Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

السبت 27 سبتمبر 2008

في مفهوم العنف الرمزي

طارق القزيري

ألقى د. جمعة عتيقة، محاضرة في فعاليات نقابة المحامين الليبية بعنوان "العنف الرمزي" كما ورد بموقع أخبار ليبيا نقلا عن "صحيفة أويا" . وهنا لا أريد التطرق لمضمون المحاضرة، ولا لصواب تحليلاتها وشواهدها واستخلاصاتها. بل سنعين الحديث حصرا عن العنوان " العنف الرمزي" الذي نرى أن د. عتيقة جانبه الصواب في استخدامه وتوظيفه، خاصة وأنه وبعد مرور فترة معقولة على منشط ثقافي له أهميته كالمنشط الذي تحدث فيه د. عتيقة " أمسية لنقابة المحامين" دون ورود تعليقات أو نقد ملائم يجعلنا نحسب لهذا التعليق أهمية ما لأسباب :

- أن المحاضر تطرق لعلم الاجتماع خلال حديثه، ومفهوم "العنف الرمزي" أو"Symbolic violence" لا ينتمي بأي شكل لمقصود المحاضر، كما هو مترسخ في علم الاجتماع.

- واستعان المحاضر باتفاقية مناهضة التعذيب، بالرغم من أن هذه الاتفاقية تحديدا وفي نسختها الانجليزية لا تذكر " العنف الرمزي" إطلاقا، والأمر ينطبق كذلك على باقي اللغات بلا شك.

- ومن الواضح أن ما يقصده المحاضر يمكن أن يوافق "العنف النفسي أو اللفظي أو المعنوي" دون تحديد المفاهيم حصرياّ، لكن المشكلة أن د. عتيقة لم يفصل بين "التعذيب والعنف" والأمران ليسا سيان، لا لغة ولا مفهوما ولا واقعا. مع ضرورة التأكيد أننا هنا لا نناقش المحاضرة في حد ذاتها إلا من جهة صلتها بمفهوم " العنف الرمزي".

- ولكن المهم أن استخدام مفهوم العنف الرمزي، دون الإشارة إلى القاعدة الأصلية لهذا المفهوم كجزء من نظرية خصبة جدا، بل تعتبر من أهم اللحظات في الفكر الإنساني الحديث، وكذلك إغفال التعرض للمفكر التي يرتبط هذا المفهوم باسمه، هذا الاستخدام والتغافل سيعد – مع الاعتذار للمحاضر – نوعا من التشويش على هذا المفهوم والفكر الذي ينتمي إليه.

- لاننكر هنا على المحاضر حقه في إمكانية تغيير دلالة أي مفهوم لصالح طرحه الخاص، وكما يقول القدماء " لا مشاحة في الاصطلاح" لكن تجاهل الجذر التاريخي، والنظري للمفهوم وعدم المرور عليه، هو المشكل هنا.



بيير بورديو والعنف الرمزي

في ظلال ثورة الطلاب الباريسية في الستينات، ساد التفكير في نقد النظم الاجتماعية والتربوية السائدة، خاصة مع سيادة التراث الماركسي ومقولات الصراع الطبقي والتراتبية والتمايز الاجتماعي، كإيديولوجية ضد النظام القائم – اليمين الديغولي - في هذا الإطار نتج عن مجهود طويل للفرنسي بيير بورديو (1930 –2002) وآخرين تطوير ونقد أفكار رائجة مثل البنيوية حيث كانت مقولاته عن البنيوية التركيبية في مقابل "بنيوية ما بعد ليفي شتراوس".

ومن جهة أخرى لم يعارض بورديو - بصورة مطلقة - التحليل الماركسي عن العامل الاقتصادي في إنتاج التفاوت الطبقي، ولكنه قال بنظرية تتجاوز حصر الصراع الاجتماعي في الصراع الطبقي، بما أن الصراع يكون في حقول وليس بين الطبقات. فالمجتمع لا ينقسم فقط لأغنياء وفقراء وطبقات متراتبة، بل هو مهن أيضا وانتماءات أكثر تنوعا، والصراع بين أفراد المهنة الواحدة – مثلا – يتم وفق علاقات تنافسية فيما بينهم وهذه علاقات داخلية للبنية، وبين علاقة البنية – القطاع الصحفي مثلا – بالخارج. ولعدم إغفال الدور الفردي فثمة حقول : ذرية – جزئية – خاصة ( = الميكروكوزوم ).

و الحقل (Field) : فضاء للاشعور الثقافي قد يتحدد بالاقتصاد ولكن ليس دائما وفقط. والثقافة هي من يحدد التراتبية ويعيد إنتاجها، إذ المؤسسات التربوية مثل "المدرسة" هي مجرد مؤسسات لـ " إعادة إنتاج" السائد الثقافي، وتكريره لدعم لتوازنات الهيمنة القائمة فعلا. وكانت من نتائج ذلك بلورة مراجعات مهمة حول الإخفاق المدرسي مثلا .. على غير ذلك.

وباختصار قد يبدو مخلا : فإن لكل فرد " هابيتوس" أي مجموع استعدادات كامنة غير واعية تحدد نطاق ونمط إدراكه، وتفكيره وسلوكه .... والهابيتوس كمحدد للمعارف والسلوك ينجم عنه " رأسمال رمزي" باعتبار أن الفرد هو منتج في سياق اجتماعي متعدد المستويات " الاقتصادية والثقافية والأخلاقية" فيكون لكل جماعة نسق قيم ومعلومات ومعارف مناسبة لمعيشتها وأجواء بيئتها في المجتمع نفسه.

وتأتي المؤسسات القائمة في المجتمعات، كالمدرسة مثلا تحت ظل ديمقراطية التعليم والمساواة، لتحدد الناجح وغير الناجح، والمتقدم والمتأخر، ولكن ولأن الرأسمال الرمزي متفاوت بفعل تفاوت المستويات المجتمعية - فمجموع معارف الأغنياء يتناسب مع سواهم - فإن المدرسة تحاكم الجميع وفقا لـ "رأسمال رمزي" لمجموعة واحدة هي عادة الطبقة الوسطى. فتصير هذه المؤسسات أداة طبقية لـ " إعادة إنتاج" السلطة القائمة في المجتمع. طالما أن معايير التمايز هي وفقا لطرف واحد وليس معيار كلي.

ومن أجل أن يتم اعتماد قيم الطبقة الوسطى كمعايير تربوية، يمارس "العنف الرمزي" باعتبار أن أي آلية تربوية ستمارس جهدها لإبراز قيم وإخفاء أخرى. فالخطاب التربوي ليخفي الهيمنة، يلجأ لمفاهيم النظام والعقاب، ويمارس على نطاق واسع ومستويات مختلفة،

وبالتالي فـ "العنف الرمزي" هو لصيق العملية التربوية دائما مهما كانت. وتصير المسارح والسينما والفنون الجميلة والهوايات التي تتمكن منها هذه الطبقات قيم سامية، فيما ربما لا يعد الصيد مثلا كذلك .. وحتى هواية التصوير الفوتوغرافي بعد التقدم التقني الذي يجعل معداته بوسع الجميع تقريبا، يخرج من كونه علامة ثقافية معتبرة.

ومثلما هو التحليل البنيوي فالفاعل – الفرد - هو فاعل في نسق، ولا نسق بدون سلطة، ولذا فإن ما يتعلق بالسلطة يكون قابلا للتوظيف المتعدد، و يشيع استخدام مقولات بورديو بسياقات أخرى لا ترتبط بنسق نظريته الأصلية، وهذا الأمر طبيعي مع أفكار مفصلية ومفاهيم لها قوة إجرائية فاعلة. بيد أن المهم هو الحفاظ على جوهر المفهوم المقتبس أو تحديد المقصود به بشكل مناسب وكاف.

وفي كل الأحوال فإن المحاضرة المذكورة - د. أعتيقة - ربما تكون منحتنا فرصة مقاربة لفكر له صدارة جديرة في العلوم الإنسانية المعاصرة، ودون أن نتصنّع التواضع، فلا يمكن القول أن ما ورد يعبر عن فكر بورديو ولا مقولاته، وسيكون رائعا إذا نجحنا في لفت النظر للموضوع فقط ... دون مزيد.

Abusleem@gmail.com
________________________________________________

* (عن ويكيبيديا)
بيير بورديو هو عالم اجتماع فرنسي من المراجع العالمية في علم الاجتماع.
ولد في 1 أغسطس 1930 وتوفي في 23 يناير 2002. بدأ نجمه يبزغ بين الأخصائيين انطلاقًا من الستينات وازدادت شهرته في آخر حياته بالتزامه العلني إلى جانب "المغلوبين". وقف بورديو على الدوام ضد النظام التعليمي القائم على تلقين المعلومات ونقد بشدة المدارس ومناهجها. وحسب رأيه يجب أن تكتفي الدولة بتعليم التعليم وتدريب الناس على تحصيل المعرفة. فالرجل يرفض الأدلجة ولا يقبل أية شبهة للتأثير السياسي في التعليم. كما اشتهر بإماطة اللثام عن "حقيقة" وسائل الإعلام لاسيما الصحافة والتلفزيون، و قدم مداخلات لاذعة بحق الصحافة والقنوات التلفزيونية، مما جعل منه إضافة إلى حقله وتخصصه العلمي والأكاديمي رجل سياسة ورأي عام بارعا ومعروفا بمواقفه النقدية الجريئة.
أنتج بيير بورديو أكثر من 30 كتابًا ومئات من المقالات والدراسات التي ترجمت إلى أبرز الألسن في العالم والتي جعلته يتبوأ مكانة بارزة بين الأسماء البارزة في علم الاجتماع والفكر النقدي منذ نهاية الستينيات من القرن الماضي.
• سوسيولوجيا الجزائر (1958)
• الوَرَثَة. الطلبة والثقافة (1964)
• إعادة الإنتاج. أصول نظرية في نظام التعليم (1970)
• التمييز-التميز. النقد الاجتماعي لِحُكم الذوق (1979)
• الْحِس العملي (1980)
• ما معنَى أن تتكلم. اقتصاد التبادلات اللغوية (1982)
• درس في الدرس (1982)
• مسائل في علم الاجتماع (1984)
• الإنسان الأكاديمي (1984)
• أشياء مَقُولة (1987)
• الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدغر (1988)
• إجابات. من أجل إنسيات انعكاسية (1992)
• قواعد الفن. تكوُّن وبنية الْحقل الْأدبي (1992)
• بؤس العالَم (1993)
• عِلَلٌ عَمَلية. في نظرية الفعل (1994)
• في التلفزة (1996)
• تأملات باسكالية (1997)
• في التلفزة (1996)
• السيطرة الذكورية (1998)
• البنيات الاجتماعية للاقتصاد (2000)
• علم العلم والانعكاسية (2001)
• تدخلات. العلم الاجتماعي والعمل السياسي 1961-2001، (2002)
• توطئة لتحليل-ذاتي (2004)

أعماله المترجمة إلى العربية
• درس في الدرس (عبد السلام بنعبد العالي)،1986
• حرفة عالم الاجتماع (نظير جاهل)، 1993
• العنف الرمزي. بحث في أصول علم الاجتماع التربوي (نظير جاهل)،1994
• أسئلة علم الاجتماع (إبراهيم فتحي)، 1995
• أسئلة علم الاجتماع. في علم الاجتماع الانعكاسي (عبد الجليل الكور)،1997
• قواعد الفن (إبراهيم فتحي)، 1998
• عن التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول (درويش الحلوجي)، 1999
• العقلانية العملية. حول الأسباب العملية ونظريتها (عادل العوا)، 2000
• السيطرة الذكورية (أحمد حسان)،2001
• بؤس العالم (محمد صبح)، 2001
يمكن الحصول (هنا) على دراسة عن كتاب " بؤس العالم" لبورديو للكاتب والمترجم كاظم جهاد – مجلة الكرمل.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home