Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Saturday, 26 May, 2007

       
       
       

حكاوي ليبية (7)

الحاج عـلي


طارق القزيري

إهداء : إلى كل الحجاج والحاجّات ... حفظهم الله!!

1

لولا "الحاج علي" لما أختلف شارعنا، عن الشوارع الآخرى، تزوج "الحاج علي" القضية، وأهتم فقط بالشارع وأحواله، فتزوج شارعنا لفترة قضية عزوبيته، وأقترحنا عليه العديدات، وحاولت العجائز، تمرير عوانسهن "للحاج علي" في صفقة مصاهرة، وبعد فترة أدرك اليأس الشارع، لم يسترزق " الحاج علي" خليلة، فلم يرزقه الله الولد، وحتى وإن ظل عازبا، فقد تمتع طويلا بالاحترام والتقدير.

2

تعودنا على زوار الشارع جميعا، وهم يسهبون في مدحه، كل بحسبه:
- والله شارعكم جوه سمح ...
- شارع مليح هلبة ..
- شارع باهي ياسّي ...
ما سر الجو والملاحة والبهاء ؟؟. سكان الشارع أنفسهم، لم يخطر ببالهم التفكير في ذلك، بل ربما لم يشعروا باختلافهم عن الآخرين، وحده "الحاج علي" كان يذكرهم على الدوام بأنهم "شارع الله في أرضه".
لكن شارعنا عامل "الحاج علي" دائما، على أنه شيء مختلف، ولذلك ظلت كلماته تؤخذ بنوع من الانبهار المخلوط بالمرح، فبقي سكان شارعنا – للأسف - يشعرون أنهم كالآخرين !!.

3

ثمة في الشوارع الاخرى من كان يرى أن جسد المراة عورة، ومنهم من رأى أن وجهها عورة، ومنهم من قال أن صوتهن عورة، وفي شارعنا كان مجرد اسم المرأة عورة، وبرغم ذلك، ظل الحاج علي استثناء، وظل سكان الشارع يفاخرون بإستضافة الحاج علي، في بيوتهم، ووسط عوائلهم، ومنهم من كان يخرج ويتركه خلفه، ومنهم من عاد فوجده في بيته، فلم يزده ذلك إلا انبساطا.
كان يكفي ان يتكلم "الحاج" فقط، ليصير كلامه حكمة، تهتز لها الرؤوس طويلا إلى أعلى واسفل، أو طرفة يقهقه منها الجميع، ويقول العقلاء بعدها ماسحين دموعهم: الله يهديك ياحاج حتى أنت .. منين اتجيب فيه هالكلام؟.
عندما حاول البعض تقليد "الحاج علي" لم يفشلوا فقط، بل أن أحدهم لم يتوقف حتى أطلقوا عليه لقب "الحاج السامط"، ومن يومها لم يستطع أن يتحدث، ناهيك عن أن يستظرف.

4

حتى كلمات الحاج علي، لم تكن كالكلمات، أحبها الناس، كما يحبونه، و كان لديه من غريب الكلمات الكثير، في البداية قال بعض الخبثاء: أنه كان يخطئ في نطقها، ويستمر وكأنه أرادها مثل ما سمعها الناس. لكن هذا لم يغير من الأمر شيئا.

ذات مرة شاهد طفل يتهادى، و يتعثر بين أمه واخته، في الشارع، فضحك قائلا :
" ريت بالله وهو يطعبز" ... ضحك الحاضرون، وكادت أم الطفل أن تقع من الفرحة، بعد أن داعب "الحاج علي" ابنها على الملأ ...
وانتشرت الكلمة، وتبادلها الناس كل حسب مايريد، فكلمات الحاج حمّالة ذات أوجه، قال الشباب: "أنعدوا انطّعبزوا في السوق شوية".
وقالت عجوز تنصح شابة هجرها زوجها : "أطّعبزيلا شوي يا بنيّتي .. راه الرجالة ايحبوا التطعبيز يا حنًة". وقال أحدهم وهو يشاهد نشرة أخبار التاسعة، بعد أن ضج بالمذيع، وكأن نهاية العالم فور تمام النشرة : " خيرا يطّعبز اتقول ضاربه جن ؟؟".

ومع هذا فيحدث ان لايوافق سكان الشارع " الحاج علي" فمثلا أعتاد " الحاج علي " مخالفة " التفعيلات المعهودة" فيجمع كل شي على وزن : أفعلة" .... فالولد مجموعه أولده ، والكبش أكبشه ، والجامع أجمعه ... وهكذا.
لكن سكان الشارع لسبب ما، تمسكوا بالتفعيلات الشائعة، وأكتفوا بمنحه ابتسامة عريضة، كانت أشبه بوشاية عن كفاءة أطباء الاسنان في شارعنا.

5

في يوم خميس بعد صلاة العصر وأمام الجامع، قال الكبار: "البقاء والدوام لله" وقال الشباب : "خسارة الحويج، والله كان جوه سمح" وأطلقت النساء عويلهن، في جنبات الشارع الاربعة، وتبرع الناس بنصب الخيام، وزحف أهالي الشوارع الآخرى على شارعنا، لتقديم واجب العزاء. .... وأرتبك الجميع : من سيتلقى العزاء ؟ فأتفقوا على أن يكون في الصف، المقدم من كل عائلة.
ولأول مرة يشهد الناس عزاء ضاحك، فكلما نظر أحدنا لمن بجواره، أو أمامه، تذكر موقفا "للحاج علي"، فيضحكوا وإن تذكر كل واحد موقفا مختلفا، فيضحك من في الجوار، وتغض الخيمة بالضحك، وإذا أعاد أحد ما، شي من ماثورات الراحل، على المسامع، خشع الجميع، متفكرين في حكمة المرحوم البالغة .

حتى "الحاج السامط" كان مسليا أيام العزاء، فلأول مرة، يتحلق الناس حوله، وهو يروي مواقفا، زعم حضورها مع (الحاج علي الله يرحمه ويسامحه)، فأنتهز الفرصة ولم ينم طيلة أيام العزاء، وهو يسرد الذكريات.

ومنذ ذلك العزاء، كتب لشارعنا حياة مختلفة، فصرنا كلنا حكماء، نلقي بالمأثورات تباعا، ونحتنا الكلمات الجديدة، الصعبة والسهلة : وأبدعنا كلمات كـ ( الزفاريق، والعطاطيس، والشلازحيب، ...الخ)، وتركنا التفعيلات المعهودة، وأخترعنا من التفاعيل ما نريد، متى نريد.

كل واحد منا أصبح "حاج علي" ولم يعد أحد منا ولا من سكان الشوارع الأخرى، يذكر اسم شارعنا السابق ، وصار شارعنا يسمى " شارع الحجّاج".

abusleem@gmail.com


       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home