Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Uthman al-Alem
الكاتب الليبي عثمان حسين العالم

Tuesday, 18 March, 2008

من رواد التربية والتعـليم في ليبيا :
المربي الفاضل الأستاذ رجب النيهوم

عثمان حسين العالم

يعتبر الأستاذ رجب النيهوم ( المدرس ) من أشهر وابرز رجال التعليم والتربية ، وما من طالب علم من جيل الخمسينات إلى جيل السبعينات لا يعرف هذا الرجل العظيم الذي ترك بصمات لا تمحى على مسيرة التعليم في مدينة بنغازي الحبيبة كمدرس ومربي.

تتلمذ الأستاذ رجب على مشاهير شيوخ الفقه واللغة ومن أبرزهم الشيخ محمد الصفرانى الذي تلقى على يده مبادئ الفقه وأصول قواعد اللغة العربية . بدأ رحلة في التعليم بمدرسة لأبيار الداخلية والتي ضمت الكثير من النجباء بين طلابها ، فبرز منهم فيما بعد الأديب والشاعر والكاتب والمدرس.

عرف عن الأستاذ رحمه الله الجدية والانضباط وكأن هذا الرجل قد أخذ هذه الخصال عن الشعب الألماني الذي تحسده عليها الشعوب الأخرى . كان لا يطيق أن يرى طالبا يدخل الصف دون أن يقوم بواجبه المدرسي وكان ينتفض غيظا إذا ما رأى احد الطلبة يتثاءب أثناء الدرس إلى درجة أن يأمره بالخروج من الفصل ، ويذكرني ذلك بحادثة لا زلت اذكرها عندما كنت في زيارة إلى ألمانيا وكنت لازلت شابا يافعا فطفقت أسير وامرح في شوارع مدينة هامبورغ حتى أنهكني التعب فجلست في احد مقاهيها لتناول فنجانا من القهوة عله ينعشني وكان المقهى يعج بالرواد ومن فرط الإجهاد وضعت راحة كفى على رأسي وتثاءبت وإذا بالجرسونة تسرع نحوى وتدق المنضدة بقوة وتقول لي أنت في ريعان شبابك ، لقد أزعجت الزبائن ونشرت جوا من الكآبة وهذا أمر لا يليق بك أن تفعله ، اذهب نم في فراشك ونحن لا نسمح بذلك هنا بألمانيا.

عرفت الأستاذ رجب عن كثب عندما عين ناظرا لمدرسة الصناعة والتجارة ببنغازي وأحببت في ذلك الإنسان شخصيته الفريدة والنادرة وما بذله هذا الرجل من جهد كبير في سبيل تقويم طلبته وإذكاء طموحهم إلى حب المعرفة والشعور بالمسئولية وكان يرى الكسل وعدم المبالاة له أثره الكبير في فشل الطالب أثناء رحلته في الحياة ورغم أن اغلب طلبة مدرسة الصناعة كانو من الأشقياء والمشاغبين في مدارس ( ولاية برقة ) ممن جمعتهم نظارة المعارف وأدخلتهم مدرسة الصناعة والتجارة على اعتبار أن هذا النوع من المدارس لا يشكل أهمية تذكر بينما يعتبر اليوم في البلاد الأوربية أهم مرفق تعليمي تعتمد عليه حركة الإنتاج الصناعي والمعماري إذ يتقاضى المهنيون أعلى الأجور، وبالرغم من شقاوة هؤلاء استطاع الأستاذ رجب ان يؤثر في سلوك أكثرهم وتغيير مجري حياتهم إلى الأحسن بفضل جهوده التربوية

قرر الأستاذ رجب أن يشكل من الطلبة النجباء مجموعات تشارك في نشاطات ثقافية مختلفة واذكر بعض أسماء المجموعة الأولى ومنهم عبد السلام قادربوه ، بالقاسم رحومة ، عبد القادر غوقه ، رمضان بوخيط وكاتب هذه الحروف وأخريين لا اذكر أسمائهم وكان الأستاذ رجب يوزع علي كل منا الكتاب الذي اختاره له وفى كل جلسة نبدأ بتناول احد الكتب بنقاش يشرف الأستاذ على أدارته ثم يطلب من كل واحد منا أن يقرأ الفصل الذي يطلب منه تلخيصه وكان من نصيبي سيرة بن هشام لأقرأ فصل منها وألخصه في الجلسة دون الرجوع إلى الكتاب ألا قليلا ، وكان كل مرة يأتي الدور على احدنا ،على هذا النحو. كانت التجربة في بدايتها صعبة كنت مرتكبا ويحمر وجهي ويتلعثم لساني وفيما بعد أصبح الأمر ليس بهذه الصعوبة بل كنت أقدم عليه بشغف وحماس .

رحم الله الأستاذ رجب ، ما أعظمه لم يتوقف نشاطه عند تثقيف طلبته بل كان يستغل العطلات في أقامة رحلات ، كل مرة إلى مدينة بعينها وكان الأعداد لهذه الرحلات يشكل لنا سعادة غامرة يكلف كل منا بمجهود ما . كانت الظروف الاجتماعية والمادية حينها شديدة الصعوبة وكان اغلبنا لا يسد حاجاته ألا بالكاد ونجمع القرش على القرش وبمشاركة الأستاذ رجب يتم جمع المبلغ المطلوب لمصاريف الرحلة عدى وسيلة السفر ونهلل لهذا النجاح ويلتفتون إلى طالبين منى تدبير الأمر. كان خلف بيتنا مرآب يملكه الحاج محمد الذي يجمع فيه سيارات قديمة وغيرها من مخلفات الجيش البريطاني للمتاجرة فيها ، أسرع أليه طالبا منه النجدة وبعد جهد يعطف الحاج ويرق قلبه ويسمح لي باستعمال سيارة نقل صغيرة (أمهربده) من بقايا الجيش البريطاني ، هنا تتم الفرحة ونشرع إنا وزميلي في الفصل بالقاسم ارحومه و عبدالعاطي احداش في ترميمها وصنع غطاء للسيارة أما المبيت فيتكفل به الأستاذ في مدرسة القرية التي سنقضى فيها وقتنا وقبل التحرك يتلوا علينا الأستاذ برنامج الرحلة بالتفصيل ويحدد فيه وقت صلاة الفجر حاضرا وموعد الإفطار، وياله من إفطار، كسرة خبزه شعير شويه زيت زيتون ثم يليه الركض ، لا يقل عن 3 كم ، وبعد قسط قليل من الراحة لتناول طاسه شاهي يفتح موضوع للنقاش وكثيرا ما ترتفع درجة حرارة الحوار ويحتد وحينها يتدخل الأستاذ لتهدئته ولا يتوقف ألا وقت الغداء وبعد الاستراحة نستعد لخوض مباراة لكرة القدم بين فريقين بعدد ستة لكل فريق وكان من بيننا لاعبين محترفين مثل يوسف الكبتى وعبد العاطى احداش وبانتهاء المباراة نستريح قليلا إلى وقت صلاة المغرب ثم نواصل في سهرة ترفيهية نتجاذب فيها أطراف الحديث أو حل الألغاز أو مسابقات حفظ الشعر حتى يحين وقت صلاة العشاء نأوي بعدها إلى النوم ونستيقظ صباحا على نفس البرنامج . انه برنامج تربوي دسم ورائع فيه غذاء روحي وبدني وخلقي واستسمح القارئ للإسهاب في تفاصيله لتسليط الضوء على هذا الإبداع الذي يميز هذه الشخصية . لم يتوقف استأذنا عند هذا الحد في بناء شخصية طلابه وإعدادها إلى مستقبل زاهر بل كان يدعو في نهاية كل أسبوع إلى بيته مجموعة من شبابنا المثقف من مختلف الإنتماءات لنقاش مواضيع فكرية وسياسية ولم يكن الأستاذ رجب منتميا إلى مدرسة فكرية بعينها بل كان وطنيا فخورا بعروبته ومعتزا بمبادئ الإسلام الحنيف دون تطرف أو جموح، كنا ننهمك في نقاش حاد تظهر فيه اختلاف الرؤية وتباين الانتماء وكان الأستاذ يتخذ موقفا حياديا ويكتفي بإدارة الحوار وتنظيمه ولا يتدخل إلا ليطفئ حدة النقاش . أتذكر من تلك المجموعة المباركة من الشباب كل من عبد السلام قادربوه ، عبد القادر بوقعيقيص ، مصطفى بن زبلح ، رمضان أبو خيط ، عبد القادر غوقه ، طه الشريف بن عامر وكاتب هذه الحروف مع آخرين لا اذكرهم .هذه نبذة مختصرة تناولت فيها جانبا من عطاء رجل عظيم ينتمي إلى جيل الاستقلال المعطاء وكغيره من هذا الجيل الرائد والذين كرسوا جل حياتهم في خدمة وطنهم ليبيا ومنحوها عصارة حياتهم.

أستاذنا يقف في مقدمة هؤلاء الرواد الذين لم يبخلوا في خدمة وطنهم بكل أخلاص وتفانى ونكران ذات في مرفق من أهم المرافق التي يقوم عليها تقدم الأمم ونهضتها ألا وهو التربيـة والتعليم وكان ما يميز أستاذنا رجب هو عزة النفس وشموخها و من اجل ذلك تخلى عن حقل التعليم الذي كان يمثل جزءا لا يتجزأ من حياته عندما تدخل النظام الجاهل في سياسة التعليم بشكل متعمد وحوله إلى مجرد هتاف بحياة القدافى وانظم إلى مكتب صديقه ورفيق عمره أستاذ الجيل محمد حمى وعمل معه بمكتبه القانوني واللذان ربطتني بهما علاقة وطيدة وكنت قلما يمضى يوم واحد لا أرهما وأتحدث أليهما .

اعذروني إذا ما أطلت في بعض الأحيان في سرد أحداثاً عابرة تتعلق بحياة هذا الرجل ألا أنني رأيت أن لها علاقة لتسليط الضوء على جوانب مهمة من حياة أستاذنا المربى رجب النيهوم رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عنا خيراً.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home