Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

الأثنين 27 يوليو 2009

       
       
       

حكاوي ليبية (12)

الحب وفقا لمصادر مطلعة


طارق القزيري

(1)

قال محمود - وقد بدا لي أشبه بواعظ - واضعا فنجانه "أأنت تتحدث عن الصدق؟ وأنت من مارس الرذيلة مع كل هولاء النساء اللواتي تتشدق الآن بخبرتك فيهن؟" ....!!.

لم أهبه حق الاتهام، ولم أتطوع لأخبره أنني لم أمارس الرذيلة مع أحد، لن أشفيه من حسده ... الإقناع هدية ثمينة، تجلب الراحة، وأردت أن أبقيه في تعبه ... الصمت انتقام مذهل؛ نضيعه لمجرد الرغبة في الظهور، أو إثباتا لطهر وبراءة - حتى ولو كانت صحيحة - لن تعني شيئا لأحد ..!!.

... كافأته بضحكة، ثم أخبرته أن ما يتحدث عنه هو "عجز محض، ولا علاقة له بالأخلاق الحميدة، أن تنظر في مؤخرة امرأة بشبق ثم تتمطى بالعفاف : هذا سخف....".

غارت عيناه في جمجمته، وهو يتفادى نظرات الرفاق على الطاولة، وتمتم بحنق "إنه الوفاء... أنت صايع لن تفهم ذلك".

خففت من التوتر .. وجعلته يتقلب على جمر انتظار ردي - أحس انه كان يستمتع كلما وبخته، ربما كانت طقوسا طهرية خاصة به، وتلطيفا للذنب - رشفت من قهوتي قليلا، وأرجعت ظهري للمسند، ومنحته فرصة أن يرى أسناني مرة أخرى .... "ببساطة لو كنت أنا صايع فأنت خوّاف، أنت تخشى من زوجتك ولا تحبها؛ وإلا لامتنعت عن أن تتملّى أجساد الفتيات والنساء في كل زوايا المدينة ....".

انتهزت فرصتي ودفعت عينيه لآخر نقطة ممكنة من جمجمته، وأصبعي أمام أنفه "أنت مصيرك، واحترامك لنفسك، معلق كله بأين تنام الليلة ؟. وهل ستغلق على نفسها غرفة النوم أم تتركك تدخل؟ أن تضمن نومك في فراشك أم على كرسي الصالون؟ هذا جبن، لا يليق بصاحبه أن يتحدث عن المناقب الحميدة".

(2)

الفكرة كانت بسيطة، حد القهر. عليك أن تبقى في البيت، ولا تخرج لتلعب الكرة، أو غيرها، كي لا تخالط من هو دونك، وتضيع وقتك في المعاكسات، ولعب الكرة، والدخان !!. وأن تجتهد لتصبح دكتورا مرموقا ووجيها.... ساعتها يحل لك ما تريد !!.

لم استطع إفهام عائلتي أنه عندما أصبح دكتورا؛ لن أجد من يلعب معي، أو ألعب به، ولن أجد من أعاكس، وأكون فقدت متعة الأشياء، فالدكاترة لا نكهة لهم، وعندما فشلت أن أكون دكتورا، أقنعت نفسي، أن هذا الفشل كان انتقاما كافيا. فالفشل أيضا يمكن الاستفادة منه.

ومع هذا فعندما كان رفاقي يحكون لي عن مغامراتهم أمام مدرسة الهداية أو مدرسة الشعلة للبنات، كنت أعيش معهم قصصهم بتفاصيلها، أحببت كل صديقاتهم، وأقمت معهن علاقات، وأنا اجلس في "المربوعة" لأذاكر دروسا من المفترض أن تجعلني محترما !!.

كتبت لهن رسائل لم يقرأنها أبدا، وتحدثت معهن في أمور خاصة جدا، وعانقتهن مطولا، وللأمانة كن لطيفات معي للغاية، ربما من حسن حظهن أنني في ذلك الوقت لم أكن أملك مفتاح غرفة النوم، بل لم يكن مسموحا بخروجي من "المربوعة" حتى لما بعد صلاة المغرب.

لم أحتج يوما لأكثر من رؤوس أقلام من قصصهم، وما حدث معهم كل يوم، لأكتب في ذهني سيناريوهات جديدة، تكفي لتتجاوز أطول المسلسلات الأمريكية، غنية، متلهفة ساخنة، أو رزينة وقورة.

عندما أخرج للمدرسة أو أعود منها، كنت أدخر كل المشاهد التي تمر بي، اخزنها وأرتبها لاحقا، مواقف الناس مني أو مواقفي منهم، هي ما يحدد دورهم في السيناريو المقبل، الأستاذ "مرعي" عاقبني بالوقوف أمام السبورة الخلفية، فرايته مدهوسا من سيارة مسرعة، عندما كنت مستلقيا، وأنا في طريقي لموعد مع "فتحية".

(3)

وفيما كان كل منهم يعيش قصته الحقيقية، كنت أعايش قصصهم كلها، ظللت أشبه بمخرج ومشاهدي الـ "بيق براذر"، وبدون تلفزيون ولا كاميرات تراقبهم؛ عشت معهم بخيالي .. الخيال هو مولد الاحتمالات المشرعة، يتجاوز الحدث ليصنعه ويشكله ويمدده ويطيله، ويغنيه. هو الصورة والصوت، خارج الزمن. الخيال أوثق من الحلم، تبدأه الرغبة، وتسيره الإرادة الخفية، أحيانا أخلق أربع أو خمس قصص في جلسة واحدة، وربما كانت إحداهن تبدو أجمل من غيرها، أو تتحدث أكثر منهن، فأعتبر صديقة أو أكثر في حالة غياب، لأعتني بها.

وعندما كبرنا نسى كل منهم قصته، أما أنا ولأن تجربتي خيال ممزوج بالحرمان، ومغلف بالتوق، فكانت حصيلتي أكبر وأعمق، أصبحوا هم المحرومين، سجناء قلة الخبرة، وصرت على عكسهم، حين يجمعني بأحدهم موقف أو نتجول، كانت تلهبهم مؤخرات النساء، او تميّلهن، وغنجهن، فيما لم يكن هذا يشغلني، لا أنظر في خلف لم أر واجهته، والغنج سلاحهن الأثير، لتعويض الصفاء، والألق الذي لا تبديه الكلمات ولا الأزياء.

خيالي خلق مني عاشقا محترفا، وصرت خبيرا في فنون الهوى، وظلوا يعودون إلي حتى في مشاكلهم مع زوجاتهم.

أدركت أن التجربة الوحيدة، أسوء وأكثر بلادة، من عدم التجربة أصلا، التجربة المفردة تمنحك رؤية ضيقة جدا، وتخدعك بسراب معرفة محدودة ... وتعلّمك أن تغلّف إخفاقك وفشلك، وامتهان الآخرين لك بالأخلاق والفضائل....!!.

كثيرا من الفضلاء .. مثل محمود.

abusleem@gmail.com


       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home