Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Watani 100
الكاتب الليبي وطني 100

الإثنين 24 يناير 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة (الأخيرة)

الطاغية (3)

تأليف : أ. د إمام عبد الفتاح إمام

تقديم : وطني 100

 

{ ليس للطغيان صورة واحدة فمتى أستغلت السلطة لإرهاق الشعب وإفقاره

 تحولت الى طغيان أيا كانت صورته } جون لوك

اولاً الفيلسوف والطاغية:

يُعتبر افلاطون أول فيلسوف يلتقي بالطاغية وجهاً لوجه ، كما أنه خبر طغيان العامة او ما يسمى بالفوضوية او الديماجوجية . والاخذ برأي افلاطون وإستفتاءه في امر الطاغية إنما يرجع الى خبرته. فهو بعد إعدام استاذه سقراط ، على يد الفوضى التي سميت بالديمقراطية ، فهو قد هاجر الى دول كثيرة لتتولد  خبرته ومعرفته لطريقة معيشة  الطغاة الذين عايشهم وتعرف عليهم عن كثب ، فعرف كيف ينفقون على أنفسهم وعلى ملذاتهم ، دون وجود حسيب ولا رقيب ، وكيف يحمون أنفسهم ، وكيف تنعدم الحرية ببلدانهم ، وكيف يكثر الوشاة والمرجفون ، وكيف تحاك الدسائس والمؤامرات ، وكيف أن الطاغية لا يتصف بأي قيم ، وكيف انه لا يحافظ على وعد ، وأنه ليس ثمة مفكر كبير امام الطاغية ، وكيف ان الطغاة على مر العصور يفاخرون بوجود الفلاسفة والعلماء والشعراء ببلاطهم لانهم من يعطي الشهرة للطغاة  ( وما إعلان سرت هذا العام عاصمة للثقافة العربية ، لتنتهي بكونها عاصمة الرقص والتكشيك والحجيل ، الا سبيل ليثبت من خلاله القذافي انه يحكم شعباً حقيراً بهذا الشكل ، فهو لا يهدف الى الفخر بسرت ولا بالسرتاوية ولا يهدف الى الترفيه عن المواطن المسحوق والمحتقر ، بقدر ما يهدف الى تسفيه عقول ابناء الشعب بقدراته كي لا ينتبه الى سرقات قائده فكلما عم الجهل تمكن الإستبداد واستترت عيوب الطاغية القذافي ، ويخطيء من يظن ان الصدفة وحدها وراء تسفيه عقولنا ، فالقذافي يحاربنا بأموالنا التي يوزعها على ثلة من الكتاب والشعراء والفنانين وثلة ممن يطلق عليهم بالمفكرين لدراسة فكره وتوجهات دماغه المبدع المحشو بالشحم ، فبدلا ان ينصرف جهد ووقت هؤلاء لدراسة عوامل النهضة واليات صناعة حضارة مشرفة لابناء الشعوب العربية ، و تفعيل صناعة العقل الثقافي الحقيقي ، ينصرف جهدهم الى هذا الكم الهائل الذي اتخمنا من الرقص والحجيل والتكشيك ، فكيف يتسنى لنا أن نتخلص منه من وبقاياه ، انه مجرد نفايات سامة صعب تخيل التخلص منها أحياناً ، ولكن ليس مؤخراً وانا ارى كيف تحول غضب الشعوب العربية الى نار حارقة دكت عروش طغاتها بعد أن طفح الكيل ، فقط من يشعل عود الثقاب ذلك ) . كما لاحظ افلاطون شيوع النفاق والتملق ودلائل إنهيار الأخلاق ، كما لاحظ افلاطون كيف أن الطاغية نفسه يعيش بظلام دامس من الشك والخوف والريبة حتى في اقرب المحيطين به . ففي نظر افلاطون أن أسواء ما يوجد على الارض هو الطاغية .   

ثانياً تصنيف الدساتير :

قصة أفلاطون مع الطاغية تكشف امرين اولهما إهتمامه بالسياسة وثانيهما خبرته العملية بالأنظمة السياسية من خلال معايشته وملازمته لبعض الطغاة ليصل الى قول (انه أنعم النظر في معترك الحياة السياسية لينتهي به المطاف ان يتبين بوضوح ان جميع انظمة الحكم  الموجودة آنذاك كانت فاسدة ، فدساتيرها لا يمكن إصلاحها ، وانه قد أستفحل فساد التشريع والاخلاق العامة) (فأذا كان افلاطون قد ربط فساد الحكم السياسي بفساد الدستور الذي لا يمكن إصلاحه ، وبفساد التشريع والاخلاق العامة ، فماذا نقول عن نظام حكم القذافي الذي لا يحكمه دستور اصلاً ، وكيف نصف فساد التشريع بنظامه ، وماذا نقول عن فساد الاخلاق العامة من رشوة ومحسوبية وفساد القيم الاخلاقية ، والوشاية ، وإنعدام القيم والمثل وغيرها من مصائب سببها غياب القانون والدستور، بسبب هذا النظام الفاسد ؟ )  وصل أفلاطون الى تقسيم النظم السياسية في عدة أشكال، وبإيجاز :

1ـ النظام الارستقراطي : وهو أفضل انواع الحكم في نظر افلاطون لانه يتجه نحو الخير وهو نظام حكم عادل .

2ـ النظام التيموقراطي: وهو نظام حكم يسوده الطامحين من الشرفاء او الطامحين الى المجد .

3ـ النظام الأوليجاركي: ويعني حكم القلة الغنية .

4ـ النظام الديمقراطي: حكم الشعب حيث تُقدر الديمقراطية تقديراً بالغاً .

5ـ النظام الطاغية : وهو حكم الحاكم لواحد الظالم الجائر حيث يسود الظلم بغير خجل ولا حياء . 

ولكن يبرز سؤال مهم علينا طرحه الا وهو : كيف تنشأ الديمقراطية وكيف تنهار ؟ وللاجابة عن هذا السؤال القيم فأن الكاتب يبدأ بشرح معنى النظام الاوليجاركي ، الذي تقوم به الديمقراطية على إقامة النظام على  الثروة ، ويحكم به الأغنياء ، وفي سعيهم لجمع الثروات تقل الفضيلة ، لأن المال والفضيلة لا يجتمعان ، وهكذا يسري بين المواطنين صفة إحترام المادة او المال ، فيتملقون  الغني ويحتقرون الفقير ، وهكذا يصبح المجتمع شجعاً وضعيفاً . بيد أن الثروة التي يتهالك عليها النظام الاوليجاركي هي نفسها التي تهدمه وتدمره ، فالمجتمع الذي ينقسم الى مجتمع اغنياء وفقراء  (كالمجتمع الليبي حالياً على سبيل المثال ) تأخذ فيه رقعة القراء بالتوسع نتيجة لإسراف الأغنياء ، ويزداد الفقراء حقداً عليهم ( كحقد المجتمع الليبي على القطط السمان وعلى العائلة الحاكمة ومن يدور في فلكها ،وحقد المجتمع التونسي على عائلة الطرابلسي ، وثورة وغضب الشعب المصري على عائلة مبارك ومن دار بفلكها من رجال أعمال ومفسدين ومرتشين اثروا على حساب الشعب الفقير) افلاطون يرى ان اختيار الحاكم لثرائه سيؤدي بالدولة الى الدمار ، والدولة عندها تنقسم الى دولتين ، فقيرة وغنية ، ولا يمكن ابدا تسليح الشعب الفقير ، لانه سينقلب عليها اذا تم تسليحه ،ولابد من أن يحدث الإصطدام بهذه الدولة بين الطبقتين وان دام الإتحاد بصفة مؤقتة .  وتظهر الديمقراطية عندما ينتصر الفقراء على الأغنياء ، فيقسمون امور الحكومة والرئاسة بالتساوي ، ويصبحون احراراً ، ويختارون دستورهم الذي ينتقونه ، والذي يفضلونه . افلاطون يرى ان اختيار الحاكم لثرائه سيؤدي بالدولة الى الدمار . وهكذا يصف افلاطون الدولة الديمقراطية بالتهاون وبالتساهل المفرط ، الذي يؤدي الى حالة رائعة من الفوضى ، ويتساوى فيها الجميع .  حرية افلاطون هذه اعتبرت فوضى عند البعض من الفلاسفة الاخرين ، لانه ساوى بين الديمقراطية وبين الفوضى .  ولكن الديمقراطية تدمير نفسها بنفسها ايضاً ، حيث يعم حكم الغوغاء والجماهير ، لان كل ريح من خطابة ( او كتابة مقال بهذا العصر) يمكن لها ان تعطل السير وتحرك المياه الراكدة، وهنا مكمن الخطورة عندما يقفز طاغية اخر لينقذ البلاد من حالة الفوضى ( وهنا احب ان اشير الى كلاً من التجربة التونسية  والتجربة المصرية لأخذ العبر منهما ان كتب لنا الله التخلص من الطاغية القذافي ، لان الخطورة ليس بإزالة زين العابدين، ولا مبارك ، ولكن في من يحل محلهما للقضاء على حالة الإنفلات الامني التي نشاهدها عن كثب ، وحالة الفوضى الضاربة اطنابها بتخطيط من الحكام السابقون ، والتي لم يتوقف معها القتل والسحل الى تاريخ كتابة هذه الاسطر) .... 

{الطاغية الذئب} 

(من يقتل الناس ظلما وعدواناً ، ويذق بلسان وفم دنسين دماء أهله ، ويشردهم ، ويقتلهم ،

فمن المحتم أن ينتهي به المطاف الى أن يصبح طاغية ، ويتحول الى ذئب ) افلاطون 

{ وأنا ارى أن هذا الامر لا يتعلق بالحكام فقط ولكن بعموم الناس والمواطنين ايضاً في حالة إذا ما حدثت فوضى بعد إزالة الطاغية والقضاء عليه ، فأنني ارى ابناء مجتمعنا وقد وصل بهم الحال الى هذه الدرجة ، بأن يأكل بعضهم البعض ظلماً وعدواناً ، خصوصاً وأننا نفتقر التنظيمات المدنية ، والسياسة ، ومعارضة عقلانية يمكن أن يلتف حولها ابناء ليبيا في حالة حدوث اي تغيير ....} 

يبدو أن افلاطون كان على حق حين ذهب الى أن ظهور الطاغية الجديد ، مرهون بوجود حالة الفوضى لأنه سيكون المنقذ الذي يعيد النظام الى البلاد . حيث يشعر كل فرد بالامان على نفسه وعلى أهله . وطغاة الإغريق عرف عنهم أنهم كانوا يظهرون في أوقات الازمات ، اي أنهم يستغلون فرص الازمات من أجل الوصول الى السلطة ، والملاحظ على الحكومة الجديدة ، هي الظهور بمظهر الحكومة الفاعلة والفعالة ، بعد أن اصبح جهاز الدولة السابق عاجزاً عن مواجهة الأزمات بسبب الفساد الداخلي، فلهذا ، فأن الطاغية الجديد هو من سيعيد النظام بدل الفوضى ، الا ان الضرورة العامة شيء سيتحد مع طموح الحاكم الجديد الشخصي ، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ليتحول الى طاغية أخر . { وهنا احب ان اشيرالى ما نراه من حالة فوضى تعم بلادنا الان ، فهل المقصود بها انه بمجرد ان يظهر ابن القذافي ، الحاكم الجديد ، فأنه سيكون المنقذ لنا والذي سيلتف حوله الناس من أجل ان تحقيق النظام الذي نريده ؟ } ايضا احب ان اشير هنا الى حالة (الفوضى التونسية والمصرية) ، هل سيكون الرئيس الجديد لتونس ، او لمصر حاكما وطاغية اخر يحل محل الرئيس المخلوع ؟ وهل سيلتف على الدستور كما فعل الحاكم السابق ليضمن لنفسه البقاء اطول فرصة ممكنة ، ام ان الجماهير التونسية ، والمصرية ستثبت انها الحاكمة وانه ليس بإمكان اي حاكم ان يقوم بهضم حقوقها كما حدث بالسابق ؟ وماهي الاساليب التي سيتمكن من خلالها حاكم تونس الجديد ، او المصري القادم ، أن يضحك بها على عقول الناس ؟ أم أن الشعب التونسي والمصري سيثبتان أن عهد الضحك على ذقون الشعوب العربية قد ولى الى غير رجعة ؟ 

وسيلة  الطاغية الجديد :

بمجرد أن يصل الطاغية الجديد الى الحكم فأنه يبدأ بالتقرب الى الناس ، ولا يلاقيهم الا بالتحية وبالإبتسام ، ويستنكر الطغيان علاناً ، ويجزل الوعود ، ويعفي من الضرائب ، ومن الديون ، ويوزع الاراضي ، ويتصنع الطيبة . وفي الوقت نفسه ، فأنه لا يضيع وقته بتكوين حرس جديد له ، بحجة المحافظة على مصالح الشعب ، ويتخلص من المناوئين له واحداً تلو الاخر ، ولا يجد الرئيس الجديد غضاضة في سفك دماء شعبه ، بتهم باطلة ويبدأ بإحتقار القوانين المكتوبة وغير المكتوبة . وبهذا ينقلب حكمه الى حكم الجنون ويفقد عقله . ومتى ذاق دماء اهله انقلب الى ذئب أخر . والطاغية ليس له اصدقاء ، فلا يمانع بالغدر بهم ، فلابد أن يقضي على من أعانوه للوصول الى الحكم ، وهم هؤلاء الذين يعبرون عن ارائهم بصراحة وامانة ، فلابد أن يقضي عليهم هم أيضاً ، بحيث لا يترك شخصاً ذو قيمة ، سواء بين اصدقائه ، او اعدائه ، ويا لها من عملية تطهير . { وهنا لا يمكنني الا اجراء إسقاط بسيط على ما سيقوم به سيف او احد اخوته ممن ستولون الحكم بعد مما ابيهم ، فهو سيكون عكس الطبيب الذي يخلص الجسم من الضار ويبقي السليم ، بالعكس سيقوم بإخراج السليم ليبقي الضار ، لانه سيقضي على الشرفاء ، والكتاب ، والمبدعين ، والمثقفين ، والشجعان والمخلصين كما فعل والده غير الكريم ، وسيكرهه الناس ويكنون له الحقد ، لذا سيحيط نفسه بعدد كبير من الحراس الذين سيجزل لهم العطاء . ورفاق وبطانة الطاغية الجديد ستكون ايضا من بعض الكتاب والشعراء الذين سيدفع اليهم الاموال والهبات ، لانه يعلم ان شهرته لن تتم الا على يديهم ، كما فعل اباه من قبل .  وسينهب الاموال من المواطنين ، وسيعيش على ثروة ابيه ، اي على ثروة ابناء شعبنا التي سرقها ابيه من قبله ،  وسيدرك الشعب الليبي حينها ، حجم الكارثة التي جرها على نفسها ، لإنجراره وراء كذب ووعود ابن الطاغية ، إذا لم يهب بالتخلص منه }{ اما بخصوص الحالة التونسية فان التاريخ يذكر كيف أنه عندما قام الرئيس المخلوع الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك بإنقلابه على حاكم قرطاجة ، ووضعه بالإقامة الجبرية ، وكيف هلل له التونسيون واستبشروا به خيراً،وكيف انه ما ان استتب الامن والامان للرئيس الجديد حتى عادت الوساطة ، والمحسوبية ، والفساد ، والسرقات اشد ضراوة مما كانت عليه وكيف شحت السلع الضرورية من البلاد ، وكيف عمت البطالة ، وقلت فرص العمل ، مع ما تزامن من غياب مؤسسات المجتمع المدني ، وغياب للحريات ، ومنع حق الشعب من التعبير، حتى كانت الإنتفاضة الأخيرة التي نشهدها اليوم ، اما بخصوص الحالة المصرية فأن الجميع يذكر كيف انه بعد قتل السادات كيف وصل مبارك الى السلطة ليكشف عن وجهه القبيح ، وكيف انه استأثر بالمال وبالحكم من أجل تحقيق مصالحه ومصالح عائلته الشخصية ، ضارباً عرض الحائط بمتطلبات الشعب الفقير ، وكيف انه الغى وظيفة نائب الرئيس لمة تزيد عن 30 عاما ، كي لا يكون هناك شخص اخر تتسلط عليه الانظار بجانبه ، فيتحولون اليه ، حتى كانت الإنتفاضة الشعبية التي نراها الان ، فقام صاغراً بتعيين نائباً له في حال فراره ، وإن كان على النائب الكثير من المأخذ ايضاً ، الا ان المقام هنا لا يتسعها }ويتسأل افلاطون : ماذا سيحدث اذا طلب منه الشعب الرحيل ، اي من الطاغية  ؟ يقول افلاطون انه لن يتورع على ان يضرب الجميع بيد من حديد دون وقاحة.. وهذا ما ينتظركم من حاكمكم الجديد ، فالحاج موسى هو نفسه موسى الحويج ، ولن يغير الله ما بكم الا إذا قررتم التغيير بأنفسكم ، وأحتذيتم بما قام به الشعب التونسي الذي طلب من طاغيته الرحيل فما كان أمامه سوى الإنصياع لطلب شعبه ففر كجرذ جبان حاملاً اوزاره وما طالته يداه من اموال الشعب التونسي ، لانه كان اذكي من ان يقف كرجل ويقاوم التيار الجارف الذي كان يتجه نحوه ليكتسحه.. 

أ ــ شخصية الطاغية :

قام افلاطون بتحديد شخصية الطاغية ، عن طريق تحديده رغبات الإنسان والتي قسمها الى نوعين :

ضرورة وغير ضرورية ، فالضرورية منها إشباعها مفيد مثل الطعام ، وإن كان الإسراف فيها قد يكون مضراً ، ورغبات غير ضرورية غير مفيدة مثل الملذات والرغبات . وهنا يقوم افلاطون بتصوير الطاغية على انه يندفع نحو الرغبات الهوجاء دائماً، حيث تحتل رغباته الهوجاء نفسه ، فيندفع نحوها ، لتتولد بنفسه حب جارف لها ،فيقوم برعاية مثل هذه الرغبات السوية وغير السوية  فيتخذ من الجنون زعيماً لحراستها ، فيقتل من نفسه كل إعتدال ويدعو الجنون ليحل محلها . ويغدو المرء طاغية ، بالطبع او بالتطبع حين يجمع في صفاته بين جميع الصفات المنبوذة ، وحين تسيطر رغباته اللاواعية عليه ، اي إندفاع شعوره الهمجي ليتحكم بسلوكه العام . 

ب ــ حياة الطاغية :

حياة الطاغية سلسلة من أعياد اللذة ، والمأدب والعشيقات ، وغيرها من إنحرافات ، فيعيش الطاغية حياة بوهيمية بلا قيم وبلا مباديء ، تقتضي الإنفاق الكبير ، ويستبيح إراقة الدماء ، وأكل الحرام ، وإرتكاب اي سلوك شائن ، لتسوغه قواه الداعية الى الفوضى والإضطراب ، ويقود الدولة الى مغامرات طائشة  لا حدود لها من الحروب والكوارث ( حربنا مع تشاد ، واوغندا ، وحادث طائرة لوكربي وغيرها من مأسي كلفت الشعب الليبي الثمن الباهظ فقط ليمارس القذافي ساديته وحبه للعنف وللقتل وللدمار ). 

ج ــ أعوان الطاغية :

 لن يرافق الطاغية سوى رفاق السوء ، لذا ليس من المستغرب ان يقترب المقربين له ، للسرقة والسلب وإغتصاب اموال الغير ، فيحترفون الوشاية ، والرشاوي ، وهذه اشياء لا تذكر امام جرائم الطاغية ، هولاء هم من يصنع الطاغية ، خصوصاً إذا وجدوا بأعداد كبيرة ( اللجان الثورية وشيوخ النظام وكتابه وشعرائه وفلاسفته ) فيشعرون بقوتهم مستعينين بغباء الشعب . وهؤلاء المنافقين دائماً على إستعداد لخدمته . ( وانا اؤمن بأنه لو قضي على اللجان الثورية ، وشيوخ القبائل والمنتفعين  وكل المنافقين من كتاب ، وشعراء ، ومثقفين ، وفلاسفة ، ليبيين وعرب ممن يلتفون حول القذافي ، لما وصل القذافي الى ما وصل اليه من قوة ، انه نحن من صنع الطاغية القذافي، و لا احد غيرنا ) والطاغية لا يعرف الصداقة ولا الحرية ، ولا يعرف الإخلاص ، والجانب الإنساني بالطغاة دائماً غائب ، لينطلق الجانب الحيواني من عقاله معربداً كما يريد ، ليصبح الطاغية مجرد حيوان ، وإذا ما مسك بزمام السلطة ، وطالت مدة محكوميته ، ازدادت طبيعة الطغيان والإستبداد تأصلاً به ..

د ــ النفس الطاغية :

الدولة كالفرد ، والدولة التي يحكمها طاغية ، لا يمكن ان تكون حرة ، فالطاغية بها يحمل نفساً وضيعة ، ومحصولاً وافراً من الثروة ، يجنيها نتيجة إساءة التحكم في النفس ، ليصبح الطاغية اشقى الناس . فنفس الطاغية فقيرة هزيلة ، يستبد بها الرعب لإتفه الاسباب ، ويعاني الالام والانين والشكوى ، والتذمر ( والطاغية فقير في خواء نفسه ) فكلما شعر بهذا الخواء لجاء الى العالم من حوله ليجد نفوس اناس أخرين يخضعهم لسلطانه ، لانه غير مكتفي بنفسه ، فالمكتفي بنفسه لا يطغى ابدا ، لانه سيشعر بالإطمئنان ولن يكون بحاجة الى دعامة من سواه ..والقذافي إستنتاجاً من هذا الكلام لهو افقر الناس بيننا ، رغم ثرائه المادي ، لان من يسيطر عليه إنما هي دوافعه الحيوانية ، فالسلطة نمّت ما لديه من مرض نفسي ، ليصبح اشد الناس غدراً ، وحسداً ، وظلماً وفجوراً ، وليغوص في احط الرذائل . ولانه اتعس الناس كافة فهو يفيض على شعبه بما يعانيه من بؤس وهزل وفقر نفسي ومرض لا علاج له ، وخبث ووضاعة وجدابة عقل وحكمة وكل ما به من سيئات .  

{الطاغية في صورة السيد}

{طبيعة العبيد بالشعوب الشرقية تجعلها  تتحمل الإستبداد والطغيان دونما تذمر او شكوى} أرسطو  

أشكال الحكم :

حرص أرسطو على التفرقة بين الدولة والحكومة . فالدولة مجموعة من المواطنين يعيشون على قطعة أرض ، ولا تعطى صفة المواطنة  لأي كان ، إلا بمشاركته بالأمور التشريعية والتنفيذية . اما الحكومة في نظره فهي الاجهزة التي تتولى تنظيم تمور الدولة والاشراف على الوظائف ، وهي قد تكون صالحة تعمل لصالح المواطن ، واخرى فاسدة تتوخى فقط الحكم على حساب مصالح المجموع ، وتضرب برغبات المواطنين عرض الحائط .واشكال الحكم الصالح في نظر ارسطو ثلاثة اشكال :

النظام الملكي ، حيث يحكم فرد بموجب القانون ويستهدف  الصالح العام . والنظام الارستقراطي والحكم فيه للقلة الاغنياء . اما النظام الدستوري تكون في السلطة للاغلبية . اما اشكال الحكم الفاسد فيحكمه اشخاص يطلق عليهم : الطاغية ، وهو الحاكم الفرد الذي يستغل السلطة لمصلحته دون أن يتقيد بقانون ورغم إرادة الشعب (القذافي مثلاً) . اما النظام الاوليجاركي ففيه السلطة تكون  في يد اقلية متميزة من حيث القوة والثراء ، ويحكم هؤلاء الاغنياء لمصلحتهم (اللجان الثورية مثلاً ) . وهناك النظام الديماجوجي (الغوغائي ) ففيه الحكم للاغلبية (الفقراء) وتستغل فيه السلطة ضد الاغنياء.  

{الطاغية!!} 

انواع الطغاة:

يرى ارسطو أن الطغيان صورة من الحكم الفردي ، ويتحول الى حكم سيء ينفرد فيه صاحبه بالسلطة دون حسيب ولا رقيب ، وبدون قانون يحكمه . والطغاة  ثلاثة انواع :

1ــ الديكتاتور : يختاره الشعب ولفترة معينة . ويمكن مقاربته ( للحاكم العسكري العام) حيث تفرض الأحكام العرفية ، ويحتاج الأمر الى قرارت سريعة حتى يخرج فيه صاحبه عن المهام الموكولة اليه ، فيتجاوز حدوده وينفرد بالحكم .

2ــ النوع الملكي المطلق : على النحو الذي وجد بالإمبراطورية الفارسية . فنصفه طغيان ، ونصفه الأخر ملكي . والحاكم الطاغية لم يغتصب الحكم ، بل تولاه على اساس شرعي بالوراثة ، ولكن نصفه الأخر طغيان ، عندما يسلك الحاكم طريق السادة ويحكم ويسيطر على العبيد ..

3ــ الطاغية : حيث يحكم الحاكم بدون رقيب ولا حسيب ، وبدون مسؤولية ، فيحكم لمصلحته الشخصية ، ولأهدافه الشخصية البحتة . فيصبح حكمة حكماً بالإكراه . فهو مغتصب للسلطة دون أن يكترث برضى المواطنين ، ويصل الى ان يحكم بالسلاح ، او بالسيف دون حق شرعي يسنده.(القذافي) .. وعلى هذا الأساس قام (جان لوك) بتعريف الطغيان على انه { إذا كان الإغتصاب هوممارسة إنسان ما لسلطة ليست من حقه ، فإن الطغيان هو ممارسة سلطة لا تستند الى أي حق ، ويستحيل أن يكون حقاً لإنسان ما } يقول الملك جيمس في خطاب له أمام البرلمان الإنجليزي { أن الفرق بين الملك والطاغية هو أن الملك يجعل من القانون حد تنتهي عنده سلطته ، اما الطاغية فلا حد لسلطته ، ويسخر كل شيء لإرادته ولرغباته } . ويعتقد أرسطو ايضاً ان الطغيان هو اسواء اشكال الحكومات ، لأن هذه حكومة الطغيان تجمع مساويء وإنحرافات ، وعيوب الحكومات الاوليجاركية والديموجوجية(الغوغائية) معاً .( وأعتقد ان ارسطو على حق بحكم تجربتنا مع حكم الطاغية القذافي  فأن نظام الجماهيرية البديع إنما هو خليط ما بين هذين النظامين حين استفحل حكم اللجان الثورية ، ووزراء وامناء النظام والقطط السمان ، مع ما يسمى بنظام الجماهير الغوغائي الذي اوصل البلاد الى هذه الحال التي نراها وندفع  ثمنها من تخلف وجهل وفقر ، والذي أقنع فيه عامة الشعب على انهم هم الحاكمون فعلاً ....} 

والطاغية ، عادة ما ينشأ في أجواء دنيا ( يعني يأتي من العدم) ليخرج من الطبقات الشعبية ، ليظهر لإنقاذ الجماهير ، ويتولى الحكم بدعوى رفع الظلم عنهم . وينبهنا أرسطو الى أن نشأة الطغاة ليست هذا النوع فحسب ، فالملك الذي لا يتقيد بقانون ، قد يصبح طاغية (ملوكنا العرب) والحاكم العسكري قد ينتهز الفرصة لنقلب فيصبح طاغية (لا تنسوا زعماء المعارضات ايضاً الذين يسيرون بركاب الحكام ، على اساس أن مافيش حد خير من حد) وهذا التحليل سليم من حيث أن من يمسك بمقاليد الامور ، او اي نوع من انواع السلطة قد ينقلب الى طاغية ، لا يستمع الى أحد ، وحين يستغل موقعه من أجل التفرد بصناعة القرار . كما يعتمد الطاغية  في حراسته على المرتزقة من الأجانب لانه لا يثق بأبناء الوطن الذي يحكمه ( وهنا اختلف معه ، فالطاغية القذافي اثبت انه إنما يعتمد على ابناء الوطن المرتشين والفاسدين وكل من لديه إستعداد على حمايته من اجل بطنه) ويتصف الطاغية بعدم ثقته في الشعب ، لهذا يلجأ الى ايذاء الناس ، ويكره المشاهير ، والاعلاميين ، فيقضي عليهم، ويوقع بهم ، ويشردهم كخصوم سياسيين ، لأن الطاغية يعلم أن الثورات تخرج من صفوف هؤلاء ، فلهذا لابد من القضاء على العناصر البارزة من المجتمع ، ولهذا يتناقل الطغاة العرب نصيحة الطاغية كورنثه الذي أخذ رسول احد اصدقائه الذي ارسل اليه طلباً النصيحة في كيفية حكم شعبه، فأخذ الرسول الى الحقل وراح يضرب بعصاه سنابل القمح البارزة مشيراً عليه بضرورة قطع رقاب عِلية القوم في المدينة . ( طاغيتنا كورونثيا الليبي ، اي القذافي ، اتبع نفس الطريقة مع رجال ديننا ، وثقافتنا ، وعِلية قومنا في بلادنا ابان فترة الثمانينات والتسعينات ، فمات من مات وهرب من هرب ، كان القذافي كمن دخل جنته وهو ظالماً لنفسه ، ممسكاً بمنجله حاصداً سنابل القمح في غير طاعة الله ، كي تصبح ليبيا خاوية على عروشها الا منه هو ومن زبانيته ومن الشعب الضعيف، وكي لا يحصد سوى الهشيم الذي نرى كيف تذروه الرياح .... ) 

كيف يحتفظ الطاغية بحكمه ؟

( وإن حكمتم بين الناس فأحكموا بالعدل) كلام الله سبحانه وتعالى لا خلاف فيه ، وعليه يمكننا قول أن عوامل إستقرار الحكم هو العدل ، وفي معاملة المحكومين كأنداء ونظراء وليس كعبيد . وعودة الى السؤال اعلاه ، فأن الطاغية عادة يحتفظ بحكمه بأحد وسيلتين تعارض أحدهما الاخرى : 

الوسيلة الاولى : يلجأ الطغاة عادة ، وخصوصاً اولئك الذين يرفعون الشعارات الثورية  والوطنية ليضحكوا على عقول  الناس ، يلجأون الى  :

1ـ  الى تدمير روح المواطنين وزرع الشك ، وإنعدام الثقة بينهم ، وجعلهم عاجزين عن القيام بأي شيء ، وتعويد الناس الخسة والضِعة ِ ، والعيش بدون كرامة ، كي يعتادوا الذلة والهوان .

( وهنا ما الذي يمكنني ان اضيفه أكثر من قول أن الطاغية كورنثه قد عاد للحياة من جديد ليحكم الشعب الليبي من حلف اسوار قلعته الحصينة والملاصقة لفندق كورنثيا بطرابلس ، وماذا يمكنني ان اضيف كي اشرح كيفية نجاح القذافي بزرع عدم الثقة  والشك بيننا ، وكيف دمر روحنا الوطنية ، وكيف بتنا في ظل حكمه عاجزين حتى للتصدي للدفاع عن كرامتنا وشرفنا ، او الدفاع عن حياة اولادنا ورجالنا ، وكيف وصل الحال بأبناء الشعب الليبي الى ان يصبح البعض منهم ذوي خسة ونذالة ببيع حتى شرفهم من اجل بطونهم ، ولا اجد دليلاً يثبت صحة كلامي هذا اكثر مما نشاهده من نساء وبنات ليبيا اللاتي اصبحن حجالات ، وراقصات بحفلات وأعياد مناسبات القذافي ، بدون خجل ولا حياء ، ولا اولئك اللاتي أحترفن مهنة اللجان الثورية وكيف قمن بالإساءة الى ابناء شعبهن على مرأى ومسمع اهلهن ، فأين اباءهن او اخوتهن إن لم يكونوا قد  احترفوا الخسة والوضاعة ) .. 

2ـ  القضاء على البارزين من الرجال ، وأصحاب العقول وإستئصال كل من حاول أن يرفع رأسه وهذه العملية يطلق عليها الطغاة بعملية ( التطهير ) من هنا صدر القوانين الثورية الخاصة بالتطهير في ليبيا على يد الملثمون الخضر من قوى ثورية ـ ولعل الجميع يتذكر كيف انه بسن 94 قد صدر قرار امين اللجنة الشعبية العامة للعدل ، امينها الحجازي آنذاك ، بتكوين لجان تطهير في ليبيا ، ثم قرر الوقف بهذا القرار ليعلن القذافي عزمه عن توكيل ابنه الساعدي بمهمة تنفيذ قانون التطهير مستنداً الى الشرعية الثورية ، والمهمة تقتضي جمع معلومات والتحقيق في قضايا الرشوة والمحسوبية والزندقة ، حتى عام 96 لتتحول هذه اللجان الى لجان فساد وسرقة وحسوبية بحاجة الى من يطهرها (ختان) .... 

3ـ  منع الإجتماعات والنوادي ، وحظر التعليم أو الإعلام الحر أو جعله لوناً من الدعاية للحاكم ، وحجب كل ما يثور النفوس او يبث الثقة والشجاعة بهم . 

4ـ  منع المواطنين من التجمع لأغراض ثقافية ، وإتخاذ كافة السبل لتغريب المواطنين ، وجعلهم يشعرون بأنهم غرباء بأوطانهم ، اي قطع الحبل السري بين المواطن ووطنه ( فيما يرى المواطن خيرات وطنه تذهب للغير، في حين يحرم منها هو، وفي حين يرى المفسدين يتبخترون بسياراتهم الفارهة وينعمون بالعيش بالقصور والاراضي والمزارع ، وعندما يرى كيف أن المفسد وعائلته يعالجون لأتفه الاسباب على نفقة ابناء المجتمع ، في حين لا يجد المواطن ثمن حبة الدواء ، ويشعر بالغربة عندما لا يجد عدلاً ينصفه ولا من يرجع له حقوقه . 41 عاماً والشعب الليبي يشعر بالغربة القاتلة الخانقة  داخل وطنه ). 

5ـ  إجبار المواطنين على الظهور بصفة مستمرة ، وإكراههم على أن لا يتجاوزوا حدود مكان معيشتهم، إلا من خلال بوابات ، وبهذا يعتاد الناس الخسة والضعة والهوان والمذلة .. 

6ـ أن يجتهد الطاغية بمعرفة كل ما حوله ، وما يفعله الرعية ، وهذا يعني إكثار (البصاصة) والجواسيس والعيون السرية .. 

7ـ  يعتمد الطاغية على إغراء المواطنين كي يشوا ببعضهم البعض ، فتنعدم الثقة ويدب الخلاف ، وهذا يعني بث النميمة والشقاق ( لو أطلع ارسطوا على حال ليبيا اليوم ن لما زاد حرفاً واحداً على ذلك ، حيث تحول الليبيون الى جواسيس ، يتجسس بعضهم على بعض ، لتشترى الذمم ، بالمال وبالمراتب ، وبالمناصب ، وبالامال الكاذبة ... 

8ـ  إفقار الرعية كي ينشغلوا وراء قوت يومهم ، فلا يجدوا الوقت للتأمر عليه . 

9 ـ عدم الثقة بالأصدقاء خصوصاً ، فالناس كلهم يريدون الإطاحة به ، ولكن الأصدقاء وحدهم من يقدر على ذلك علناً ، فالثقة بالاقربون والاصدقاء معدومة ، ولهذا يشجع الطاغية التأثير الأنثوي سواء من حوله أو بداخل الاسرة الليبية ، على أمل ان تقوم حتى الزوجة بالإبلاغ عن زوجها ، والبنت عن والدها، وشقيقها

 10ـ ينتشي الطاغية  من النفاق ، لهذا يختار حوله الفاسدون ، والمرتشين ، وعبيد النفاق ، فهو تسره المداهنة ، ويحب من يتملقه . 

 11ـ  من عادة الطاغية الا يحب رجلاً ذا كرامة ، أو صاحب شخصية مستقلة ، فهو وحده من يحتكر هذه الخصال الحميدة في نظره . 

12 ـ والاخيرة : الطاغية لا يُسأل ، بل يسأل غيره .... 

 الوسيلة الثانية :

الاساليب 12 السابقة تمثل عند ارسطو الطريقة التي يلجأ اليها الطاغية للمحافظة على حكمه ، وان كان من السهل ملاحظة كيف أنها مألوفة لدينا نحن الشرقيين ، خصوصاً في ليبيا ، فقد خبرناها مع نظام القذافي اللعين ، حيث ان قرأة ما كتبه ارسطو تجعل القاريء يشعر وكأن ارسطو لا يتكلم الا على الطاغية القذافي ولا أحد سواه . الا ان هناك وسيلة ثانية اقل شهرة ، ويمكننا فهمها بسهولة لو رجعنا الى ما يجري في ليبيا الان ، ففي نظر أرسطو ان اهم وسيلة ليحافظ الطاغية على عرشه هو أن يتحول الى النظام الملكي ، فينصب من نفسه ملكاً ، ولهذا لجأ القذافي ليس الى تنصيب نفسه ملكاً فقط ، ولكن ملك ملوك . 

{الفرار من الطاغية} 

ما الإنسان دون حرية يا ماريانا..؟ قولي لي كيف أحبك إذا لم أكن حُراً ؟

 كيف أهبك قلبي إن لم يكن ملكي؟  الشاعر الاسباني لوركا 

1 ــ قانون رجل المحار بأوروبا الديمقراطية :

كافحت المدن اليونانية قديماً الطغيان ، وابتكرت نوعا من الحصانة لحماية نفسها من الطغيان ، متمثلة هذه الحصانة بقانون سمي ( بقانون رجل المحار) فهو نظام غريب يحمي الشعب من الطغاة الذين يحاولون ان يستميلوا مشاعر الجماهير ، وعواطفهم الدينية ، والإجتماعية او الإقتصادية ، كي يصلوا الى منصة الحكم فإذا ما شكوا بشخص ما ينحو لأن يصبح طاغية ، ولان يصبح خطرا على الشعب ، اجتمع افراد الشعب وضعوا اسم ذلك الرجل على قطعة من المحار ، وإذا ما ما صوت العدد المناسب على نفيه كان على هذا الرجل ان يرحل في غضون عشرة ايام ويظل منفياً لمدة عشر سنوات  ويطلق على الرجل رجل المحار( يبدو ان القذافي ومعظم طغاة العرب هم من يستعمل هذا القانون ضد الشرفاء من ابناء الاوطان العربية ، فيقومون بنفي هؤلاء الشرفاء لانهم يشكلون خطرا على انظمتهم )  ،فقانون رجل المحار كان وسيلة إحترازية ضد البعض الذين يحاولون التأثير على الجماهير بما يعرف بالكاريزمة ، او شخصية القائد التي تثير إعجاب الجماهير ، فتنبهر بشخصيته وتقدسه .  ورغم ما يؤخذ على هذه الطريقة من سلبيات ، الى ان قانون رجل المحار هو من افضى الى الطريقة الديمقراطية المباشرة كنوع من انواع الحكم ..

2ــ الديمقراطية المباشرة :

تجاوزت اثينا قانون رجل المحار لحماية نفسها من الطغاة الى إبتكار نظام الديمقراطية المباشرة ، ليكون اول نوع من انواع الحكم التي يرتضيها العقل ويقبلها ، وبها تحترم كرامة الإنسان وادميته . كانت تجربة بسيطة تسمح للرجال فقط البالغين من الإجتماع لتولي امور السلطة التشريعية ، ومراقبة اعمال الحكومة وكل الامور المتعلقة بصلاحيات البرلمانات بالازمنة الحديثة . يؤخذ على هذه التجربة الكثير من المأخذ لعل أهمها قصورها في تحديد مصطلح الشعب الذي اقتصر على البالغين من الذكور الاحرار فقط . ( لمن يريد التوسع بهذه الجزئية عليه ان يرجع الى الكتاب صفحة 211)  

ــ والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه (عبد الملك بن مروان)

ــ سنتولى السحق والقتل ولن نتوقف ، سيتأكد حتى يصبح شريعة ، نحن لا نخشى لا من قتلهم ، ولا من سحقهم ،

 ولا حتى من القضاء ، وكل الإجراءات العنيفة حتى الموت لا نخافها ( القذافي بخطاب له يوم 7 ابريل عام 1980)

ماذا تفعل لو كنت ملكاً ؟

 لا أفعل شيئاً .

ومن الذي يحكم ؟

القانون

 ( فرنسوا كيناي ) 

المحطة الأخيرة بهذا الفصل هي اراء الكثير من الفلاسفة القدامى والمفكرين  مثل مونتسيكو ، كانط ، هيجل، وروسو ، وغيرهم من الفلاسفة ، وإسهاماتهم المختلفة التي دعموا بها مسيرة الديمقراطية دون ان يكون هنالك إتفاق بينهم ، داعمين دون قصد إعلاء قيمة الإنسان بالدفاع عن كرمته وإنسانيته ، ومؤكدين ان ماهية الإنسان هي حريته ، فهو بدونها ينحط الى مرتبة الحيوانات . اراءهم هذه كانت الدعامة الاساسية لتزويد الفكر الإنساني بهذا الاساس ، وبمثابة حجر الاساس الي قامت عليه حركة التنوير لاحقا . كانت دعماً لمسيرة الديمقراطية التي تنشدها الشعوب ، هروباً من الطغيان ، وإن حاول الطغيان ان يطل عليهم لاحقاً في صورة انواع الحكم الفاشية الالمانية والايطالية وفي شكل نظام الحكم الفاشي بروسيا ، ولكن لانها أنظمة فاسدة قتلت الإنسان وأحالته الى هيكل بلا نخاع سرعان ما اندحرت وتوارت في خجل ، في الوقت الذي واصلت فيه الديمقراطية مسيرتها بكل ثبات لتفرض نفسها بهذه المجتمعات . الطغيان يبقى ممارسة السلطة لا تستند على اي حق ، ويستحيل ان تكون حقاً لشخص ما بحيث يجعل الحاكم المتسلط اياً ما كان أسمه ، او إرادته قاعدة للسلوك عوضاً عن القانون(1).. 

ابناء وطني : 

( الوطن الأن على مفترق الطرقات

المرحلة الان لبذل الجهد مع المخدوعين

وكشف وجوه الأعداء

المرحلة الان لتعبئة الشعب الى اقصاه

وكشف الطباخين

وهذه مرحلة ليس تطول

وأول سيف يشهر ضد الشعب

مشبوه عن سابع ظهر من كل الفرقاء

فلا تنسوا ابناء وطني تزييت بنادقكم

ابريل مازال هنا يتربص في الأنحاء)

لنا لقاء بعون الله ومشيئته وحده تعالى الواحد الاحد القهار على عباده ، له وحده الملك وله الحمد ، وله  وحده فقط ، اسلمت وجهي . في امانه وحفظه ورعايته اترك الجميع. 

وطني 100

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجزء الاخير والقادم : الشعب الليبي ما بين السادية والخوف والقذافي ..

1. (لمن يريد الرجوع الى إسهامات هؤلاء الفلاسفة عليه بمراجعة هذا الكتاب الرائع صفحة 223)..

2- من قصيدة بيان سياسي لمظفر النواب

رابط الاجزاء السابقة :

http://www.libya-watanona.com/adab/watani100/wm240111a.htm

 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة (الأخيرة)

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home