Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Saturday, 26 April, 2007

       
       
       

حكاوي ليبية (10)

اسلومة


طارق القزيري

إهداء لكل من جلب عصا يوما .. أو سيجلبها

(1)

- عدّي جيب العصا يا فرخ !!!
بدون أن يسمّي أحدا، تهبط عينا أستاذ عوض على المكلف بالمهمة فيجد نفسه خارج الفصل بلا وعي منه. ولم نكن لنشغل أنفسنا بهوية من يتم إرساله لجلب العصا، فخوف العقاب وحده ما كان يملأ جوانحنا، وهوية من يجلبها لن تعني شيئا على كل حال .... أو هكذا خيل لنا !!!.

في سادسة (ج) بمدرسة الاستقلال بإجدابيا، لم يكن أستاذ "عوض" مجرد مدرس كالآخرين، تستطيع القول أنه "المدرس – الوالد" فهو يتابعنا حتى في بيوتنا ويتفقد سائر أمورنا مثل كيف نتعامل مع ذوينا والآخرين ؟ ومتى ومع من نلعب في الشارع ؟. أستاذ عوض في الحقيقة كان كابوسا بالنسبة لنا، ونعمة لأولياء الأمور يحسدون عليها، وقد تخلصوا من عبء المتابعة لأولادهم أو على الأقل وطأة الواجب الأخلاقي لذلك.

وفي صبيحة "يوم أثنين" أدركنا ماذا يعني أن يكون " اسلومة" هو من يجلب العصا لأستاذ عوض !! ولابد أن أخبركم عن (اسلومة) – ما قبل العصا – وقد صار هناك تاريخين لهذا التلميذ، فقبل ذلك "الاثنين" لم يكن ذلك الولد صاحب "العين الطافية" مميزا بشيء، سوى بعينه !!.

(2)

أتذكر طول جلساتنا ونحن نتحداه أن يغلق عينه السليمة، ويخبرنا عن عدد الأصابع المنشورة أمامه، ورغم نجاحه الدائم أستمر البعض يناديه بـ " العَور". حتى نبيل المصري " الخلوق والمتدين" أعتاد أن يصيح كلما اختلف معه " بصو الولد أبوعين بيئول ايه" ؟؟.

أما – ما بعد العصا – فقد اختلف الأمر كليا، فقدرة " اسلومة" على اختيار العصا ظلت مثار جدل خفي بيننا، لكنها كذلك بثت فينا الرعب، فلم يكن ليجلب عصا عادية، واختياراته كانت مؤلمة لدرجة لا تصدق، فكان يجلب الرقيقة، أو الصلبة، أو الثقيلة. "أستاذ عوض نفسه" استطاع أن يلحظ مدى قدرة "مبعوثه وقد صار دائما"، على تحقيق المطلوب ونوافله.

وتدريجيا أنتقل الإهتمام من مداهنة أستاذ عوض إلى التزلف ومداهنة "اسلومة"، فأسامة الفلسطيني مثلا، كنا نلقبه "حالف" – وهو أول من وظّف الدين في الفطور - لأنه بمجرد خروجه للفناء يصيح بأعلى صوته وهو يرفع إفطاره، ليمنع الفتوات عن سندوتشاته اللذيذة : " حالف .. حالف "، وإذا اقترب أحدهم منه، فيسبل عينيه مذكرا إياه بحرمة طعامه عليه : " والله حلفت". وهي كلمة تبعث الخوف في نفوس " الأشرار" فيتراجعون فورا، ولطالما هددوه بلا فائدة : والله تحلف بكرة نهارك أسود".

أسامة ظل يحلف يوميا لكنه غير الصيغة قليلا، وهو ينظر لـ "اسلومة" من طرف خفي ويتعمد أن يسمعه : "حالف إلا واحد".

نبيل المصري – شيخ الفصل - لم يتوقف عن تذكيرنا بعين "اسلومة" ولكن بطريقة مخالفة لما سبق، فعندما يحتدم نقاش كان يقول "وراس عين اسلومة ... " فلا نستطيع إلا تصديقه على الفور.

شخصيا كنت أقوم برشوته بأشرطة فيديو للدوري الانجليزي التي يواظب على إحضارها أصدقاء والدي في شركة الخطوط من بريطانيا، وأصبح اسلومة أفضل من يعرف أهداف كيفن كيقن وأيامه. أما المقتدرين ماديا وأبناء التجار فكانوا يشترون له الإفطار من المقصف، وكان يمانع بشدة كل يوم، ثم يرضخ لإلحاح المضيف ... كل يوم.

ورغم كل هذا الاحترام والتزلف "وطياح القدر" لم يكن " اسلومة" ليهتم بنا ساعة العقاب، بل صار يعرض خدماته مباشرة، وكلما أحس بالأجواء تتلبد يرفع يده ويقول " أنجيب العصا يا أستاذ ؟؟".

.... استمر " اسلومة" يبتدع أساليبا جديدة لمهمته - شرعية و غير شرعية - فالعديد شاهدوه وهو يقفز من "سور مدرسة الاستقلال" لجلب عصا من بيت مجاور تحت الإنشاء، وقيل أن لديه مخبأ يدخر فيه كل ما يصادفه من عصي تعجبه. وما كان يبعث فينا الغيظ أكثر، هو ذلك البريق في عيني " اسلومة" كلما أحضر العصا، فينزوي في مقعده، وهو ينظر بتلذذ ظاهر، طافحة أهاليله بالسعادة، وإذا حدث وعفا "أستاذ عوض" عن أحدنا تغير لون وجهه وامتقع، والغريب أنه كان يتفادى العقوبات بمهارة عجائيبية، فلا أذكر انه تعرض للعقاب منذ ذلك الاثنين.

(3)

كنت خارجا من كلية الآداب بمصراته، فسمعت أحدهم يناديني، والتفتّ لأشاهد يدا ممدودة نحوي، وقد انبسطت أسارير صاحبها وكأنه يعرفني !!. وعندما لاحظ استغرابي وردودي المقتضبة والمتكلفة، أخبرني أنه هو " اسلومة" : "سالم يارا اللي زمان نقرا معاكم في اجدابيا !!، نسيتني يا راجل؟؟".... تأملته ببطء واستقر تفرسي على عينه اليسرى ..... بالفعل إنه هو نفسه " اسلومة"!!.

تصافحنا مجددا، وتعانقنا. جلبت لي تلك اللحظات كل الماضي وسنواتي الست في مدرسة الاستقلال، وعادت بي ذاكرتي عبر لهجته الإجدابية المميزة، لمرابع الصبا، ومغامراته.

أصر "اسلومة" على أن أعفيه من الغداء اليوم، ووعد أنه سيلبي ذلك في اقرب فرصة، واخبرني انه يعمل هنا في مصراته، وانه تقدم للحصول على الماجستير في القانون في نفس المدينة. ومع هذا ظللت مستغربا كيف أمكن له التعرف عليّ ؟.

سألته أين يعمل في مصراته ؟ أشار إلى شيء ما خلفي، ألتفت إلى حيث ذلك المبنى الأبيض خلف شركة البريد، ولم أحتج سوى لبرهة لأعرف كيف تعرّف عليّ "اسلومة" !!.

تخرج اسلومة من كلية الشرطة، وصار ضابطا في "المبنى الأبيض" خلف شركة البريد ... نظرت للمبنى البعيد من خلفي، ورأيت طيف "أستاذ عوض " يحوم فوقه أو لعلها روحه، وقد غادر الدنيا .. وقد جال بخاطري - وأنا أتذكر سادسة (ج) مع تفاصيل استجوابات تعرضت لها في المبنى الأبيض- حقيقة أنه الأكثر مناسبة له على الإطلاق.

صافحت "اسلومة" مودعا، وكياني كله يردد " الله يسامحك يا أستاذ عوض .. الله يسامحك !!".

abusleem@gmail.com


       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home