Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

الثلاثاء 31 مارس 2009

شاهدونا ونحن "نتمقرط"*

طارق القزيري

لم تنجب الأمهات قط مواطنا صالحا جاهزا، كما لم يوجد شعب متمتعا - منذ البدء - بالحضارة والمدنية والتقدم. وحدها الممارسة والتجربة، والتربية، تغيّر ما نعتقده من طبائع الأشياء. ولا مجال لدوام شيء في هذه الحياة إلا التغيير ذاته. ألا تبدو هذه المقولات بدهية وكمسلمات ؟؟.

ربما.. بيد أننا نتجاهل مضمونها، ونسعى إلى عكسه، من ذلك أن الثغرات لا تختفي، والنواقص لا تنتهي. وكل مجتمع لديه من سلبياته وعيوبه ما تفرضه ضرورة تلك الممارسة وتفاصيلها، والتجربة ولوازمها من خطأ أو تقصير. وهذا ما يمنح النظر والمقارنة سعة بل ومشروعية دائما.

وما يميز الخطاب الليبرالي العربي، الشائع منه على الأقل، هو الدعوة لمنع الإسلاميين من الانضمام إلى العملية السياسية، والتحذير منهم، لا بسياق نقد وانتقاد، وجدل. بل بأسلوب بوليسي بدعوة أنهم، غير مؤهلين للديمقراطية، وكأنما يدعون الإسلاميين، للتنحي جانيا، وإفساح المجال لهم، والاكتفاء بمشاهداتهم وهم يمارسون الديمقراطية، حتى إذا تطوروا فيمكن الموافقة على انضمامهم المشروط.. لاحقا.

لا تتضمن هذه الدعاوى نرجسية عروبية فقط، بل يكذبها الواقع، وحال الأحزاب الليبرالية خير مثال على فهم الديمقراطية. بل هي تقلب الأمر وتجعل الليبراليين العرب اقرب لليمين المتطرف في الغرب مما عداه.

اخوانيات وغربيات

نعيب على الأخوان المسلمين، كجماعة مغلقة، لا أمل لعضويتها كما تفعل في كل الديمقراطيات الحديثة، حتى عندما تعيش في الغرب، حيث لا حظر على التحزب و التأطير. ولكي ييسر الله لك الانضمام لتكون ضمن الجماعة التي اختيرت من قبل العناية الإلهية لإنقاذ العالمين. فعليك التوجه لأقرب مسجد - ربما توجد بدائل أخرى - ليأتي أحد "الأخوة ويجتهد عليك" فتصير مستحقا لعضوية "ذلك الغيتو الشهير".

ولكن مهلا في الغرب أيضا -وهولندا مثال على ذلك - توجد أشياء مشابهة فحزب الحرية الهولندي هو حزب النائب فيلدرز لوحده، لا جمعية للحزب ولا مؤتمر ولا أعضاء، وإذا رأيت انك تؤيد السيد المذكور فعليك تقديم دعم مالي له، أو الانتظار لأقرب فرصة انتخابات عامة، لتسقط ورقة مكتوب عليه اسمه أو أسم تختاره ممن يقوم بتسميتهم ضمن قائمته في صندوق الانتخابات. فيلدرز أساسا طرد من حزبه الليبرالي، لأجندته المتطرفة يمينياً. وموجود بالبرلمان أسوة بالجميع. وبعد منع بريطانيا فيلدرز من دخولها، تقول استطلاعات الرأي، أن فيلدرز - لو جرت الانتخابات الآن - سيكون له 28 - 29 مقعدا.

و الحزب البروتستانتي - مقعد برلماني واحد -لم يتنازل عن مبدأ منع النساء من المشاركة السياسية، إلا بحكم المحكمة العليا قبل عامين، إذا كل مثالب الأحزاب الإسلامية يمكن أن تكون محتملة، وبالرغم من عدم إمكانية الموافقة على أجندات الإسلام السياسي، ولكن تصور أن الخضروات تنضج في الثلاجة، وأنه على قسم من المجتمع، أن ينتظر في الظل حتى يتطور، وهو أمر ينافي المنطق، ويتعارض حتى مع تجارب الشعوب.

التناقض رهين الحراك

ومع التأكيد على الجانب المبدئي في أحقية العمل السياسي والانتخابي، فهناك جانب آخر عملي، وهو إن السماح للإسلاميين، هو ايجابي مهما كان مضمون أجندتهم، إذ هو ما سيحرك التناقضات الداخلية بينهم، أسوة بأي حزب سياسي آخر، الأجسام لا تنكفيء وتقوقع، وتتداعى لبعضها بالسهر والحمى، إلا حين مباغتتها من الخارج، وإلا فستظهر الاختلافات البينية، بحكم التنوع البشري.

وخذ مثالا "أبو العلاء ماضي" في إخوان مصر، والاختلافات بين الإسلاميين في الجزائر. بل وحتى السلفيين، لو كان هناك جو ومناخ ايجابي، لكان لتيار الشيخ العودة أو سفر الحوالي وغيرهم، أن يبتعد أكثر بكثير عن قاعدته النظرية السلفية الأساسية!!.

لكن ما حدث من تداعيات وحروب، وتدخل خارجي، واستقطاب ليبرالي حداثي، ضد الإسلاميين، وبالأخص التقدميين منهم ولو نسبيا مثلما حدث مع القرضاوي في تونس قبل مدة، ساهم في عدم إتاحة الفرصة، للتباينات بين الإسلاميين أن تتبلور في مواقف، والوصول لحراك سياسي داخل المؤسسات والبنى الإسلامية نفسها.

مخاوف وأوهام

أما الخوف من سطوة الإسلاميين، واحتكارهم للشارع، وتمتعهم بسماحة المسجد "واستغلالهم لها" وغيرها مما يوجه دائما للإسلاميين ويعد ذريعة ضدهم لمنعهم، فهو أمر غريب، لا يسمح الواقع به. فلم يتمكن الإسلاميون من اكتساح الانتخابات في أي بلد شاركوا به، وحتى الأغلبية التي حققوها لم تكن كاسحة، دعنا هنا نتحدث عن الانتخابات النزيهة، ففي فلسطين فازت حماس في أفضل أوضاعها على الإطلاق جماهيريا، وفي أسوء حالات غريمتها فتح، بنسبة معتبرة، ولكن لم تسمح لها باحتكار المشهد السياسي، هذا لو استمرت الديمقراطية بينهما.

وفي الجزائر كذلك تراجعت مكاسب الإسلاميين، كما في المغرب، رغم أن الإسلاميين يختارون أحيانا عدم المشاركة بوفرة تجنبا للصدام مع الحكومات، ولكن هذه نقطة تعني أنهم يختارون المناطق الأكثر إتاحة للفوز، ومع هذا فتكررت خسارتهم كثيرا. وقل ذلك في الكويت، لم يحتكر الإسلاميون أي مشهد سياسي لهم وحدهم، وان فازوا بأغلبية هنا وهناك.*

وهكذا فمن يعارض مشاركة الإسلاميين، بقدر ما يخالف مبدأ الديمقراطية نفسها، فإنه ينفي عنها جانبها الجدلي التصحيحي، ويكشف عن قراءة ذاتية للواقع، تتجاهل الأرقام والوقائع لصالح أجندات إيديولوجية ضيقة، برغم كل النفور الذي نحمله من أجندات الإسلاميين، والتي يخلعون عليها قداسة، لن يذيب شمعها إلا شمس واقع يصر كثيرون، على منعهم من التعرض لها..

abusleem@gmail.com
________________________________________________

• جاءت نتيجة الانتخابات المحلية في تركيا لتأكيد مزاعمنا هنا، بعدم استمرار سيطرة الإسلاميين، حيث شاهدنا بأكبر تراجع لحزب العدالة والتنمية منذ توليه السلطة.
* سبق لي نشر هذا المقال كعمود راس مسموع، كما نشر على موقع إذاعة هولندا يوم الاثنين 30-03-2009.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home