Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Uthman al-Alem
الكاتب الليبي عثمان حسين العالم

Saturday, 21 June, 2008

أستاذ الجيل الشهـيد محمد فرج حمي

عثمان حسين العالم


صورة للشهيد محمد فرج حمي في شبابه

ترددت كثيرا قبل أن أستجيب لإلحاح بعض الأصدقاء في أن أكتب عن بعض جوانب السيرة الحافلة لأستاذي وصديقي الأستاذ محمد فرج حمي وذلك بحكم العلاقة الوطيدة التي ربطتني به، وكان ترددي يرجع الى الخوف من الخوض فى سيرة حياة رجل بهذا الحجم من العطاء والتميز الذي جعله محط تقدير واحترام شعبنا بجميع طبقاته شيوخا ورجالا وشبابا، ولهذا فالكتابة عن شخصية بهذه الموصفات شيقة وشاقة فى الوقت نفسه لما لها من مكانة إجتماعية متميزة ذاع صيتها في جميع أوساط المجتمع الليبى وحضورا على ساحة النضال العربي، لذلك إذا قصرت عاب على ذلك إحباؤه وهم كثر، وإذا ما أكلت له المديح عاب على ذلك خصومه ولو أني أعتقد أنه لم يكن له خصوم .

أغلبنا يدرك إن في تاريخ الشعوب شخصيات تترك بعطائها وتميزها بصمات لا تمحى على مر السنين والعصور وما من حركة نضالية جادة عبرالتاريخ أوشعب ينشد الخلاص والتحرر إلا ونظر لرموزه نظرة إجلال وإكبار وأحى ذكراهم ليستلهم من سيرتهم مواعضا ودروسا يهتدي على ضوئها الى صنع حاضرأفضل وتجاربا تغني وتثري مسيرة العبورلمستقبل مشرق.لو نظرنا في تاريخ ليبيا الحديث نجد أن من بين أهم رموز مرحلة ما قبل الإستقلال وبعده تبرز شخصية الأستاذ محمد حمي الذي كان له حضورا كبيرا على المسرح السياسى والثقافي والإجتماعي وأجزل لوطنه وشعبه العطاء بسخاء ، وسيرته حافلة بالمواقف المشرفة كما عرف بوفائه لوطنه وشعبه ، وأحب المعرفة وعشق الحرية ورغم حبه للحياه فقد بذلها فى سبيل مقارعة الطاغوت عندما إستفحل ظلمه وشره واستحق أن يطلق عليه أستاذ الجيل وأحد رموزه الكبار . وسوف أروى فيما يلي بعض مشاهد واحداث تسلط الضوء على سيرة حياة مشرفة لرجل عشت أغلب مراحلها بالقرب منه ولم يمضي يوم دون أن أراه .

ولد المغفور له بإذن الله الأستاذ محمد فرج حمي بمدينة بنغازي المجاهدة عام 1921م . وكان والده فرج حمي شيخا لأحدى الطرق الصوفية وللزاوية العيساوية ببنغازي ، بدأ أستاذنا حمي تعليمه بالمدارس القرآنية وحفظ نصيبا وافرا من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. ولعدم توفرالمدارس والمعاهد إبان حكم المستعمرالإيطالي لتعمده تجهيل الشعب الليبي وحرمانه من أي فرصة في النهوض. تتلمذ الأستاذ حمي في صباه على أيدي بعض شيوخ الفقه المشهورين في ذلك الوقت ليتلقى أصول اللغة العربية وقواعدها فأتقنها .كان عصاميا فى تحصيله العلمي فأعتمد على نفسه في توسيع مداركه الثقافية بالقراءة والبحث والإطلاع كما استطاع التزود من الثقافة العالمية حيث مكنه من ذلك إتقانه للغة الأيطالية إلى جانب العربية فتمكن من الإبحار عبر كنوز الثقافة الإنسانية فأصبح على درجة عالية من المعرفة. كان رحمه الله وطنيا متميزا أحب بلاده وسعى الى خدمتها في مجالات عدة في وقت مبكر من حياته الحافلة بالعطاء وأصبح ناقدا وكاتبا ومترجما يمتلك ثقافة واسعة مما مكنه من نشر إنتاجه الأدبي والفكري في الصحف والمجلات المحلية مثل صحيفة الضياء ، وليبيا و الأنوار وغيرها كما نشر عدة مقالات أدبية وسياسية أشهرها مقال بعنوان \" للفكرة البقاء\" والتي نشرها بالعدد الخامس الصادرعام 1957م عن مجلة النور والتي صدرت بمدينة بنغازي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لإستشهاد البطل شهيد الأمة الشيخ عمر المختار رحمه الله ، مع مجموعة مقالات لشباب العمل الوطني والسياسي، كما كان خطيبا مفوها له وقفاته المتعددة ناصحا وناقدا لتعثر مسار خطى رجال الدولة السياسية ووضعها على طريق جهتها الصحيحة .

عمل أستاذنا رحمه الله في أواخر الأربعينات بإحدى الشركات متنقلا بين مدينتي بنغازي وطبرق وتعرف على إحدى العائلات الليبية المحافظة في مدينة طبرق وتزوج بإحدى بناتها وهى كريمة السيد خليل طاطاناكي والتي أكملت معه مسيرة الكفاح والعطاء بحلوها ومرها وأنجبا سبعة أبناء وهم : أحمد ، جلال ، علي ، مروان ، سلوى ،يسرى ومبروكة والتي سميت بمبروكة تيمنا بإسم والدة الأستاذ حمي التي ألحت عليه بالزواج شفقة منها عليه من التنقل المستمر بين المدينتين أثناء عمله بمدينة طبرق .

كان رحمه الله من الرعيل الأول لشبابنا الوطني الذين رفعوا راية النضال وانظموا للحركة الوطنية المجاهدة والذي كان الأستاذ حمي من أوائل السباقين إليها، لقد كرس أستاذنا حمي جل حياته للعمل الوطني وأجزل لليبيا الحبيبة وشعبها العطاء الكثير، وكان دوما نصيرا للحرية والعدل وحقوق الإنسان فى الحياة الكريمة كما ساهم في نشر الوعي بين المواطنين والدفاع عن وحدة وإستقلال بلادهم. كما سيذكرالتاريخ مواقفه من القضايا العربية وخاصة موقفه الشجاع من نصرة القضية الفلسطينية وثورة المليون شهيد الجزائرية وكان من بين أبرز الوطنيين الأبرار الذين شكلوا هيئات جمع التبرعات لنصرة القضية الفلسطينية والجزائرية كما ربطت فقيدنا حمي طيب الله ثراه علاقات وطيدة بقادة جبهة التحريرالجزائرية وبعض المفكرين البارزين فى الوطن العربى وبعض من قادة التيار التقدمي الإنساني في اوروبا .

إنظم الأستاد محمد حمي إلى جمعية عمرالمختار وبحكم سعة إطلاعه ووعيه وحماسه الوطني أصبح أقرب المقربين إلى رئيس الجمعية الشيخ الجليل مصطفى بن عامر رحمه الله الذي ربطني به أيضا ذلك الإنتماء الأبدي للعروبة والإسلام المستنير ولوطننا ليبيا العزيزة ، وكم من أمسية مررت فيها على شيخنا مصطفى بن عامر إلا وجدت الأستاذ حمى بجانبه منهمكين في حوار حول الوطن وهمومه وكثيرا ما وجدت بحانبهما بعض الأصدقاء يشاركونهما الحديث بالرغم من عيون النظام التي كانت تركز على تحركات هذين الرجلين بصفة خاصة لما لهما من شعبية واسعة واحترام كبيرلدى أبناء شعبنا بكل فئاته . أصبح أستاذنا من الأعضاء النشطين في جمعية عمر المختار فساهم لما له من قدرة على التأثير في نشر الوعى بين المواطنين ودعوتهم للدفاع عن وحدة بلادهم واستقلالها. وكان خروج المحتل البريطاني وإستقلال ليبيا ووحدتها من أولويات أجندة جمعية عمر المختار ذلك الوقت .

في فترة حكم الأدارة البريطانية أندلعت حركة شعبية واسعة تمثلت في إنتفاضة عارمة بقيادة جمعية عمر المختار والتحمت معها الحركة العمالية وفئات الشعب بكل أطيافه وخرجت الجماهير في مظاهرات صاخبة مطالبة بإستقلال ليبيا ورحيل المحتل البريطاني وأذكر في إحداها تمكن الشباب المتحمس من إحراق عربة مصفحة للجيش البريطانى أمام إحدى درور السينما في أحد شوارع بنغازي ، وقد أدى نشاط الأستاذ محمد حمي في هذه المرحلة الى إعتقاله مع مجموعة من الشباب الوطني بتهمة التحريض على مناهضة المحتل البريطاني ولم تطل فترة الإعتقال حتى أطلق سراحهم .اتسع زخم التيار المطالب بالإستقلال ورحيل المحتل ، وساهم إزدياد الضغوط الدولية على بريطانيا في دعم هذه الحملة المباركة التي إنتهت بخروج المحتل واعتراف المجتمع الدولي بإستقلال ليبيا وأعلانه في ديسمبر عام 1951م .

بعد الإستقلال عين استاذنا حمي بوظيفة بالديوان الملكي وعمل بالقصر الملكي كمشرف على مكتبة الملك رحمه الله وكان يحدثنا عن الكثيرمن الكتب المنتقاة ذات التوجهات المختلفة التي كان يقرؤها الملك. وكنت حاضرا فى جلسة من جلساتنا معه عندما كان الأستاذ حمي يثني على حسن اختيارالملك للكتب التي يطالعها فقاطعه أحد الجالسين معنا قائلا يا أستاذ إن الملك مجرد مرابط وشيخ طريقة ، فغضب ووبخه قائلا بغض النظر عن رأيك بالملك فإن الأمر على العكس مما يعتقد البعض بأن الملك كان مجرد رجل صالح وملم ببعض أمورالفقه، بل هو ملم بالكثير من أمور السياسة والثقافة وهو واسع الإطلاع ، وأضاف الأستاذ كنت أندهش عندما يطلب مني إحضار بعض الكتب التي كنت أعتقد أنها بعيدة عن دائرة إهتمامه وكنت كثيرا ما أراه منهمكا فى قراءة كتاب قيم . وعندما أسست الجامعة الليبية عين الأستاذ حمي مسجلا عاما للجامعة حيث ساهم بإقتدار في إعداد نظامها الإداري .

عمل الأستاذ حمي في مقتبل عمره بحقل التدريس بمدارس بنغازي وعين بعدها مدرسا ومشرفا في مدرسة الأبيار الداخلية التى أنشأت لأبناء الأسر الفقيرة من الدواخل ، كان رحمه الله يرى ضرورة التركيز على توسيع حملة التعليم وبناء المدارس وتشجيع شبابنا على التحصيل العلمي لأنه الركيزة التي يعتمد عليها في بناء مستقبل ليبيا الجديدة ونهضتها الأمرالذي جعله حينما كان في قيادة تنظيم حزب البعث أن يدفع بشباب منتسبيه إلى المساهمة في التدريس المجاني في المدارس الليلية لمحو الأمية. كان رحمه الله يتميز باسلوبه الشيق والممتع الذي يشد إليه سامعيه دونما ملل ، الى جانب قوة الحجة وغزارة الإلمام بمعطيات الأومور وطلاوة الحديث ،كل هذه الميزات مكنت الكثير من طلبته في مدرسة الأبيار الداخلية ، التي أشرنا إليها ، من تحقيق مستقبل باهر إذ خرج من بينهم أدباء وكتاب وشعراء مشهورين ، اذكر منهم على سبيل المثال الصديق العزيزالشاعرحسن صالح رحمه الله الذي كان مقربا من أستاذنا حمي بالرغم من إختلاف الإنتماء والتوجه. كان أستاذنا يشمل كل طلبته بحبه ورعايته ويعاملهم كأبنائه بغض النظر عن توجههم الفكري أو أوضاعهم الإجتماعية ، ولقد كان من بينهم من تبوؤا مراكز مرموقة في كوادر الدولة ، كما كان للأستاذ حمي رحمه الله بحكم مداركه الواسعة تأثيرا إيجابيا في تنمية الجانب الثقافى والفكرى لزملائه المدرسين وعمل على إصلاح المناهج التعليمية والتي رأى فيها الركيزة الأساس لنهضة ليبيا .

في بداية الستينات المبكرة إنظم الأستاذ حمي إلى حزب البعث العربي الإشتراكي وأصبح فيما بعد من أبرز قياداته لما يتمتع به من سعة الأفق والنضج السياسي، وكشخصية كاريزمية جذابة ومؤثرة مكنته أيضا ليكون قياديا مرموقا على الصعيد الوطنى وتبوأ مركزا بارزا بين أوساط المثقفين وشريحة واسعة من أبناء شعبنا وفرض إحترامه على رجال الدولة بالرغم من إختلافهم معه .

فى عام 1962 م أتهم استاذنا حمي ومجموعة من رفاقه البعثيين بتهمة محاولة الأنقلاب على نظام الحكم ورغم هشاشة التهمة حكم عليهم بالسجن . بعد خروجه من السجن تقدم الأستاذ حمي لإمتحان معادلة في القانون واجتازه بامتياز وعلى إثر ذلك عمل بمكتب مصطفى القنين لتحرير العقود ، ولم يمض وقت طويل حتى أنشأ مكتبا قانونيا خاصا به وأداره بنجاح .

أحب الأستاذ محمد حمي الرياضة وكانت رياضته المفضلة في شبابه هى العاب القوى مما أعطته جسما قويا كما كان محبا للرياضيين ، ولذلك قبل دعوة نادي الهلال الرياضي ، والذى كان على رأس مؤسسيه ، لتولى إدارته والإشراف على نشاطه ، ولأول مرة أنشأ مدرجا تمارس فيه نشاطات ثقافية ومثل ذلك سبقا في تاريخ النوادي الرياضية فى ليبيا لممارسة هذا النوع من النشاط ، وهكذا نجح الأستاذ حمي في إقامة حركة ثقافية في نادى الهلال ببنغازى تلقى فيها المحاضرات والندوات الشعرية وكانت أمسيات رائعة شارك في أحيائها الأدباء والشعراء فكانت لمسة موفقة لأستاذنا حمي

مما يجدر الإشارة اليه أنه بعد التفرغ من ساعات العمل بمكتبه القانوني كان يعقد حلقات نقاش تدور حول أمور فكرية وثقافية واجتماعية وكثيرا ما يغلب عليها الطابع السياسي لما تتعرض له البلاد من ظروف سيئة جراء حكم العصابة الجاهلة المتخلفة وما مارسته من تخريب متعمد أفسد كل مرافق الحياة وأسسها ، لقد كان يتواجد في هذه اللقاءات نخبة من المثقفين ورجال الفكر واساتذة الجامعة وأحيانا بعض الوزراء والسياسيين .

في إحدى المرات عرجت كعادتي على مكتب الأستاذ حمي حيث كنت لا انقطع عن زيارته أغلب أيام الأسبوع لنشرب القهوة ونتجاذب أطراف الحديث وعند دخولي عليه في ذلك اليوم وجدته جالسا على كرسى مكتبه وامامه جمع مبارك من خيرة رجالنا واذكرمنهم وزيرالعدل ذلك الوقت المحامي عبد الحميد الرعيض والدكتور عمرو النامي والدكتور بازيلي خزام إبن شفيق خزام صاحب مصنع النسيج المعروف في بنغازي ، والدبلوماسي المعروف وزيرالخارجية الأستاذ منصورالكيخيا وآخرين لا أذكرهم ، وحين دخولي كان الأستاذ حمي يوجه حديثه للحضور قائلا أنتم مشكلتكم أنكم لا تقرؤون كثيرا ، ورغم قسوة القول لم يبدو على أحد منهم أى تدمر. قطعت عليه حديثه مازحا يا أستاذ ماهذا الإرهاب الفكري ، ترفق بضيوفك ، وتفجرت بيني وبينه ملاسنة طابعها المداعبة جعلت الجميع يستغرقون في الضحك ووضع الدكتور عمر النامي كلتا يديه على فمه لكى لا يرتفع صوته . أضطررت للمغادرة بعد أن أغلظ لي الأستاذ القول تاركا المكان . ذكرت هذه الحادثة لما لها من دلالة علي ما يتمتع به ألأستاذ حمي من مكانة مرموقة بين أوساط الطبقة المثقفة والسياسية على مختلف توجهاتهم الفكرية ويأخدون نقده مأخذ الجد مهما كانت مراكزهم العلمية والإجتماعية كما يدل أيضا على إختلاف نوعية العلاقات بين رجال ذلك الجيل الرائع وما تبعثه العلاقات المتردية بيننا اليوم من خيبة أمل كبيرة وخجل لاحدود له .

حدثني رحمه الله أنه طرح فكرة ضرورة إعادة صياغة تاريخ ليبيا بشكل واسع ومفصل وسرد أحداثه بواقعية وتجرد يشارك فيه نخبة من خيرة الأكاديميين ممن لهم إلمام وخبرة واسعة في هذا المجال . كان يعتقد أن هذا التاريخ ورد في عدة مصادر لم تلم بكل جوانبه وبعضه شابه الكثير من الزيف ، وشجعه على هذا التوجه ما لاقته الفكرة من ترحيب وتشجيع من المثقفين ورجال الأعمال المهتمين بالشأن الوطني على المضي فى تحقيق هذا العمل التاريخي الرائع ، وشكل فريق على رأسه الأستاذ حمي لجمع التبرعات لتمويل المشروع والإتصال بخبراء وأساتذة التاريخ ، وللأسف لم يمهلهم النظام الجاهل حتى تدخل لوقف هذا العمل بحجة أنه يدخل في تخصصات الدولة،وهكذا وئد هذا المشروع العظيم لإتاحة الفرصة لمرتزقة النظام من سماسرة الفكر والجهلة ليشوهوا تاريخ ليبيا ويلطخوه بإكاذيبهم وأفتراءاتهم ويفصلوه على مقاس قائدهم الخائب وحول بطولاته الزائفة وجهاد أسرته المفبرك .

تعودت المرور بإستمرار على مكتب أستاذى حمي لزيارته بمكتبه كل يوم تقريبا لأقضي وقتا ممتعا ورائعا ، كان الأستاذ يفضل في الصباح الجلوس بجانب صديقه رجب النيهوم وزميله فى التدريس بمدرسة الأبيار الداخلية والتي سبق ذكرها والذي فضل العمل مع الأستاذ حمي صديقه ورفيق رحلته التربوية بعد أن ترك مهنة التدريس التي مثلت جزءا هاما من حياته إحتجاجا على تدخلات "هلافيت " السلطة في شؤون التدريس ونظامه. كان الأستاذ رجب يستقبلني كالعادة بحفاوة بالغة وبإبتسامته العريضة ويطلب مني إعداد القهوة ، وحين يدخل الأستاذ حمي يغمز إلي بطرف عينه يحرضني على إستفزازه لينطلق في حديثه الممتع والشيق الذي لا تمل الأذن سماعه ولكن هذه المرة وجه نحوي حركة تدل على أن الجو لا يقبل المزاح ونظرت الى أستاذي وإذا به يبتسم على نحو لم نألفه من قبل ويسألني هل هناك من جديد فأجبته متذاكيا لا جديد تحت الشمس فنظر مؤشرا نحوي وقال " يا قعادك أزريع اللي هضول حصادته " وأكمل ساخرا ومتهكما بقوله كل شئ تمام إلا قوينين ( تصغير قانون ) وأضاف إن هذا القانون صدر منذ ايام ويقضي بإعدام كل من عمل أو دبر أو فكر فى التآمر على النظام ، وفجأة يعلو صوته غاضبا ويقول يمكن هؤلاء القتلة إعدام من يشاؤون بتهمة النوايا ، قبحهم الله نصبوا أنفسهم مكان الله جل وعلى الذي وحده يعلم السر وأخفى ، وسألني هل سيارتك معك قلت بلى ، فقال لي فلنخرج ، وعندما ركبنا السيارة نظرت اليه وجدته محتقن الوجه ويبدو على غير عادته فسألته إلى اين قال لي بنبرة حزينة (لف بي على بنغازي) ، قلت في نفسي بنغازي تلك المدينة التي شدتنا إليها قوى خفية فسكنت قلوبنا ووجداننا فلا سبيل لغير عشقها والتغني بها .

غادرنا المكتب وركبنا السيارة وانطلقنا سويا نذرع شوارع بنغازي والأستاذ يطيل النظر إلى كل شارع وكل منعطف وزقاق بعيون شاردة وبدت على وجهه مسحة حزن لم ألفها عنه أبدا فاعترانى شعور بالقلق وقلت فى نفسي كأنه يودع بنغازي ، ثم نظر نحوي وقال هذا أمرلم نسمع بمثله في التاريخ لكن لاحياة لمن تنادي ويردد بمرارة " الرجاله دنقروا مالقش حد إيقوله لا " أى الرجال نكست رؤسها ولا يوجد رجل يقول لهذا المجرم لا. عندما أقتربت السيارة من مكان سكناه نظر الى طويلا وسألني متى سترحل قلت غدا أو بعد غد وسأعود قريبا إن شاء الله ،ودعني وودعته وعيناي تفيض بالدمع حزنا ، وأعترانى شعور بالكآبة لما آل إليه الأستاذ حمى وما آل إليه حالنا داعيا له بالصحة والعافية وقلت فى نفسي ( ما بى مرض غير دار العقيله أو بعد الجبا من أفراق الوصيلة...... ) . .

وصلنى نبأ وفاة أستاذي حمي وأنا بأمريكا ونزل النبأ على نزول الصاعقة ، والله وحده يعلم ما أصابني من حزن وأسى. إنقطعت شهرا عن الدراسة وكنت اذرع شاطئ المحيط ابثه حزنى وأساي ومقتي وأحتقاري للنذل القدافى الملعون عندما وصلتني أنباء ما حل بأستاذي من تعذيب ومعاناة على يد المجرم الحاقد وعصابته المتخلفة حتى فاضت روحه إلى بارئها . وتتابعت قصة إستشهاد الأستاذ الفاضل عامر الدغيس والذى كان يعد أيضا من خيرة رجالنا ومن أبرز الشخصيات المعروفة على صعيد الوطن وأوساط المجتمع الطرابلسي بصفة خاصة والذي حقد عليه الوغد القدافي عندما طلب منه تشكيل أول حكومة بعد إنقلابه مباشرة فاشترط عليه الأستاذ عامر رحمه الله قائلا للقدافي عليك أن تترك تسيير شؤن البلد للحكومة وتعود بالجيش إلى ثكناته وحينها يمكننا نقاش تشكيل الحكومة.

لم يمهل الغادر القدافى الأستاذ عامرالدغيس طويلا حتى اعتقله وقذف به إلى شذاذه ليذيقوه كل أصناف العذاب حتى أسلم روحه إلى بارئها. علمت كيف كانت وقفة أستاذنا حمي تلك الوقفة التاريخية البطولية والتي لا يقوى عليها إلا طراز من رجال بوزن هذا الرجل ، عندما وقف على قبر صديقه ورفيق دربه الأستاذ عامرالدغيس رحمه الله يؤبنه وأطلق صرخة التحدي في وجه السلطة الغاشمة وشيطانها الصغير القدافى في عقر داره طرابلس ، لقد كان حمي يعرف ماهو ثمن هذا الموقف لأن الشيطان لا يحتمل ولم يتعود على من يعترض على أي أمر تسوله له نفسه المريضة إرتكابه ما بالك بصفعة أمام الملأ العام . لكن الرجال من وزن محمد فرج حمي لايأبهون بالثمن الذي يدفعونه في سبيل كرامتهم وشرفهم أو قول كلمة حق في وجه شيطان جائر حتى لوكان هذا الثمن حياتهم فيستشهدون رافعي هاماتهم عندما تطأطئ أشباه الرجال رؤسها.

كان محمد فرج حمي بالنسبة لي هو الأستاذ والأخ والصديق، ذلك الرجل الذي كان يمثل ثروة وطنية وقومية ويعلو بعطائه على أشباه الرجال الذين نكسوا رؤسهم للطاغية الصغير ففعل بهم الأفاعيل . لقد نزلت صرخة حمي ووقفتة البطولية نزول الصاعقة على الطاغية الصغير فشعر أن كبرياؤه الزائف مرغ في الوحل . لقد ظن ذلك الأرعن انه ملك اعناق الليبيين كلهم ولم يحتمل صفعة التحدي التي وجهها إليه أحد أبناء ليبيا البررة ألا وهو محمد فرج حمي أستاذ الجيل ، فأعتقلوه في 12 مارس 1980 وتحت التعذيب الوحشي ، على يد شذاذ القدافي لم يطل به الوقت حتى صعدت روحه الى بارئها ،ومن ثم نقل جثمان الشهيد حمي بعد حين مصحوبا بإفادة صادرة عن بلدية طرابلس مؤرخة في 4 مايو 1980م إلى مدينة بنغازى التي ولد فيها وأحبها كل الحب ليحتضن ثراها الطيب جثمانه وتغطيه سماؤها الصافية وتبعث شمسها الساطعة الدفء في رفاته . هكذ أنظم رمزنا الشامخ إلى ركب شهدائنا الأبرار مخلفا وراءه مثلا يحتذى وملحمة تبعث في نفوس أجيالنا الفخر والإعتزاز. لم يخذله أستاذه ورفيقه الشيخ الجليل مصطفى بن عامر رحمه الله عندما أصر على دفنه فى موكب كان أول من سار في مقدمته وفاءا لإنسان مقرب إلى نفسه ، وتبعه الكثير من احباء أستاذنا حمي متحدين أوامر الطاغية بدفن جثمانه بسرية .

هذا قليل من كثير عن هذه الشخصية الفذة لرجل يطول الحديث عن قيمته الوطنية وعطائه الغزير، واجه عذاباته ومنيته صابرا محتسبا وشامخا كالطود الأشم ، إنه الأستاذ محمد فرج حمى ، أستاذ الجيل وفقيد الوطن رحمه الله وطيب ثراه وغفر له وأسكنه فسيح جناته آمين .

عثمان حسين العالم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home