Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Monday, 24 September, 2007

الانـتشار المُوجع : تهديد إضافي لحقوق الإنسان

طارق القزيري

تأطير :

بعد الطلاق البائن بين السلفية التقليدية والسلفية الجهادية " القاعدة وأجنحتها" لم تكن براءة السلفية المدعوة بـ " المعتدلة" من القاعدة إلا دليل أضافي على أن القاعدة قد نسفت الجسور بينها وبين الظاهرة الإسلامية المعاصرة بالإطلاق، وتلك البراءة التي تجلت أخيرا على لسان احد المرجعيات الدينية السعودية، هي ما ظهر على سطحِ ظل النقد المرير للقاعدة يموج تحت طويلا، لكنه جلاء بدأ متأخرا للغاية، وقد تغوّلت القاعدة، وصار عدم مبالاتها لا لبس فيها تجاه ما كانت تدخر له اعتبارا.

القاعدة صارت بفعل الدوافع التي غذت مسيرتها، والتغييرات التي أحدثتها على أجندة من أرتبط معها، والنتائج السارية مما أقدمت عليه، حركة تحوز على المواصفات القياسية للحركات الفاشية كما عرفها تاريخ البشر قديما وحديثا.

محـددات :

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بدا أن الجهاديين لم يتوقعوا هجوما أمريكيا وانتشارا مخابراتيا وميدانيا لقوات البنتاغون كالذي حدث، لكنهم لاحقا صرحوا والتزموا بإستراتيجية بسيطة أثبتت الأيام أنها موجعة بقدر ما هي قادرة على الصمود والتوسع، ولكن الأطراف إذ قررت أن تختزل الخير والشر في معادلة "معي أو ضدنا"، فقد مهدت لجعل الصراع أحد أحلك مراحل تدهور حقوق الإنسان في التاريخ.

إستراتيجية القاعدة "الانتشار الموجع" تتلخص في التوسيع الجغرافي للصراع، بما يستدعي زيادة انتشار خصمهم "الأمريكي" وإحداث أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والمعنوية، بما يتزامن مع استغلال التقنية والمعلوماتية لفتح منافذ "جهادية نوعية" تخلق شرخا في الرأي العام ضد السياسات المعادية "للإرهاب"، وفي إستراتيجية مثل هذه، يتم التعويل على العمليات النوعية، ذات الصيت الإعلامي والدعائي، ومن هنا تكتسب أشرطة وأحاديث قادة القاعدة المسربة بصفة دورية، أهميتها، كعنصر أساسي في هكذا إستراتيجية.

ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تلجأ القاعدة، للتخلي عن الضبط المركزي لأجنحتها، لتصبح حركة تستند على عقيدة قتالية عامة، بدلا من التسيير المنضبط من قيادة معينة ومركزية، لتترك القيادات المحلية تختار ما يناسبها، ولتستثمر هي ذلك لخدمة استراتيجيتها العامة " الانتشار الموجع".

تجـليات :

بعد 5 سنوات من "غزوة نيويورك" أعلن عن قيام تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في 11-09-2006، لكن هذا الإعلان كان لابد أن يتضمن أمورا بدهية كما كل الجماعات المحلية المنضوية تحت لواء تنظيم القاعدة :

1- تغيير الأجندة الحركية : فبدلا من هدف إقامة دولة الإسلام وتطبيق الشريعة، فإن الهدف سيكون الحرب ضد "الشياطين الكبرى"، فتغير موضع الأنظمة الحاكمة المستهدفة سابقا من المركز للهامش في سياق الفعاليات الجهادية لنفس الجماعات المحلية وفق الأجندة الجديدة.

2- تغيير الأجندة يستدعي-هو كذلك- تغييرا في الجانب التعبوي والدعائي، فمبررات الحرب الأولى ليست كالثانية، بما يعني أن الحرب خارج "الوطن" ليست لأجل العودة لتطهير الديار، بل باتت هدفا لذاته، فالعدو المركزي يفرض بحكم تواجده مكان المعركة، و لأن العدو عابر للحدود، فالمعركة كذلك، ولآن أسلحة العدو تقنية وأعلام داعمة للذخيرة، فالأمر(هو- هو) لدى القاعدة.

3- والجانب التعبوي سيضمن بدوره مهمة استيعاب طبيعة ونوعية المستهدفين، فطالما كان هدف القاعدة أساسا الإيلام وإلحاق النكاية - لعدم إمكانية تصور قدرتها على إفناء خصمها - فإن كثرة الضحايا من أي جانب سيلام عليه الأقوى، وهو ما يجعل استهداف المدنيين أمرا عاديا جدا ومبررا، طالما أن الرأي العام سينظر إليهم كضحايا للحرب على الإرهاب، وليس ضحايا الإرهاب نفسه .... فقط.

دوافـع :

نشاط القاعدة وتزايد فعالياتها ليس خارجا عن الفهم، وإن كانت زوايا النظر له تختلف بحسب الناظر ونرى أن أهم الأسباب المؤدية لذلك تكمن في:

1- فشل المشاريع الوطنية للتوافق الاجتماعي، وانهيار شعارات المساواة الاجتماعية التي توجت ظهور الدول الوطنية " فشل مشروع الدول الوطنية لما بعد حقبة الاستعمار"، عبر انهيار المنظومة التنموية، وشراهة عقلية الانفتاح المرتبطة بالغزو الداخلي من قبل المافيا الرسمية، والاحتكارات الخارجية.

2- شيوع الانتهاك الرسمي "من الحكومات" لحقوق الإنسان وضمور المؤسسات الديمقراطية وتلاشي دولة القانون.

3- عدم تبلور مشروع إسلامي بديل للقاعدة، وقادر على تقديم إجابات كافية عن الاستحقاقات لتي تواجه الوعي الشعبي، فبغض النظر عن المنع الخارجي أو القصور الذاتي في المشروع الإسلامي السياسي " السلمي"، فهو أبعد ما يكون عن كونه بديل مقنع، أو سد مانع للتوغل "القاعدي " ضمن النسيج المجتمعي والشاب منه بالذات، بل إن الإسلام السياسي السلمي، راهن على نفس مقولات القاعدة وخطابها، لمداهنة الثقل الشعبي، بدل من قيادة خطاب أكثر موضوعية وعلمية.

4- اختزال صورة الغرب في "الغازي - المحتل" بفعل الشعور بالإهانة والضعف والهزيمة أمام آلة الغرب العسكرية، دون وجود أي أمل في رد اعتبار بشكل رسمي وضمن إطار أنظمة الحكم السائدة، وجثامة منظر الآلة العسكرية على "أرض الإسلام" تحت شعار " الحرب على الإرهاب".

5- النجاح الإعلامي والدعائي للقاعدة في إبراز "انتصاراتها" وانكسارات خصمها، وقدرتها على منع خسائرها من الانكشاف، وتعويضها بسرعة، ونجاحها في حماية رموزها الملهمين.

6- الفشل الإستخباراتي في تحقيق اختراقات هامة ونوعية في صفوف القاعدة، كالتي فعلتها الأنظمة الحاكمة إبّان الثمانينات والتسعينات بصفوف الحركات الإسلامية المسلحة آنذاك.

7- الفشل في السيطرة على مسارات الدعم اللوجستي وشبكات التمويل، وقدرة القاعدة على تنويع هذه المسارات في مناطق يصعب بحكم الطبيعة، ضبطها، مثل منطقة جنوب الصحراء بأفريقيا، أو الحدود الباكستانية – الأفغانية.

8- الصراعات الإقليمية، وتعارض مصالح الدول في المناطق المشمولة بالحرب على الإرهاب، مكّن القاعدة من اللعب على حبل التوازنات الإقليمية والفراغات الأمنية الناجمة عن ذلك، لاكتساب وانتشار بنية دعم وإمداد حيوي.

نتـائج :

- أثمر التمديد الجغرافي للنشاط القاعدي المسلح، زيادة فائقة في عدد الضحايا المدنيين، وبالذات من الفئات السلبية " العجزة والمسنين والنساء والأطفال".

- تقديم مبررات "إضافية" للديكتاتوريات الراسخة بالمنطقة، لإيقاف أجندات التمدين السياسي والاجتماعي، ووقف مظاهر العسكرة المجتمعية، وحالات الطوارئ المعلن والمستتر، وهيمنة الأمني على ما عداه.

- إعاقة مجهود التنمية، بوقف إمكانية تطوير رأس مال محلي، وبورجوازية وطنية، على أسس شرعية وشفافة، تحت ذريعة مخاوف التمويل المشبوه وتبييض الأموال، مما ينجم عنه ضرورة تفاقم أزمات البطالة، وتعزيز الارتباط السلبي بالاقتصاد العالمي، ومنافذه الاحتكارية، ومزيد سحق للطبقات الهامشية.

- توسيع مبررات ودوافع الهجرة " النوعية والكمية"، مما يعني المزيد من الخواء العلمي والتقني والمهاري، من جهة أخرى زيادة أزمات المجتمعات الغربية، بالضغط على عاملي الأمن والاقتصاد في عمق مجتمعاتها، وإتاحة الفرصة للراديكاليات والتطرف لتعزيز مواقعه داخل تلك المجتمعات كرد فعل طبيعي، وتخوف من التواصل بين الإرهاب عبر البحار، وهو الأمر الذي يعني ببساطة تراجع المكسب الإنساني الأهم في التجربة الغربية، حيث مفاهيم التعددية والاختلاف، وهكذا وصولا لسقوط المثال بدلا من تطويره و الإسهام فيه.

تستغل القاعدة وجودها الهلامي، وغير المحدد وشيوع إيديولوجيتها لتكون في كل مكان، كما أن خلفيتها السلفية، الخالية عن أي برنامج وأفق سياسي محتمل، يجعل إستراتيجيتها " الانتشار الموجع" موجعة للشعوب التي زعمت أنها تصدر عنها وتثأر لها، بل حتى الوجع التي ستسببه لمن تراهم خصوما ستدفع الشعوب المسلمة ثمنه، وبشكل يتجلى به الوجع في أفدح مظاهره، وكما نشاهد اليوم تماما.

Abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home