Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

الأحد 26 اكتوبر 2008

استراتيجيات المشاعر الحميدة

طارق القزيري

هيك مضبطة بدها هيك ختم !!
                  مثل فلسطيني

عندما قرأت التقرير النهائي لـ "ليبيا 2025 - رؤية استشرافية "، جال بخاطري جملة واحدة (بالشعر أيضا تكتب الاستراتيجيات). فللأسف لم أجد كلاما علميا محددا، بل جملة من المشاعر الحميدة والأماني الوطنية، جيدة للمناسبات، ولكن في تقرير أكاديمي اعتقد أن هذا آخر مكان يصلح فيه ما كتب عن ليبيا (2025).

وأريدك أن تستبدل عبارة (ليبيا 2025) بـ "ليبيا بعد 17 عاما" فترى سقوط تلك الهالة النفسية، التي تضمرها سحرية الأرقام المدورة في 2025 !!. وتتدبر كل ما ورد بعد ذلك ومدى موافقتك عليه. فالورقة يسكنها منطق حتمي، يجبرك على تصور "أننا سنكون بخير". ولا مانع من كوننا كذلك شريطة أن تؤدي ذلك المعايير الموضوعية، وهذا – ما أرى – أن الورقة لم تستطع أن تقنع به، من ذلك :

• كيف يمكن استشراف مستقبل دولة لا يعلم لها آلية انتقال للسلطة محدد، ولا حتى تتوافر قراءة لتوازناتها السياسية الداخلية بشكل له دقة ووجاهة ما، تزيد عن التخمينات؟؟.

• كيف يمكن الحديث عن مستقبل إذا كان الجميع لا يعلم ماذا سيحدث بعد ديسمبر في خضم ما يزعم بإلغاء الوزارات وتوزيع الثروة ... الخ من الضجيج المصاحب؟؟.

• كيف يمكن الحديث عن إستراتيجية دولة بدون شق دفاعي ؟؟." لم يرد ذكر القوات المسلحة ولا الجيش ولا الدفاع أبدا !!".

• واستتباعا لهذا كيف أمكن كتابة إستراتيجية أو رؤية بناء، بدون عوامل التنافس؟ وهل يمكن في الإستراتيجية إلغاء التنافسية ؟، ليس في بعدها الاقتصادي فقط، بل سياسيا وإقليميا ودوليا، وهو ما عوضته الورقة بشعارات غرقت فيها حتى الإعياء، عن الجوار والصداقة والإنسانية وكأننا في جنات عدن، وليس في واقع تلتهب فيه المصالح!!. ولا ادري وفق أي فلسفة إنسانية بنيت هذه الورقة الناعمة الوادعة.

• كيف يمكن الحديث عن مستقبل بدون اقتراحات وسيناريوهات لتفكيك الدولة الأمنية ولو من باب الأماني، أو تجاوزها حيويا، بتفريغ أثارها على المجتمع لو افترضنا هذا ممكنا بالفعل؟؟. وردت كلمة الأمن في الورقة (18 مرة) ليس منها أبدا الأمن أو المخابرات أو ما إليها.

• ووردت الأمن مقرونة بـ "الإنساني" 8 مرات، وكأن مفهوم (الأمن الإنساني) محدد أو معرف سابقا طالما أن الورقة لم تحدده بأكثر من "تفسير الماء بالماء" في خطاب أجدد استغرابي كيف يمكن تسميته رؤية لدولة؟.

• هذه الطوباوية الفاقعة تجعلك، تساءلت بعدها هل هذا متوقع أم مأمول ؟ ثمة فارق بين الممكنات والمعطيات، بين "ما ينبغي – ما يمكن – ما يطلب". فهل هذا يمكن تحصيله بمجرد تلك الكلمة السحرية " ليبيا 2025" بعد 17 عام من الآن؟ ما الذي سيتغير في ليبيا لتصبح بلدا شفافا ديمقراطيا ناهضا منتجا؟.

• ففي حقل الممكنات يكون ما يتصور ذهنيا كله متاحا، كأن تتفوق ليبيا على دول الخليج اقتصاديا، أو تلتحق دول العرب بجنوب شرق آسيا. أما المعطيات فشان مختلف يقوم على مقومات واقعية بالفعل، ولا أظن ثمة جاد سيقول أن الوارد في الفقرة أعلاه قائم على المعطيات التي يمكن تحقيقها في 17 عاما.

• هل نتوقع – مثلا - أن تنصلح السياسة والأداء التعليمي أم نأمل ؟. ولو افترضنا أنها أصلحت هل سيكون لها مخرجات سحرية ونتائج، مثلما تقول الورقة المقصودة وفي 17 عام؟.

• الفاعل الاجتماعي افتراضا سيكون عادة من سن "35" أي عمره الآن 17 عاما، بمعنى آخر تجاوز الثانوية العامة أو على أعتاب الجامعة حاليا. والسؤال هل يؤمن هولاء الأساتذة أن لديهم طلبة بنوعية مؤهلة بمجرد خروجهم الدراسي من تغيير كل شيء؟ اللهم إلا أذا كانوا سيكتبون مستقبلهم بالشعر والشعارات والأماني والممكنات، فهذا يمكن البدء فيه منذ الآن وليس علينا الانتظار حتى 17 عاما قادمة.

• وبالنظر للنقطة "4.31 تحديات عامة" وما بعدها، كيف أمكن للتقرير تصور النهاية الرومانسية التي انتهى بها في آخر صفحة له إذ يقول : " ومهما يكن من أمر تلك المشاكل، يظل الأفق مفتوحا، والإمكانات متاحة، والرغبة حقيقية، والاستعداد وافر، والأحلام ممكنة. فهل ثمة ما تبقى سوى الإرادة؟ "

• وتأسيسا على ما سبق فنسبة للسيناريوهات التي يفترضها التقرير ( الاستمرارية ـ النهوض ـ الاحتواء ) يتبين بجلاء أن رغبة كتّاب التقرير - برغم وضوح أنه تفريغ لمباحث ومشاريع بحثية متباينة ومختلفة المنطلقات – هي الوصول لتلك النهاية السعيدة والمبشرة، وهو ما توحي به أيضا العنونة العاطفية، التي يمكن ملاحظتها في العنوان نفسه "ليبيا 2025 - رؤية استشرافية ".

• المدخل – الآن – لغير "علاج الأزمة والنقاهة منها" هو ترف محض، فإذا كنا لا نضمن العلاج ولا يمكننا بفعل العوامل السياسية والأمنية، وضع برنامج علاجي محدد وقادرين على الالتزام به، فكيف يمكن الحديث عن حال المريض بعد الشفاء؟.

• أي أهداف غير إزالة الركام وبداية لأسس جديدة لثقافة وتفاصيل وجود إنساني ودولة، عاشا تدميرا ممنهجا، مثلما ما مر في ليبيا، هو مجرد أماني عسلية أو خداع !!. وفي الحالتين سيساهم في تأجيل النظر الصحي للأزمة.

• لست هنا للكتابة ضد النظام السياسي، وحالة الدولة أو المؤسسات. أنا فقط اكتب عن التقرير ذاته، ويبدو لي أنه تتويج معبر جدا، عن التدمير الشامل الذي تعرضت له البلاد. ومناقشة 122 صفحة، أمر مستحيل في مقال صحفي، لكن تصور أن الرؤى بهذه الطريقة، هو أمر لا ينبغي التعويل عليه بجدية.

• فلا يمكن أن تكون هذه العبارات الشعرية والاصطفافات اللغوية المنمقة دليلا لرؤية مستقبلية، ثمة خطأ يبدو أنه استشرى، بشكل عميق للغاية!!، فهل يمكن أن يعرض هذا التقرير على أي جامعة عربية – ناهيك عن غربية– وتعتمده تقريرا رصينا ومرجعا للدراسة حول ليبيا. والأماني لا تصنع التاريخ.

abusleem@gmail.com
________________________________________________

- في نقاش سابق عن هذه الأمور تبرّم صديق مني، وقال لي ولماذا لا تكتب أنت ؟
فذكرت له حكاية ذلك "الشايب المجبري في جالو" خلال الحرب الليبية المصرية، إذ قام الجيش الليبي بتوزيع أسلحة خفيفة "كلاشنكوف"على السكان، ووصل عجوزنا للسيارة "اللاندروفر" وعندما منحوه السلاح وأرادوا توقيعه سألهم ما هذا؟ : فأجابه سلاحك ياحاج !!.
- وشنو بندير بيه؟ - تحارب به العدو لو وصل لجالو - وانتم وين؟ - نحنا يومها متنا قتلنا العدو كلنا!!.
- والله ياباتي العدو اللي وصل لعند جالو، وقتّلكم كلكم من الحدود لعند هن، ما ترده بندقتك هذه اللي بتعطيها لي، خذو سلاحكم مالي فيه شي غرض.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home