Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Wafa al-Bouessa
الكاتبة الليبية وفاء البوعيسى


وفاء البوعـيسى

الأحد 16 يناير 2011

مواصلة السقوط نحو اللا إنسان

وفاء البوعيسى

عندما بدأت أحداث تونس, وقرأت عن قيام محمد البوعزيزي بحرق نفسه علناً بالشارع, وهتاف الجماهير من حوله, تأثرت بالأحداث, لكنني أعترف اليوم أنني لم أراهن كثيراً عليها, أعترف اليوم آسفة أنني لم أثق كفاية, بأولئك المحرورن غضباً وانكساراً وفقراً, لم أثق بأولئك الملجمون والمكبوتون لثلاثة وعشرين عاماً, لم أثق أنهم سيغيرون بأقل من شهر واحد, وجه التاريخ بتونس والعالم.

وعندما تداعت أخبار الانتفاضة, وهي تعم أرجاء تونس, بل وتنتقل لدول الجوار, بدأ يترقرق أمل في قلبي, وهو يدعو لهم أن ينتصروا, وعندما فعلوا, صرخت باكية وأنا أرمي كل شيء عن الطاولة أمامي وأصيح: مرحى لتونس, مرحى للأحرار, مرحى للرجال, مرحى للتوانسة.

وعندما تكلمت مع أبي بليبيا, بعد فترة طويلة من تعذر الاتصال به, قال لي على مهلك, وماذا يعني ذلك, فقلت له أن ثمانية وثلاثين عاماً من عمري قد انقضت الآن, دون أن يقدر لي أن أشهد على ثورة واحدة ببلداننا, فقال ضاحكاً: أخشى أن تنقضي ثمانية وثلاثون أخرى دون أن تشهدي على واحدة جديدة. كلام أبي أوجعني, ثم توالت الأوجاع.

إن التوانسة هناك, يكتبون تاريخهم من جديد, يخرجون للشوارع كل يوم, يشكل الأهالي لجاناً لحماية المدنيين من بلطجة العصابات التي تستهدف ثورتهم, وانتفاضتهم, وتستهدف كرامتهم التي استعادوها اليوم, والتي ما كان لها أن تنتظر لثلاث سنوات أخرى, ولا لثلاث دقائق.

التوانسة هناك, وعلى أدنى من قوسين قاب منا, يخرجون للشوارع كل يوم, شباباً وشيباً, نساءً ورجالاً, يتنشقون الكرامة, والحرية, يحررون أصواتهم التي خنقها دكتاتور تونس الأعجف, يبدون ببراعة ـ وكأنهم متعودون ـ رأيهم حول مستقبل بلدهم, وحول حقهم في المشاركة بالسلطة, وحقهم في الاعتراض علناً ومن الداخل.

توالت أوجاعي وأنا أرى العجائز, يهتفن لسقوط أولادهن شهداء على مذبحة مطالبهم العادلة والمشروعة, وأرى النساء يقفن على أكتاف إخوتهم الرجال, رافعين شعارات تطالب باستعادة الحقوق المستباحة, توالت الأوجاع, وأنا أرى العاهرات بتونس, اللاتي جوعهن النظام, وألجأهن لبيع أعراضهن, يصرخن اليوم أخيراً, بسقوط معهرهن, سقوط الرجل الذي مارس تجويعه لشعبهن, وهن يتحررن اليوم من الجلاد, الذي أحالهن وأحال بلدهن إلى ماخور, يمارس فيه كل انحطاطه الأخلاقي والاجتماعي.

ثم زادت أوجاعي عن حدها, وأنا أرى سقوطنا نحن, سقوطنا الحثيث نحو اللا إنسان, بهذه اللامبالاة, والسلبية, وهذا التعبير الفاتر والخجول من شعبنا, وشعوب الجوار عن ثورة تونس المشرفة, توالت وتوالت وهي ترى بضع عاهرات بتونس, يخرجن في رابعة النهار, يواصلن هتافهن لنيل كرامتهن, وحريتهن, والهتاف ضد تجويعهن, واسترخاص أجسادهن, والمساومة على كرامتهن, ثم أرى عشرات الآلاف من رجالنا, يلهثون خلف شقق لم يكتمل تجهيزها بعد, لسلبها عنوة من أصحابها, وفي غيابات الليل, وتحت جنح الظلام, بأخس عملية بلطجة وتعدٍ, ليعودوا بعد بضعة أشهر, لترجيعها من جديد.

زادت أوجاعي عن حدها, وأنا أرى بضع عاهرات بتونس, يمكثن بالشوارع ليل نهار, مواصلات الهتاف, مع حرائر تونس كتفاً بكتف, ويداً بيد, في أجمل صورة, لنبذ الفوارق, والاختلاف, والخلفيات, لتوحيد الكلمة, والصف, والمطالب, والصوت, ثم أرى ملايين الرجال, يمكثون ببيتهم ليل نهار, خلف محطات التلفاز, لمشاهدة خصر نانسي عجرم, وهيفاء وهبي الذي حددته عمليات التجميل, وهم يأكلون الكوسكسي, والمنسف, والتمن, والفطير, والبرياني, في أحط صورة, لبحثنا عن إشباع حاجاتنا البيولوجية, في الوقت الذي تخرج فيه بضع عاهرات, مع ملايين أخرى ببلدها, لتشبع حاجاتها الإنسانية, من الكرامة, والتعبير, والاعتراض, والحرية.

وأخيراً, زادت أوجاعي عن حدها, وأنا أرى أننا بوقوفنا هكذا في منتصف المسافة بين الإنسان والحيوان, نكون قد قررنا أن محمد البوعزيزي قد انتحر, لا قد استشهد, وأننا بسقوطنا المتواصل هذا نحو اللا إنسان فينا, نكون قد حولنا محمد البوعزيزي إلى ارهابي, وسرقنا منه ومن تونس شهدائها ومجدها.

وفاء البوعيسي
كاتبة ليبية مقيمة بهولندا
wafaelbueise@hotmail.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home