من فكر في إبعاد السكان العرب عن الجبل ولو كان فيه فناؤهم وهو كان يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد أي إخلاء الجبل من سكانه ليأخذ مكانهم المعمرون الايطاليون والقضاء على الثورة وعلى اكبر عدد من السكان .
نقلت ايطاليا إلى صحراء سرت أكثر من نصف سكان برقة وقطعوا مئات الكيلومترات على الأقدام بأطفالهم ونسائهم وشيوخهم وقطعانهم في البرد والمطر وتقلبات الطبيعة وكان يحرسهم جنود اريتريون ، كان لديهم الأوامر بقتل كل من يتخلف بشر كان أو حيوان وقام غراتسياني بتنفيذ العملية في أبشع صورها وحوّل الجبل الأخضر إلى أرض محروقة لا حياة فيها لبشر أو حيوان .
وكان عمر المختار أصدر أوامره إلى رجاله بعدم الاقتراب من مساكن المدنيين أو مطالبتهم بأي شي وذلك لتجنيبهم العقوبات الايطالية القصوى ، وطوق الايطاليون المنطقة بآلاف الجنود وبثوا أكثر من مائتي جاسوس من الخبراء بمسالك الجبل لتعقب المجاهدين وإشعار الايطاليين بأماكنهم .. ودارت المعارك متلاحقة دون توقف وكان المجاهدون يهاجمون أي مركز ايطالي وظن غراتسياني أن الثوار رغم الحصار يحصلون على التموين من مصر فاقترح إقامة الأسلاك الشائكة على طول الحدود مع مصر وذلك بعد احتلال الكفرة لمنع أية مساعدة تصل منها إلى الثورة وأغلقت الحدود مع مصر إلا أن القتال تواصل بين آلاف الجنود الايطاليين وبضع مئات من الثوار الجائعين المنهكين المطوقين وبدا عجز بادوليو وغراتسياني واضحا في القضاء على الثوار وبدأت في روما إشارات تدل على الرغبة في الحوار واستئناف الاتصال بالمهاجرين في مصر إلا أن القدر شاء خلاف ذلك فوقع عمر المختار جريحا وأسيرا بين القوات الايطالية عندما كان مع ستين فارسا من رجاله وقد انقض عليهم قرابة خمسة آلاف جندي ايطالي وعندما بلغ بادوليو النبأ طالب برأس عمر المختار وحقق له القدر ما أراد. لقد داس بادوليو وعصابته على القيم العسكرية التي تقضي باحترام الخصم الشجاع الشريف كما فعلت فرنسا مع الأمير عبدالقادر الجزائري واسبانيا مع عبد الكريم الخطابي وبريطانيا مع العديد من زعماء مصر وفلسطين . لقد ضم اسم عمر المختار إلى قائمة الخالدين وعرفه العالم أجمع كبطل من أبطال الحرية في حين وقع بادوليو على وثيقة استسلام ايطاليا وخروجها من الحرب العالمية الثانية مهزومة مدحورة وقد فر في نفس الليلة هو وحكومته والأسرة المالكة على ظهر سفينة حربية إلى جنوب ايطاليا للاحتماء بالأمريكيين تاركين روما بدون حكومة .
________________________

(*) نشر هذا المقال في مجلة "تراث الشعـب" ـ السنة 25 ـ العـددان 1-2 "مسلسل 52ـ53" 2005م
(1) بييري وجورج رشات P.Pierri ,Giorgio Rochat- بادوليو – توريف 1974 ص 592
(2) دي لبوكا – الايطاليون في ليبيا – الجزء الثاني – روما 1988م ص296 – 298 النص الايطالي.
(3) د. فؤاد شكري - القاهرة 1948م ص – 296-298.
(4) كاني فاري – الحرب الايطالية – روما1948 ص326 E.Canaevari-La Guerra Italiana – roma 1948. P.326
(5) جورج روشات ـ قمع المقاومة العربية في برقه1930-1931 مجلة حركة تحريرايطاليا ينايرـ مارس1937–ص320
(6) ر . غراتسياني – برقه المهدأة – ترجمة إبراهيم بن عامر – بنغازي 1975 ص 32.
(7) محفوظات وزارة الخارجية 150/21 ليبيا ملف 90 ديلبوكا . 162
(8) محفوظات وزارة الخارجية الايطالية – ليبيا 150/21 ملف 90 ديلبوكا المصدر المذكور ص . 161
(9) ديلبوكا – نفس المصدر ص 162
(10) أوراق غراتسياني – محفوظات الدولة المركزية روما ب 1 – ملف 2 – أورد ديلبوكا المذكور ص 179 حاشية . 13
(11) ديلبوكا ـ المذكور ص177 ـ محفوظات الدولةالمركزية روما ـ أوراق غراتسياني ـ مجموعة1 – ملف2 ملف إضافي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home