Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Uthman al-Alem
الكاتب الليبي عثمان حسين العالم

الأثنين 13 أبريل 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة ( الأخيرة )

النقابي "أبو الصادق" رجب عبدالرحمن النيهوم
ولمحة حول الحركة العمالية الليبية (1)

عثمان حسين العالم

( الحلقة الأولى )


النقابي رجب النيهوم
الصورة مأخوذة من أحد لقاءات الحركة العمالية

كنت أتوق بشغف منذ وقت طويل للكتابة عن تاريخ الحركة العمالية الليبية وفاءً لرفاقي المناضلين الذين وضعوا الأسس الأولى للحركة النقابية العمالية الليبية، وعن هؤلاء الرواد الأوائل ، وفي مقدمتهم الشيخ أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم ورفاقه ، والذي كان لي شرف أن أكون من بينهم ، ممن ساهموا في وضع لبناتها الأولى وأرسو قواعدها في ليبيا. وبالرغم من معاصرتي للكثير من مراحل نشأتها ، الا أنني كنت مترددا ولفترة طويلة من الإقدام على تناول هذا العمل الكبير. كان ترددي يرجع لعدة أسباب أهمها شحة الوثائق والمصادرالتي يحتاجها من يقدم على توثيق تاريخ حركة لها أهميتها وحضورها علي المسرح السياسي والإجتماعي في تلك الفترة الرائعة من تاريخ ليبيا. وقد حاولت الإتصال ببعض المعاصرين للحركة العمالية في تلك الفترة علهم يزودني بقدر قليل من الوثائق والمعلومات التي يعتمد عليها في دقة التواريخ والأسماء فلم أوفق . وقد علمت أن اللجان الغوغائية للإنقلاب بعد الإستيلاء على مقاليد الأمور داهمت مبنى إتحاد النقابات ببنغازي وعبثت بإرشيفه واتلفت كل محتوياته.

ولأهمية الموضوع وجديته وللمسؤلية التي حملني إياها الكثير من الإخوة الحريصين علي تاريخ الوطن وتراثه؛ كل هذا شجعني للكتابة عن كل ألأحداث والمواقف التي عشتها وأعلمها عن الحركة النقابية ورفاقي النقابيين الذين شاركوا فى قيادة هذه المسيرة الشاقة من النضال والكفاح من أجل إنشاء حركة نقابية ناجحة بكل المقاييس وفي مقدمة أولئك الرجال الشيخ أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم ، والذي تعودنا جميعا على مخاطبته ( بسي رجب ) وهى الصيغة المختصرة والمحببة لدينا لمناداته بها، والتي سوف أستعملها كلما ورد إسمه في سياق هذه النبذة عن تاريخ الحركة النقابية في ليبيا وعن حياة هذا الرجل الفذ ورفاقه وما صاحبها من أحداث، راجيا من الله تعالى ألا تخونني الذاكرة في تذكر وإستحضار مواقف واحداث يفصل بيني وبين وقوعها زمن طويل، مستعينا ببعض المعلومات التي بذلت جهدا كبيرا للحصول عليها ، والتي تجعلتني مطمئنا بعون الله لصحة ما يرد في هذه الورقة حول هذه الحركة المباركة ، وآمل أن تكون بداية ومساهمة يضاف اليها الكثير .

نبذة عن حياة الشيخ رجب عبد الرحمن النيهوم

ولدالشيخ رجب عبد الرحمن النيهوم ونشأ في مدينة بنغازي بحي سوق الحشيش وهذا الإسم لا علاقة له بالمخدر الذي يسمي بالحشيش في بلاد أخري؛ ويبدو أنه قديما كان ميدانا لبيع علف الأغنام المواشي والذي يطلق عليه الليبيون الحشيش . تعلم سي رجب القراءة والكتابة علي أيدي فقهاء المساجد وأئمتها ، حاله في ذلك حال أطفال الليبيين. كما تعلم مبادئ اللغة الإيطالية وبدأ يتكلمها فيما بعد أثناء عمله كبحار على ظهر السفن الإيطالية، واستطاع أن يلم إيضا بقليل من ألإنجليزية، مما لعب دورا هاما في توسيع مداركه ومكنه من الإحتكاك بثقافات شعوب أخرى الأمرالذي سنشير إليه لاحقا. كان والده يملك متجرا صغيرا بجانب سكنه في ساحة حي سوق الحشيش أحتفط به سي رجب كذكرى وبعد أن تقاعد عن العمل وتفرغ للنشاط النقابي اتخذه بجانب الكسب كمكتب له حيث كنت أتردد على ذلك الدكان من وقت لآخر لزيارته والتحدث معه. كان لسي رجب أولاد من بينهم الكاتب والمفكر المعروف والذائع الصيت الصادق النيهوم .

تعرفت على سي رجب عن كثب بعد إنخراطي في العمل النقابي فرأيت فيه رجلا مهابا طويل القامة ذو بنية قوية بجانب دماثة الخلق وطيب المعشر ، يتمتع بخفة الدم وروح الفكاهة. كان يروي لنا قصصا وحكايات مثيرة من ذكريات رحلاته البحرية بإسلوبه الشيق فكنا نطرب لها ونطلب منه المزيد. كل هذا بجانب وعي سياسي بالفطرة، يعالج الأمور بروية وأسلوب لبق يمكنه من إقناع محاوريه بسهولة ودون عناء، كان يصعب إستثارته وإذا أثير يغضب بشدة ولكنه سرعان ما يسيطر علي نفسه . كان يتعامل مع رفاقه النقايين صغارا أو كبارا دون تكلف، الصغار وكأنهم أبناؤه والكبار كأصدقائه المقربين. كل هذه الصفات جعلت منه شخصية جذابة تفرض حبها وإحترامها على كل من تعرف عليه. اجتمعت فيه صفات القيادة علي مستوى ليبيا والوطن العربي،إذ شغل منصب أحد أمناء إتحاد العمال العرب وأمينا عاما لإتحاد نقابات ألعمال في ليبيا . الشيخ رجب النيهوم علامة مميزة في تاريخ الحركة النقابية الليبية وركيزة من ركائزها ، يرجع الفضل إليه في إقامة دعائمها, والحديث عنه هو الحديث عن الحركة العمالية التي إرتبط بها وأرتبطت به والتي نحن بصدد التعرض لها .

النشاط العمالي في أواخر الثلاثينات إبان الإحتلال الإيطالي

في زمن حكم الإحتلال الإيطالي ، وفي منتصف الثلاثينيات على وجه التقريب ،كان الليبيون يعانون من شظف العيش وشحة الموارد ويعتمدون في ذلك الوقت على أعمال الرعى والزراعة ،فلما استقر الوضع في ليبيا قليلا إزدهرت الحركة التجارية وشاهد ميناء مدينة بنغازي نشاطا غير عادي للسفن التجارية التي كانت تفرغ حمولاتها من البضائع المستوردة على أرصفة ميناء المدينة ثم تشحن بالمنتوجات الليبية من الماشية والأغنام وأصوافها والفحم والشعير ونبات الحلفاء وبعض السلع الأخرى، فأزدادت الحاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة، ومثل ذلك فرصة للعمال الليبيين للإنخراط في العمل في ميناء بنغازي لتفريغ حمولة السفن وشحنها، وكان لعدد منهم بعض الخبرة بالعمل في السفن فألتحقوا هم أيضا كبحارة على ظهر السفن الإيطالية ولم يطل بهم الوقت حتى أتقنوا هذا العمل وأجادوه؛ ونذكر منهم محمد السوادي، علي الجهاني، محمد المغربي، محمد الربيدي ، عبد الرزاق الأوجلي، محمد البكوش، مصطفى النيهوم، محمد التركي، وكان أبرزهم رجب عبد الرحمن النيهوم وهو شخصية هذه النبذة التاريخية والتي نحن بصدد الحديث عنها ومحورها وعمودها الفقري .

ولكي نسلط الضوء علي بعض جوانب شخصية سي رجب النيهوم المتميزة وقدراتها التي مكنتها من البدء في نشاط عمالي منظم كانت نتيجته إنشاء أول نقابة في تاريخ ليبيا المعاصر بمدينة بنغازي وهى نقابة عمال ميناء بنغازي ، رأيت لكي تكتمل الصورة أن نتابع رحلة سي رجب النيهوم وما صاحبها من أحداث، ونتعرض للعوامل التي مكنته من إنجاز هذه الخطوة المهمة والتي أسست لحركة نقابية ناجحة وفاعلة في فيما بعد . عند إنظمام سي رجب إلى العمل على ظهر السفن الإيطالية كبحار أبحر على سفن كثيرة جابت به البحار والمحيطات متنقلا بين موانئ مدن العالم شرقه وغربه ، وصقلت بدنه وعزيمته تلك العواصف التي كانت تتعرض لها سفن ذلك العصر فيحتاج العمل في تلك الظروف رجال إصحاء البدن أشداء يتمتعون بعزيمة صلبة وكان سي رجب أحد هؤلاء الرجال بجدارة . كانت السفن عادة ما ترسوا في الموانئ لإفراغ شحنتها ثم تبقى يوما أو يومين للراحة والإستجمام وللتزود بما يلزمها لمواصلة رحلاتها، وكان عادة ما يسمح للبحارة بالنزول إلى مدن تلك الموانئ بعد الفراغ من أعمالهم، ولم تكن في ذلك الوقت الصعوبات التي نواجهنا في هذه الإيام للحصول على أذن الدخول لبلدان غير أوطاننا.

كيف نشأت فكرة العمل النقابي عند سي رجب

مكن إحتكاك البحارة الغرباء بأهل تلك المدن من أمثال سي رجب أن يطلعوا على عادات وثقافات تلك الشعوب المختلفة بإختلاف تلك المدن التي يزورها هؤلاء البحارة أثناء فترة إستجمامهم. كل ذلك ساهم في صقل مدارك سي رجب الذي ساعده تحسن معرفته باللغة الإيطالية وبعض الأنجليزية من الإطلاع على ثقافات الكثير من شعوب العالم شرقه وغربه ، كما إستفاد من إختلاطه بالكثير من بحارة جنسيات متعددة تبادل معهم الحديث حول العمل النقابي وضرورته والذي كان في ذلك الوقت في أوجه. كان أغلب عمال أوروبا منتمين إلى نقابات عمالية ونتيجة لإحتكاك سي رجب بهؤلاء العمال وكذلك سماعه بخبر ذلك النقابي الإيطالي الذى كون أول نقابة عمالية في طرابلس أثناء الإحتلال الإيطالي لليبيا. كل ذلك كون لدى سي رجب فكرة واسعة حول العمل النقابي مكنته من نجاحه فى دعوة وإقناع تلك الكوكبة من زملائه البحارة الذين ورد ذكرهم أعلاه ليكونوا أول نقابة لعمال ميناء بنغازي. وعندما أزدهرت فيما بعد الحركة التجارية في البلاد فتحت عدة وكالات للملاحة فاحتاجت إلى مزيد من العمال الذين إنظموا لاحقا إلى نقابة عمال ميناء بنغازي ، التي كان تكوينها فاتحة لحركة نقابية واسعة فيما بعد. كانت تلك الثقافة التي أكتسبها سي رجب من رحلاته البحرية عبر مدن العالم هي العامل الرئيسي الذي مكنه فيما بعد من تحقيق ذلك العمل التاريخي الرائع وبروزه كقائد عمالي ناجح على المستوين الوطني والقومي , قاد العمل النقابي وكرس جل حياته لرعايته .

نقابة عمال ميناء مدينة بنغازي

بالرغم من صغر حجم أول نقابة عمالية في مدينة بنغازي تحت إسم نقابة عمال ميناء بنغازي إلا أنها أعتبرت أول خطوة تاريخية هامة نحو حركة نقابية واسعة في ليبيا. وبعد أن أصبحت ليبيا تحت وصاية الإدارة العسكرية البريطانية وجدت هذه النقابة فرصة للمطالبة بالإعتراف بها رسميا وفقا للائحة قانونية وضعتها هذه الإدارة تسمح بإنشاء الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وعلي إثر صدور هذه اللإحة بدأ عمال مهن أخري ينشئون نقابات جديدة وكان ذلك بحث وتشجيع من سي رجب وكادره النقابي. وبعد بذل جهود كبيرة تمكنت النقابات القائمة في ذلك الوقت أن تحصل على الإعتراف بها رسميا وفقا لتلك اللائحة القانونية التي أصدرتها الإدارة العسكرية البريطاتية والتي ورد فيها بعض البنود التي تعطي عدة حقوق للطبقة العاملة، مما شجع القيادة النقابية بالمطالبة بها والحصول عليها وسنشير إلى ذلك لاحقا في سياق الحديث عن هذه الفترة بقليل من التفاصيل .

وعندما حصلت ليبيا على إستقلالها وجدت طلائع النقابيين القدامى وبالتضامن مع نحبة من المثقفين وكتاب الصحف الوطنيين في التشريع الذي وضعته الإدارة العسكرية البريطانية والذي يسمح بإنشاء الجمعيات والمؤسسات الأهلية فرصة للمطالبة والضغط على السلطات الليبية لإصدار قانون عمل جديد. ونتيجة لتزايد الإصرار على تحقيق هذا الهدف أضطرت حكومات الولايات إلى دعوة خبراء منظمة العمل الدولية لصياغة قانون عمل جديد ؛ وفعلا وضع القانون وكان من أهم بنوده الآتي :

(1) حرية تكوين النقابات.
(2) حرية الإضراب عن العمل.
(3) تحديد ساعات العمل.
(4) عدم تشغيل الأحداث.

وغيرها من الحقوق التي كانت في السابق غير واضحة وغير مطبقة في ظل الإدارة العسكرية البريطانية ، كما قام المحامون الوطنيون بالترافع في قضايا الطرد التعسفي ونجحوا في إستصدار أحكاما أصبحت قواعد لا يمكن تجاوزها، وسوف نتطرق إليها بالتفصيل. وعلى ضوء هذا القانون أضطرت سلطة الإستقلال أيضا بالإعتراف بكل النقابات دون إستثناء .

يتبـع ...

O_4165@yahoo.de


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة ( الأخيرة )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home