Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Watani 100
الكاتب الليبي وطني 100

الإثنين 24 يناير 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة (الأخيرة)

الطاغية (2)

تأليف : أ. د إمام عبد الفتاح إمام

تقديم : وطني 100

 

2. عائِلة الطُغيان الكريهةَ

{يبدأ الطغيان عندما تنتهي سلطة القانون ، اي عند إنتهاك القانون وإلحاق الأذى بالأخرين} جون لوك

مُقدمة : 

عائلة الطغيان عائلة كريهة وغير كريمة ، والتاريخ يثبت أن عدد الطغاة المستبدين فاق عدد الحكام الصالحين دوماً ، وأن هؤلاء الطغاة كانوا دوماً موضع للكراهية والخوف ولم يكونوا يوماً موضع حب وتقدير او إعجاب ، ولهذا لم يكتب للقوانين الدستورية حياة مستقرة ، فهي لم تصدر الا بعد تضحيات وإستشهاد الكثير من ابناء الاوطان في مواجهة الطغاة ، لكي تستخلص الشعوب حقوقها من المغتصب ، فالدساتير لا تصدر الا بثورة او بغضب شعبي على الحاكم . ( ماذا نقول عن شعبنا الذي اضاع دستور دفع ثمنه غالياً ؟ وهل هذا يعني اننا كشعب مقصرين بإستخلاص حقنا من الطاغية القذافي كي نعيد الحياة الى دستورنا الذي سُلب منا ؟ والا أين ثورتنا على ثورة السراق واللصوص وقطاع الطرق ؟ أين ضغطنا الذي مارسناه على القذافي ؟ ام انه يبدو اننا لم نقدم بما فيه الكفاية من  قوافل الشهداء ؟ )  الانظمة اللاديمقراطية المسماة بعائلة الطغيان تشمل عدداً كبيراً من الأنظمة السياسية . فمنها الطغيان ،والديكتاتورية ، والإستبداد ، والسلطة المطلقة ، والشمولية والاوتقراطية. 

اولاً عائلة الطُغيان : 

يميل البعض الى الإعتقاد بأن الشاعر اليوناني (ارخيلوخوس) كان اول من أستخدم كلمة طاغية . وليس واضحاً ما عناه عندما قال في شعره ( انا لا أهتم بثروة جيجز وانا لا أحسده ولا أغار من أعماله الإلهية ولا أرغب ان أكون طاغية ) فهل كان يقصد بالطاغية المغتصب ؟ لان جيجز اغتصب عرشرليديا ؟ بعض الفقهاء رد لفظ الطاغية الى قبائل تركية ، كان يطلق الفرس عليها بالتوران اي المتوحشة وصارت توران عند اليونانيين تيران ، اي طاغية ، وعند العثمانيين تعني البربري ، ويذكر البستاني تعريف الطاغية بقوله ( يقال طغى فلان اي اسرف في المعاصي والظلم ، والطاغية الجبار والاحمق المتكبر والصاعقة . ويطلق لقب الطاغية على كل من حكم فأستبد وطغى وتجاوز حدود الإستقامة والعدل تنفيذاً لمأربه ) ليقع هنا في الخلط بين الطاغية والمستبد . فالمستبد عنده هو من يتفرد برأيه وأستقل به ، اما الطاغية فيستبد ليتمكن مما يطمح به من سلطة بالجور والظلم والفتك  ليصبح اشد الطغاة بطشاً وتنكيلاً (يكفي بالنسبة ان اشير الى صدام او الى القذافي لشرح لفظ الطاغية او مستبد ، فكلاهما يصلح ان يشرح المراد من لفظ الطاغية بالنسبة الي في هذا العصر ) ويشكو البستاني الى ان الناس تألف الطغيان فلا تعود تشكو ولا تتذمر ، ( ارسطو يرى السبب ان الشرقيين يحملون صفة العبيد ) ويختم البستاني  حديثه بطرح سؤال في غاية الأهمية : أيجوز قتل الطاغية ؟ رأى العلماء في كل عهد ان للامم ان تلجأ الى ما تيسر لها من وسائل للتخلص منه ، وسوغوا الفتك به فلهم قتله ، بل أن قوانين اليونانيين منحت جائزة اولمبية لمن يقتل الطاغية  فقتله كان واجباً وطنياً  في حين يرى البعض وجوب نبذه لأن الطغيان مسألة يستنكر حسمها بالسيف .

حين يصير الناس في مدينة

ضفادع مفقوءة  العيون

فلا يثورون ولا يشكون

ولا يغنون ولا يبكون

ولا يموتون ولا يحيون

تحترق الغابات ، والأطفال ، والأزهار

تحترق الثمار

ويصبح الإنسان في موطنه

أذل من صرصار

( نزار قباني قصيدة الممثلون ) 

السمات العامة للطغيان : 

من خلال دراسة تاريخ الطغاة الإغريق ، يمكن ان نستخلص بعض السمات التي يمكن ان نطلقها على من يحمل لقب طاغية (يمكن ملاحظة كيف ان هذه السمات تتوافر كلها مجتمعة بالطاغية القذافي)  فبعض هذه السمات  :  

1ــ الطاغية مغتصب للحكم بطريق غير مشروع ، يتحكم بشؤون البلاد بإرادته المنفردة ويحكم بهواه ويعلم انه غاصب ومعتدي فيضع كعب رجله في افواه الملايين لسدها عن النطق بالحق . (وهل يتذكر القاريء الكريم كيف وضع القذافي كعب حذائه في وجوهنا بالإذاعة الليبية  واثناء البث المباشر لأحد البرامج ؟ قاصداً انه يريد لجم كل ما يتجرأ على قول كلمة  الحق ؟ ) . 

2ــ لا يعترف بقانون وبلا دستور للبلاد . فإرادته هي القانون والدستور وما يقوله واجب التنفيذ وما على الناس الا السمع والطاعة . (القذافي الطاغية ليس له دستور ولا قانون ، دائماً متفردا برأيه مستقلاً به ، وليس له مركز قانوني او رسمي محدد ، فهو دائماً يتنصل من أن يُدعى بالرئيس او الحاكم ، فهو فقط ملك وطاغية ولا باس لديه من أن ينادى فقط بالقائد . فالمحور الاساسي لتحديد مركزه السياسي ، والقانوني ، بالنسبة لنا ، هو الإعتراف بسلطاته المطلقة وبتمركز جميع السلطات بيده ، وليس بالإشارة اليه كرئيس ، او قائد او حتى غفير . القوانين هي ما يأمر بها ، وهي بطبيعة الحال دائماً متناقضة ومخالفة بعضها البعض لانها فقط تُبنى على إنفعالاته الوقتية المتقلبة حتى وإن مست حياة الأخرين الذين ليس لهم الا الإذعان لها ) . 

3 ــ يسخر موارد البلاد لإشباع رغباته وملذاته الحسية . ( اين موارد الثروات الطبيعية في بلادنا وكيف تصرف ؟ الجميع يعلم انها تصرف على ملذاته وعلى ملذات ابنائه في غير طاعة الله في حين يتضور الشعب الليبي الجوع ويعاني المرض والحاجة). 

4 ــ ينفرد بخاصية أنه فوق القانون ، فلا يخضع لمحاسبة ولا لمساءلة ولا لرقابة ( وهل سمع أحدكم أن القذافي قد سؤل عن أي تصرف صدر منه ؟ بل أجزم انه ولجانه الثورية سيتعجبون من أمر وجوب مسألته ، فهو الذي يسأل ولا يسأله أي كان  )  وإن كانت هذه الخاصية ، اي مسألة الحاكم ، هي الحد الفاصل للتفرقة بين الحكم الديمقراطي والحكم المستبد ، حيث يحاسب الحاكم لانه لا يعلو على القانون لا كلاما ولا خطابة . 

5 ــ يقترب الطاغية من التأليه ، مرهباً الناس بالتعالي وبالتعاظم ويذلهم بالقهر وبالقوة وبسلب اموالهم . ( الم يطلق القذافي على نفسه بالملهم وبالعظيم ، فسبحان الله عما يصف به نفسه وعما يصفه به رعاع القوم  ؟ الم يقم بسرقة ممتلكات الناس وارزاقهم وتأميم منشأتهم وأراضيهم ومساكنهم ليسكنهم الذلة والمهانة ؟ ) . 

ثانياً عائلة الإستبداد :

كلمة مستبد مستمدة من الكلمة اليونانية ( ديسبوتيس) وهي تعني رب الأسرة . لتخرج من النِطاق الاسري الى عالم السياسة لاحقاً ، حيث حدث الخلط بين وظيفة رب الأسرة ووظيفة الملك وهو المركز السياسي الذي ادى الى الإستبداد ، ولهذا يستخدمه حكامنا اليوم للضحك علينا ( فالقذافي مثلاً هو الاب (بابا معمر) وهو كبير العيلة ، اي انه من حقه أن يستبد وأن يقسى علينا ، فلا معارضة من ابناء لأبيهم ، فقراره مطاع وإحترامه واجب ومعارضته كبتاً ، و لتصبح مخالفته  والإنتقادات التي توجه اليه عيباً وجريمة شنعاء وسباً وشتيمة ، ولا تجب مناداته الا بقول نعم سيدي ، حاضر سيدي . لنجد أنفسنا ننتقل من السياسة الى الأخلاق ومن الأخلاق الى السياسة لتبرير إستبداد هؤلاء الحكام ، ومن غير الحكام ايضاً . والواقع ان المستبد دائماً يبرر إستبداده بإبوته ، وان المحكومين مجرد تبع ، وقصر غير بالغين ، وغير قادرين على تسيير امورهم بأنفسهم ، فالرعية دائما تأخذ شكل المتسول ، والضعيف ، والجاهل ، صاحبة النفس الأمارة بالسوء ، ومن هنا كان للمستبد التوجيه ، وإنزال العقاب بالرعية درءا للفتنة ، كما يراها فقهاء ومفكري الفكر الاخضر . فليبيا ارض بور والقذافي ماءها ، وجسد مريض والقذافي دوائه ، وجيفة امام الصقر الوحيد، وإبلاً ونوق بحاجة لمن يقودها ، وظلاماً والقذافي سراجها. هكذا نحن ابناء الشعب الليبي في نظر العقيد القذافي، وصايته علينا واجبة ابدية يخشى علينا من المضللين المرتزقة، والعُصاة، والخارجين عن سلطان حكمه).. 

كان أرسطو من بين الأوائل الذين قاموا بتطوير مصطلح المستبد وقابل بينه وبين الطغيان ، وقال أنهما وسيلتان لحكم الرعايا كالعبيد . فالإستبداد عنده يعني خضوع المواطنين للحاكم بإرادتهم ، فقط لانهم خلقوا عبيداً . بينما الطغيان يقتصر على إغتصاب السلطة في المدينة ، ويقوم بها شخص مستخدماً مجموعة من الجنود المرتزقة ، لينغمس الطاغية في إشباع شهواته دونما إكتراث بالقانون او بالعرف ، مقيماً سلطته على القهر ، وليس اسهل عنده من سفك الدماء . وهذا النوع من الحكم غير مستقر بسبب الكراهية التي يتبعها الحكم التعسفي ( ما عدا في ليبيا بالطبع فحكم المستبد القذافي ، ليس له من نهاية )  ومصطلح الإستبداد من ناحية اخرى بقاموس الفكر السياسي يرجع الى مونتسيكو الذي جعل الإستبداد احد ألاشكال السياسية للحكم بجانب الملكية والجمهورية ، وإن ادان مونتسيكو الرق والإسبتداد بجميع أنواعه ، ولكنه انتهى الى ان الإستبداد نظام طبيعي بالشرق ولكنه غريب وشاذ بالغرب ، بناء على الفكرة الارسطية القديمة التي قسمت العالم الى شرق  وغرب، وان سكان الشرق ما هم الا عبيد بالسليقة ، وانه يمكن أن يعاملوا  كالحيوانات ، بينما في الغرب فإن الإستبداد يهدد محكومية الملك ، لانه امر مرفوض لدى الناس الغربيون . بيد أن كثيراً من الكتاب والمفكرين هاجموا فكرة مونتسيكو  ( يمكن مراجعة اراء الفقهاء والفلاسفة بهذه الجزئية بالصفحة 49 من الكتاب لأنني لا أريد أن أطيل على القاريء ) .. 

ثالثاً عائلة الديكتاتورية :

مصطلح الديكتاتورية روماني الاصل . فبموجب صلاحيات دستورية يقوم بسنها الحاكم ، يمكن للحاكم ان يتمتع بناء عليها  بجميع الإختصاصات بعد تعطيل العمل بالدستور الاصلي مؤقتاً . وهذه الوظيفة تقارب وظيفة الحاكم العسكري العام بالوقت الراهن ، غير ان الديكتاتور بالعصر الروماني كان يتقيد بالمدة المقررة له للعمل بموجب هذه الصلاحيات ، وكانت غالباً لا تتجاوز الستة اشهر . الا انه بالوقت الحالي فأن لقب الديكتاتور ينصرف الى كل مغتصب للسلطة مملياً قراراته ، واوامره على العباد ، ولا يجوز عزله ولا مخالفته الامر الذي لا يجعله يختلف عن الإستبداد . والديكتاتورية مرض معدي ووباء ، يستفيد بموجبه الطغاة من طغيان بعضهم البعض فِما يلجاؤن اليه من طرق واساليب . وكما الطغيان قد يكون فردا او جماعة ، فأن الديكتاتور قد يكون فردا او جماعة ايضا ، وما ديكتاتورية البوليتاريا ، الا خير مثل ، ليتخذ هذا المصطلح دلالات واسعة في الفكر الماركسي ، ليدل على طبيعة ومشروعية سلطات الدولة خلال فترة التحول من الثورة الى المجتمع الشيوعي .   

رابعاً عائلة الشمولية : 

هذا المصلطح يقصد به إذابة جميع الأفراد والمنظمات والمؤسسات في الكل الإجتماعي (جماهيري) بالعنف وبالإرهاب ، ليمثل الكل قائد واحد احد ، يجمع بين يديه كل السلطات له شخصية تجذب الجماهير اليه ، ويطلق عليه بالزعيم ويطاع طاعة عمياء ( لا أجد خير من القذافي مثلاً ). موسوليني الذي كان أحد الطغاة الشموليين عبر عن هذا النوع بقوله ( الكل في الدولة ، ولا قيمة لشيء انساني او روحاني خارج الدولة ، فالفاشية شمولية ، والدولة الفاشية تشمل جميع القيم وتوحدها ، وهي التي تفسر هذه القيم ، وتعيد صياغة حياة الشعب ) . وعلى هذا فالدولة الشمولية لا تؤمن بمبداء فصل السلطات ، ولا بالديمقراطية ، والمعارضة يجب تحطيمها بالقوة . وخصائص الحكم الشمولي ما يلي: 

1- ضرب من ضروب الحكم يتمسك بالمظهر الديمقراطي لتسويغ سلطته ويعطي نظامه الشرعية التي بمقتضاها يحكم الحاكم المحكومين برضاهم .

2- إرادة الزعيم هي إرادة ابناء الشعب ، فهو من يتحسس مطالب ابناء الامة ومن ثم يصدر بناء عليها قوانينه وقرارته ، وكما أن الشعب على حق ، فالقائد دائما على حق ، ولكي يثبت القائد ان إرادته ما هي الا إرادة الشعب ، فانه يلجأ الى الإستفتاء ( والتصعيد ) ليخرج من قبعته ارنبا اسمه الديمقراطية ( وخصوصاً تلك الجماهيرية الشعبية بمؤتمراتها الشعبية الاضحوكة ، والمسرحية المهزلة التي ليس لفصولها من نهاية ) ..

3- القائد يعبر عن إرادة الشعب ؟ وكيف تتكون إرادة الشعب وتتحدد ؟ هنا يرى الكاتب ضعف الديمقراطية ، حيث يتم  التلاعب بمشاعر الجماهير والسيطرة عليهم بإسم الشعب ، و الديمقراطية ، وهذا امر قديم ومعروف ، الامر الذي جعل أفلاطون يتخوفها  ويرفضها ، لانها من السهل ان تتحول الى فوضى او الى طغيان الأغلبية ، وهو اشد أنواع الشرور والطغيان ويصف (مل) سيكولوجية الأغلبية بالا معقولة ، وهو ما يعبر عنه علم النفس بغريزة القطيع ، الامر الذي ادركه السياسيون الشموليين  ومن هنا جاء إتجاههم الى إلهاب المشاعر لا الى مخاطبة العقول ( القذافي وخطبه الملتهبة ) وإثارة الحماس بالخطب الشعبوية ، والشعارات الرنانة مع عدم السماح بالإختلاف مع ارائهم ، لان طريق الجدل والنقاش قد يؤدي الى الإختلاف وفضح طريقتهم الشمولية بالحكم  .

4- الإستفادة من وسائل الإعلام من اجل الاثارة والترغيب والترهيب وتقريب إراداة الجماهير لإرادة القائد .( الإعلام الثوري الذي يطلق عليه بالجماهيري في ليبيا أكبر وسيلة تضليل وخداع وقلب للحقائق وإعادة  تسويق مفاهيم القذافي للجماهير بثوب غير ثوبها . نظام القذافي افرز إعلام يقوم فقط على تمجيده ، وذكر محاسنه ، وتغيير واقع الشعب المزري الى إزدهار وإنبهار رغم البؤس والشقاء ، وأتبع سياسة ترهيب تعتمد على إحداث اكبر قدر من الهيبة للسلطة في قلوب الناس ليرتعد الناس خوفاً خصوصاً اذا ترسخ في وعي الجماهير بطش النظام الذي هو بلا حدود وبلا منطق ، مستعينا النظام بأجهزة بطشه وأمنه ، وجواسيسه الذين  لهم دور كبير ببث الرعب والخوف في قلوب الناس وبنشر الإرهاب والإضطهاد ، كما أعتمد نشر المقولات الكاذبه مثل القرأن شريعة المجتمع ، وشركاء لا أجراء ، وغيرها من مقولات يعمل النظام على تطبيق عكسها بواقع الحياة . ومن اسواء تجليات هذا النوع من الحكم ، سيطرة هذا الحكم على بلادنا طيلة هذه السنوات العجاف ، على الفرد والمجتمع روحا وجسداً ، من يوم يولد الفرد حياً ، إنتهاءاً الى حافر قبره ومكان دفنه ، فسلطتنا الشمولية القذافية ، تعهدت الافراد منذ الصغر وهم صغار بالمدارس الإبتدائية ، ليتم تدجينهم على يد معلميهم المؤهلين ايديولجياً ، او اولئك الذين يسيرون  كالعبيد على خطى الفقه الثوري ، ليشب شبابنا على تلقي المعلومة الجاهزة والمثورة ، وليس على الخلق والإبداع والتفكير ، ناهيك عن التدريب العسكري بالمدارس وتحويلها الى ثكنات عسكرية ، يتعلم بها الطالب كلمة واحدة لاغير ، الا وهي ( إنبطح يا كلب) . فشب مجتمعنا على الخوف والذلة والمهانة والمهابة للنظام ، والتبعية له . الامر الذي سهل من خلق زعامة جديدة تحكم  البلاد ، وهي وحدها صاحبة القرار ، دون أن ينافسها احد ، او ان يحاسبها أحد . وهكذا يصبح المجتمع مؤطراً وموجهاً بالإتجاه الذي تم تحديده من قبل السلطة العليا ، والذي يحكم حلقاته على انفسنا ليصبح هو الشعب ، والسيد ، والسلطة العليا ، والاب الروحي للجميع ، المتحرر من كل القيم ومن كل رقابة . وبذلك يصبح العمل السياسي عمل إنتحاري إذا ما فكر اي كان بالإقتراب من حدود هذا الصنم الذي اله نفسه . وبذلك تصبح الحكمة هي الإندساس مع القطيع وتسليم الرقاب للجزار ، والانصياع لحكمه دون مناقشة )  ... 

خامساً عائلة السلطة المطلقة :

يعني هذا المُصطلح الحكومة التي لا يحدها حد من داخلها . وهنا يجب التفرقة بين السلطة المطلقة والحكومة المطلقة . فالسلطة تتضمن في الدولة وقد تحدها سلطات اخرى . اما الحكومة فيمكن أن تكون مطلقة حتى دون إستيلائها على السلطة المطلقة ، حيث لا يوجد بها كوابح دستورية ، ولكن الحد الاساسي بها هو القانون . وتصرفاتها لا تخضع للنقد او المعارضة . والواقع انه لم يعد لمعنى السلطة المطلقة معنى محدد ، ليصبح دالاً على مكونات ممارسة السلطة بلا مؤسسات نيابية او كوابح دستورية ويعبر عن سلطة  لا تتقيد بقيد .  وهذا النوع لا يتميز عن الشمولية بشيء سوى أنه لا توجد فيه رقابة شاملة لكل وظائف المجتمع . بعض المدافعين عن شكل السلطة المطلقة هو هوبز ، الذي كان محركه ان اي حكومة تحتاج الى سيادة ، اي إصدار قوانين بدون مساءلة ، ومادامت السيادة نفسها تمارس من خلال القانون ، كان السيد الحاكم يمكن نقده بإستخدام القانون ، رغم أن القانون من صنعه .  ( لفظ السلطة المطلقة قد اصبح في ذمة التاريخ بالنسبة للعالم ، الا انه جدير بالدراسة الفاحصة بالعالم الثالث ، الذي تتعاقب عليه اشكال وصور من السلطة المطلقة في صور متنوعة ) ..

( أحيانا كثيرة راودتني جملة من الاسئلة عن كيفية وصول القذافي الى السلطة المطلقة وتفرده بها الى يومنا هذا ، ولكنه ليس من الصعب على اي كان أن يخطيء العنوان حين يرى تلازم الإستبداد والإنفراد بالسلطة في شخص القذافي الذي اول ما قام به هو بعد الإنقلاب هو التخلص من المعارضين له ، والقضاء على البرلمان برجاله من اعضاء مجلس الشيوخ والنواب وإلغاء الدستور ووعده بإصدار دستور اخر لازال يمنينا به الى يومنا هذا ، ليحل محل ذلك الدستور، الإعلان الدستوري المؤقت الذي لازلنا نعمل به الى يومنا هذا ، بما أحتواه من مواد تعطي مجلس قيادة الثورة صلاحيات مطلقة وواسعة دون قيد او شرط ترتب عنها الكثير من الإنتهاكات لحقوق الإنسان في ليبيا). 

سادساً عائلة الأوتوقراطية : 

 تعني تمركز السلطة في يد الحاكم الذي يمارسها بشكل تعسفي وله أن يبطل القوانين او أن يلغيها ويحطمها بإرادته ، ليصل الى تحقيق مأربه الشخصية . ويختلف الحاكم الاوتوقراطي عن الديكتاتوري ان الاوتوقراطي يحظى بولاء الرعية ، بينما الديكتاتوري لا ولاء من الرعية للديكتاتور ، فالرعية فقط  تخافه وتخشاه .. 

سابعاً عائلة المستبد المستنير أو العادل : 

أخر عنقود بهذه العائلة الكريهة ، وقد يطلق عليه بالمستبد العادل او الخير او الصالح او الدكتاتور العادل . وقد نادى به جمال الأفغاني لحل مشكلات الشرق ، فالمستبد العادل هو الذي يحكم بالشورى مستعينا الحاكم بالقوة ليحمل الامة على ما تكره أزماناً ، حتى تذوق لذته وتجنى ثمراته.

والحاكم المستنير يكون مستنيراً عندما يعتمد في حكمه على مفهوم العقد الإجتماعي لتبادل المنفعة بين الحاكم والمحكوم ، ولا أريد هنا أن اتطرق الى مفهوم مصطلح المستبد العادل ، لدى هذا الفيلسوف وذاك ، ولكن يهمني ان اتطرق اليه  كفكرة . وعليه كفكرة فأنه يجب رفضه . لأن الطغيان اسواء انواع الحكم ، وأكثرها فساداً ، ويرى أرسطو أن الإنسان لا يمكنه تحمل هذا النوع من الحكم الا مضطراً إذا سُدت في وجهه ابواب الإنعتاق . ومن هنا فأن عبارة الطاغية الصالح أو الخير تبدو بالغة الغرابة ، لأن كلمة طاغية او مستبد إنما تعني الظلم والجور والطغاة ، ما هم الا وحوش بشرية تحكم شعوبها  بالحديد وبالنار ، ويراها البعض أمراض وإنحرافات وآوبئة . فكيف يمكن من خلال ذلك ان يوصف اي مستبد أو طاغية بأنه عادل أو خير ؟ ولا شك أن الإستبداد يهدم إنسانية الإنسان والطغيان يحيل البشر الى عبيد وحيوانات ، وإذا ما فقدوا قيمهم ، فلا إخلاص ، ولا صدق ، ولا شجاعة بل كذب ورياء ونفاق ، وبهذا يتحول المجتمع الى عيون وجواسيس ، يراقب بعضها بعضاً ليرشد الأخ عن أخيه والجار عن جاره ، ويبقى مهما قدم الطاغية من إنجازات فلا قيمة لعمله ، لانه دمر أهم شيء الا وهو الإنسان . ويجدر بنا هنا أن نتسأل أيجوز المستبد ، مهما بلغ من عدل وإستنارة ، هل له أن يفرض اراءه وافكاره على الغير بالقوة بدعوى  أنها في صالحهم او انه ليس هناك افضل منها ، كما هو الحال مع القذافي ونظرياته الفاشلة ؟ الا يعامل الافراد بهذه الطريقة على انهم جهلة و قُصر لم يبلغوا سن الرشد بعد ولن يبلغوه ابدا ً ؟ ( افأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)  مل يرى أن الافكار التي يتصورها  البعض ( القذافي مثلا وأفكاره ) يجب ان تطرح للنقاش ، فصحتها او صلاحيتها في نظر صاحبها لا يبرر حق فرضها على الاخرين . وعليه  تم وصف الحاكم المستبد بالوحش ، لانه يدمر الانسان ولا يترك له أثرا صالحاً ، ومن هنا  ظهرت مشكلة جواز إغتيال هؤلاء والتخلص منهم ، هذه المشكلة ظهرت بالعصر الإغريقي وبالعصر الروماني كرد فعل لطغيان الحاكم الذي يستولى على الحكم بالقوة ( إن من يغتصب السيف خليق أن يموت به ) . وقد أعتبر في بعض الأحيان ضرورة وواجباً ، ليس وطنيا فقط بل إلهياً ايضاً . بالعالم الإسلامي أنقسم العلماء الى فريقين ، ففريق يرى وجوب نصحه وتقويمه ، وفريق يرى وجوب الخروج عليه بالقوة . ( يمكن الرجوع لاراء العلماء الخاصة بهذه الجزئية بالصفحة 66 من الكتاب ، فأنا لستُ بحاجة الى راي شيخ كي يعطيني مسوغ للتخلص من هؤلاء ، يكفي ان العقل والمنطق بالنسبة لي يبرران القضاء على الظلم بجميع أشكاله ، ويكفيني قبل كل شيء قول الله سبحانه وتعالى فمن اعتدى عليكم ، فأعتدوا عليه بمثل ما أعتدى عليكم ) . مجرد محاولة النظر الى القذافي على انه حاكم جائر ظالم وقاسي ، ولكنه عادل ومستنير أمر لا يستقيم . فكيف يمكن أن يكون القذافي عادل وجائر في نفس الوقت ، وكيف يمكن للعدل ان يتعايش مع الإستبداد في ظل غياب قواعد عامة تساوي بين الحاكم والمحكومين ، وتعامل الجميع على قدم المساواة ؟ وكيف يكون القذافي المستبد مستنيراً في ظل شراسته وعنفه ، وفي ظل جبن ابناء المجتمع ، حين يتواطأ عنفه مع جبن الجميع ؟ يقول (ديدرو) { ليس من مصيبة تحل بأمة سوى حاكم عادل لطيف ولكنه مستبد ، يكرس الإعتباطية والهيمنة } القذافي لا يمكن ان يكون عادلاً لانه لا يكرس شورى ، ولا عدلاً . القذافي أستباح دماء رجالنا واطفالنا ونسائنا ، والقذافي لا يستلذ إلا على صراخ وآنين المظلومين والبؤساء . والحاكم العادل لا يمكن ابدا أن يسمح للصوص أن يتولوا سدة الحكم في ليبيا . والعادل لا يمكن ابدا ان يطارد الرجال الصالحين بأمتنا ليترك المفسدين . والعادل دائماً له سلامة الإعتقاد والعقيدة ، ولا تأخذه في قولة الحق والعدل لومة لائم . فمع كل هذا هل  يمكننا ان نعتبر القذافي حاكم عادل ومستنير؟  

كلمة أخيرة:

في نهاية تعريف هذه العائلة غير الكريمة من الطغيان، لا يسعني الا تأكيد انه ما عاد هناك من فرق بين كلمة ديكتاتور ، طاغية ، حاكم مطلق ، او مستبد ، ما دامت كلها تعني إدانة النظام الذي لا يحمل سوى علامات الإستبداد والقمع ، والظلم ، والفساد . وأعتقد ان جميع المصطلحات السابقة لهذه العائلة غير الكريمة ، من السهل إذابتها في مصطلح الديكتاتورية ، لأنها تعني ممارسة الحكم بدون حدود ، وأنها تلك الدولة التي لا يمكن وصفها بالديمقراطية أبداً ، وليس لها دستور ، وان حاكمها يستند الى القوة والقمع والإستبداد بحكمه . كما احب الى ان اشير ايضاً الى ان سمات اية طاغية ، لا يصنعها بنفسه ، ولا تولد معه ، وإنما هناك من يصنعها له ، وهؤلاء هم جيش المرتزقة من الكتاب والمثقفين ، والشيوخ بهذا العصر ، الذين يقومون بتلفيق الصورة الكاذبة ، والخادعة عنه ، حيث يقومون  بتمجيد قواه الفكرية ، والثقافية ، والعقلية كي يقتنع بها الغير . ان ما يصنعه اي ديكتاتور هو شعب يكرهه ويحتقره ، ومن ثم شعب سيطيح به لا محالة . والتاريخ خير شاهد على ذلك .لان الشعوب لابد أن تثور على قادتها الديكتاتوريين ، وأن تدق أعناقهم في النهاية . القذافي ديكتاتور قام بإنقلاب اسماه ثورة ، وعد الناس فيها ، بالعدل وبالمساواة وبالخير ، فتحولنا الى مجرد قطيع بمزرعته . تغنى بالحرية فزج بأبناء الشعب الليبي السجون والمعتقلات ، وقام بتصفيتهم بدون وجه حق ، ووعد بالخير فزج بالجميع بزنازين الفقر والبطالة ، ليتسنى له سلب ثرواتنا وخيراتنا لنفسه ولعائلته ولعصابته التي تحميه ، ووعد بتوزيع الثروة فما وزع سوى الرعب والخوف من الإعتقال ، والإستجواب ، والطرد ، والمطاردة ، والاخذ من البيوت بالشبهات  . قد يكون شعبنا صابراً لمدة 41 عاماً ، ولكنني أعلم ان درجة الغليان والغضب قد بلغت اوجها . وانه قريباً سنسمع انه ليس للقذافي من عاصم او ناج من الثار . وكما ثار الشعب التونسي وفعلها بعدما داهمه البؤس والقتل والظلم والفقر وانهيار احلامه  ، فسوف يثور شعبنا لانه لازال يحتفظ بجزء من الكرامة والشرف . في نهاية هذا الجزء لا أملك  إلا أن أستودكم الله الذي لا تضيع ودائعه .. 

يتبع ...

وطني 100

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط الجزء الاول ، ورابط الكتاب بموقع ليبيا وطننا:

http://www.libya-watanona.com/adab/watani100/wm200111a.htm  

*اريد الإشارة الى انني أقوم بتلخيص هذا الكتاب بصورة موجزة جداً ، وعلى من يريد التوسع بأي جزئية من الجزئيات ان يرجع الى كتاب الطاغية...


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة (الأخيرة)

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home