Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

الثلاثاء 28 أبريل 2009

النيهوم : عندما لا يكفي التمرد

طارق القزيري

ذات يوم قال لي كاتب ليبي أنه يتنازع قلمه، مع الصادق النيهوم، كلما هم بالكتابة، فيما علّقت لي أديبة ليبية أن " أولئك الذين ظلوا في أسر النيهوم هم فقط من لا يقرؤون !!". شهادتان معبرتان، أحدهما لا خلاف عليها، وهي تأثير النيهوم، بروح كتابته، وأسلوبه، ونمطه الخاص، على كل من تعامل معه. والثانية، أن النيهوم ذاته لم يكن أكثر من رافض، والرفض لا يكون مقنعا إلا عند أحاديي النظرة، والباحثين عن تلبيس التهمة لأول من يمر بالجوار.

وبين هاتين النقطتين سار عشاقه ومناهضوه، كمتوازيين، لا لقاء بينهما، ربما لأنهم بحثوا عن ما يريدون في النيهوم، لا عن النيهوم ذاته. وبحسب ما قرأت، فقد كانت كتابات سالم الكبتي الأخيرة – على الأقل بحكم تاريخ النشر – الأكثر موضوعية، في تقرير واقع النيهوم الفكري. وإرجاع الصادق لظروفه، وتاريخه الخاص، المعقد بحكم تعقد حياة الفرد عموما والمثقف خصوصا، في ثقافة كثقافة العرب.

فراغ نقدي

النيهوم وبرغم إحساسه – كمبدع - ثقل الإشكال المعاش في ثقافتنا، وتجمد قوالب الحياة العلمية والفكرية، إلا أن عوامل كثيرة منعته من تجاوز جوهر المشكل الثقافي. وظلت مقترحاته، ومشاريعه الخلاصية، حبيسة أدوات خصومه، ومن أراد الثورة عليهم. لذا قال "السوري د. علي حرب" ما معناه: "أن النيهوم هو فقيه آخر، لا يحب لغة أقرانه". وبالفعل فقد تفوق النيهوم بلغته، عن غيره، واستطاع بمهارتها وتكتيكاته اللغوية المحرفنة؛ أن يبهر الجميع، ويرسم دوائر الدهشة حول نصوصه.

ولغياب المنطق النقدي التحليلي، حيث تفكيك النصوص وحفرها، أمطر المريدون النيهوميات بالمديح، وامتهنوا تفسير النيهوميات واشتغال أفضلهم بتأويل ما يرونه ملتبسا، لتصير كتابتهم عن النيهوم مجرد هوامش شارحة، وروافد وتفريعات عن ذات المجرى الأصلي.

النيهوم كسلاح

فيما انصرف مغاضبوه عن روعة عبارته، وقدرته الفذة للوصول لقصده دون مواربة، بجرأة لم يملكها أحد بمثل هذه الجزالة؛ انصرفوا عن ذلك، بالتنقيب في كل عثراته الواقعة والمفترضة، وحتى المتخيلة، لينصبوا له شراكا، تكفي لتصنيفه في خانة المنشق، المهرطق، العلماني، المرتد... وأخيرا الكافر. و كانوا في الأغلب بكل هذا العنف اللفظي و"الفكري"، لا تتملكهم الغيرة على المعتقد والمقدس، بقدر اقتفاء أثر "تكتيك التصنيف" التكتيك الأكثر جلبا للراحة، ورمي المعارض والمختلف، في حقل الإهمال، وعدم الاستحقاق، بل والمحتاج للشفقة. لابد من التأكيد على أن النقاش حول النيهوم، يعود في الغالب، لأن النيهوم يحقق غايات المتناقشين، في الدفاع والهجوم، يشهد على ذلك تجنب الفريقين، كل ما يتسلح به الآخر، مركزا على ما يريده هو فقط. وهو ما يعكس الاستقطاب الفكري الدائم في حياتنا، بقدر ما يصوّر الفراغ من الفكر النقدي لدينا.

إعادة الإنتاج

مفهوم إعادة الإنتاج، مقولة قديمة اكتسبت مع كارل ماركس؛ فاعلية تحليلية متنوعة، رغم ارتباط المفهوم مبدئيا بالاقتصاد السياسي. وإعادة الإنتاج آلية توازن، أي أنها لا تخرج عن محاولة مخالفة السائد، ولكن بشرط عدم الخروج عن ما يدعم شرعية السائد نفسه، وهو ما كان يسميه ماركس بـ "إعادة الإنتاج الموسع".

وفي العموم تميل البنية – أي بنية - لإعادة إنتاج نفسها، عندما تظل أسسها ونظم اشتغالها وعلاقاتها الداخلية، ثابتة، مهما تغير الإنتاج بالكم أو بالأشكال. وبالنظر لموضوعنا، فلم تكن أدوات النيهوم، ولا منهجه النقدي تختلف بشكل نوعي عن من انتقدهم. ومن الغريب فعلا أننا لم نعثر في ليبيا موطن الكاتب، من يهتم بإنتاج الصادق النيهوم ذاته، وعلاقاته فكره الداخلية، بغض النظر عن إثبات البراءة، أو إلصاق التهمة، بإطروحات النيهوم نسبة للشريعة أو العقل أو الأخلاق الخ.

الطوباوية وطلسم الجامع

في دراسته عن النيهوم " قراءة تنظيرية في كتاب ( إسلام ضد إسلام ) " يسعى الأستاذ علي عقيل لـ " تقديم خلفيات مركزة للمفاهيم المحورية التي تقوّم المنظومة الفكرية للكاتب". ورغم انه يجب الإشارة إلى أن هذه هي الدراسة تكاد تكون الوحيدة، التي لم تلتفت لمنطق التبرئة والإدانة؛ فإن إهمال مجرد ذكر "المسجد أو الجامع" لتقرير أن مفهوم الجامع، هو مفهوم ثانوي، وليس جوهري في فكر النيهوم، يبدو أمر مبالغ فيه وغير مقنع. وحتى لو افترضنا صحة أن "مفهوم الجامع" أمر غير أساسي في بدائل النيهوم، فإن النيهوم لم يقدم بالتالي أي بديل مؤسسي، كنقيض لما كان ينتقده من هيمنة الفقهاء والمؤسسة المشيخية.

ولكن الأرجح أن النيهوم، لم يهتم بالبناء قدر اهتمامه بالنقض، النيهوم كان يحمل هم الثقافة السائدة، ولم يفكر سوى في تقويضها، ولم يكن يعرف بديلا مقنعا، وهو الخارج من قناعة عداء النماذج المستوردة، يشهد على ذلك نقده للديمقراطية، وهجومه على ما كان يعتبره نتاجا للمجتمع الرأسمالي، وبذلك لم يكن أمامه سوى العودة، لأصل يهدم مبدأ المؤسسة المشيخية، وهو ما قبلها، ما تزعم أنها تصدر عنه.

ظل النيهوم دارس الأديان المقارنة، يعامل المؤسسة الفقهية كما هي الكنيسة في الجدل الذي احتدم بالمسيحية. وهكذا لجأ للجامع كبديل للبرلمان، ليأخذ من الفقهاء سلاحهم الوحيد الذي يحاربون به "التغريب". ولكنه لم يخرج عن الأمثولة الطوباوية التي تسعى لإيجاد صيغة تنظيمية، تتحدد بنموذج سابق، حتى وهي تنشد بديل مستقبلي في الزمن.

ومما يعزز زعم طوباوية النيهوم لم يطرح النيهوم أي منطق مرحلي أو تدرجي للعودة نحو نموذج الجامع المفقود، وفي نفس الوقت لم يخبرنا عن معطيات المؤسسة البديلة التي يقترحها، بل بدت غامضة تماما، ففي ظل الظروف السائدة، وإذا كان "لا فقهاء بلا جوامع ولا جوامع بلا فقهاء" فإن الاعتراف بالجامع يعني المزيد من إضفاء الشرعية، على ما كان يزعم النيهوم انه يحاربه، الفقهاء.

وفي حديثه عن قواعد الإسلام الخمس، لم يرتبط النيهوم بأي فكر تاريخي، يرجع هذه القواعد مثلا، لوظائفها الاجتماعية، في إطار البنية النواة، التي يجب أن تصمد لتكون قاعدة نشر للدعوة الجديدة. لم يكن النيهوم ينظر وفق منطق حداثة تربط النظرية ليس فقط بمنطلقاتها الذاتية بل الحياة الاجتماعية واكراهاتها.

النقيض المشابه

واضافة لما سبق، يمكن الاستشهاد بمحاولة النيهوم التفسيرية للقرآن، فمع إصرار "الصادق" على وصف الفقهاء من فقيه القرية، حتى مفتي الجمهورية بمنتجي الطلاسم، وتحويل الدين إلى كم من المجهولات وتعميد السدانة على المطلوب الإلهي، يتعرض النيهوم للحروف المقطعة في فواتح السور القرآنية، يرفض النيهوم أن تكون لا معنى لها، لأن هذا يلغي الحكمة من تنزيل كتاب الله شفاء لما صدور، وبيانا للناس. ولكنه يقترح تفسيرا غريبا، وهو البحث في معنى هذه الحروف القرآنية، في الحياة الاجتماعية اليهودية، مذاهب من المذاهب الصوفية لديهم وهو"نظام القبالة".

هذا الاتجاه لا يجعل النيهوم فقيها فقط، بل فقيه نوعي، فإذا كان الفقهاء يلجئون للتراث والتقاليد، فإن منزعهم أقرب صلة للإنسان الطبيعي العادي، من البديل النخبوي المغرق في الغموض للإنسان العادي. ذكاء النيهوم ولغته اللاذعة بقدر ما هي بالغة الوضوح، لم تكن كافية لأن يخرج من الإطار الفكري، الذي ظل يهاجمه منذ بدايته.

الخلو عن الإلهام الأخلاقي

"... والمسئولون في ليبيا إذ يسمحون بارتكاب هذه التفاهات في وضح النهار، إنما يضعون عنق ليبيا البائسة تحت مقصلة حقيقية من أظافر الرجال الجهلة، ويفقدون أحسن أصدقائهم". هذه العبارة التي يوردها سالم الكبتي، هي من رسائل النيهوم، إذا بقدر ما تكشف عن رغبة تحريض ضد الفقهاء "الخصوم"، فإنها لا تخرج عن رغبة القمع التي يصدر عنها الفقهاء، الذين يطالبون بمنع النيهوم وأمثاله لنفس العلة بالضبط "إنقاذ عنق الوطن من الجهلة". ولكن اللغة نفسها "التفاهات، الأظافر، الجهلة" بقدر حدتها، فهي تكشف عن العجز الذي رافق النيهوم، في ابتداع لغة أرقى، جديرة، بنموذج أخلاقي ملهم، يكف عن التقاط الخصوم لمجرد الإغضاب، وينصب مثالا يمكن اقتداءه، يقوم على الدفع بالحسنى. ويسحب من الأخر مبرر العنف اللفظي، أو ما يسد طرق الحوار البنّاء.

لم يكن من شان النيهوم، أن يساير الخطاب الشاتم. لو أمكن للنيهوم – وهذا أمر افتقده حتى عند رده على خصومه في مجلة الناقد مثلا - أن يؤسس خطابا أكثر تسامحية، يبحث عن الممكن ربطه، ويتجنب الممكن قطعه، بلغة أكثر هدوء. ولكن ماحدث لم يخرج النيهوم عن السائد في الخطاب حتى اليوم... على الأقل كما تابعنا.

فهل يمكن بعد هذا القول أن النيهوم أعاد إنتاج الثقافة نفسها، بالتأكيد على نفس مؤسساتها، والتفكير بنفس طرائقها، والتعامل بمعاييرها هي، دون جديد وإبداع نوعي ومختلف؟؟.

وأخيرا....

ليست هذه السطور بالدراسة، بل في الحقيقة، مجرد خواطر وتعليقات، لا تفي للتعرض لمفكر ومبدع مثل الصادق النيهوم. لا يزال النيهوم الكاتب الأكثر إمتاعا، كما لم يلامس قلم شغاف حياتنا كما فعل هو، ولم يتحدث احد عن رغائبنا كما فعل، النيهوم هو الكاتب الذي يجعلك تشير من بعده "هذا قصدي".

لهذا السبب بالذات ولأن النيهوم قال يوما أنه سيظل "منتظراً أن أجد لديكم استعداداً ما للمضي إلى الخطوة التالية.. ولعل بينكم الآن من يستطيع أن يكون أكثر إيجابية مني"... فليس التفسير والتأويل ما يحق للنيهوم على معجبيه، بل الأمر بالضبط، أن يخرج المثقفون عن تجربة النيهوم نفسه، ليقولوا تجربتهم هم.

ولم تكن هذه السطور سوى تجربتي أنا. و كما قال النيهوم"... لكل منا الحق في أن يقول تجربته على نحو ما".

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home