Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


طارق القزيري

الخميس 24 يوليو 2008

طريد السلطتين : الوزير الفلسطيني المستقيل إبراهيم أبراش .. (*)

طارق القزيري

ربما تكون "الخيانة" هي وصف المثقف المحتوم في العالم العربي، فالثوابت التي ينصبها أصحاب السلطة، لا تغشاها الشكوك بالنسبة لهم، وكل ما على الجميع هو مقاربتها بأفضل ما لديهم من فروض الطاعة، وإذا حاول المثقف لعب دوره في المعارضة وفق رؤيته، فلا مناص من أن يرحل وحيدا مطاردا، وهذا ما يبدو أنه كان من نصيب د. إبراهيم أبراش عميد كلية الآداب بغزة، الذي دأب على انتقاد السلطة الفلسطينية متمتعا بمدح المعارضة، وعندما صارت المعارضة سلطة، لم تقبل منه ما امتدحته فيه من قبل، وكان قبوله للمنصب الوزاري دليلاً على أن المثقف نفسه قد ينخرط في اللعبة ويدرك انه أستعجل وأن التيار اقوي من جهد من يسبح ضده، ناقشنا الدكتور أبراش مطولا وكان النتاج هذا الحوار ..... بين النسبي والمطلق

لا يعتبر د. أبراش نفسه وهو الأكاديمي لمدة 30 عاما قد تخلى عن دور المثقف لمجرد شغله منصباً وزارياً، ويقول "لا يعني هذا أنني خرجت من مجال الثقافة والفكر، فأنا كتبت أكثر من مقال وشاركت بأكثر من ندوة فكرية وأنا وزير حتى أنني عارضت "مؤتمر أنا بولس" وحذرت من أخطاره وطالبت بوقف المفاوضات العبثية الجارية، وفسر البعض الأمر وكأنني أُسقط الشرعية عن حكومة الدكتور فياض.

ويؤكد انه لا يزال "منهمكا ومتورطا بعالم الثقافة والفكر والبحث عن الحقيقة بمفهومها النسبي ففي السياسة لا حقائق مطلقة، والحقيقة لا ترضي هواة السياسة والمتسلطين على رقابنا باسم شرعيات موهومة ومأزومة " .

وحول موقف المثقفين عموما من السلطة يقول "إن هناك من يقبل العمل ضمن مظلة السلطة السياسية ورؤيتها ويقبلون بهذا الدور تحت شعار المصلحة الوطنية. "فيما يرى هو أن "ليس أمام رجال الفكر إلا الاستمرار بركوب صهوة الحقيقة والفكر وان يدفعوا ثمن الالتزام بالمبادئ حتى وإن كان ثمنا باهظا، وهو باهظ لأنه قد تتحالف عليهم كل الطبقة السياسية من سلطة ومعارضة (مع التباس مفاهيم السلطة والمعارضة في الساحة الفلسطينية) التي ترى بأصحاب الفكر الحر عدوا مشتركا لها. "

يرى د.أبراش أن هناك دوما فجوة ما بين الفكر والواقع ، ويقول "ظهور علم الاجتماع السياسي هو اعتراف بفشل طموح علماء وعلم السياسة التقليدي والذي كان يطمح لوضع نظريات سياسية تتسم بالعموم وقابلة للتطبيق على كل المجتمعات". وينتقد سياسات التعليم في الجامعات العربية من حيث ان "النظريات السياسية في الجامعات العربية هي نظريات غربية -وفي وقت ما وبالنسبة لبعض الدول كانت شرقية- وضعت كاستجابة لواقع سياسي/اجتماعي مختلف، وتعبر عن خصوصياته، ونزع نظريات أو أيديولوجيات من سياقها والتاريخي وفرضها على سياقات وأوضاع مغايرة دون تبيئة، تفرز نتيجة سلبية، كما هو الحال مع الليبرالية والاشتراكية والديمقراطية ونظرات التنمية الخ."

حكومة فياض : المؤقت الدائم

يرى أبراش أن خوفه من منهج حماس الانقلابي الذي اقلق العديدين كما يقول دفعه للقبول بالوزارة في حكومة فياض، باعتبارها حكومة قصيرة العمر، لتنتهي ما أسماه بالحالة الانقلابية، لكنه يرى قبوله بالوزارة كان متسرعا، ومع هذا فيقول أن صوته كان يعبر عنه شخصيا وعن أرائه ويوضح "وأنا وزير عارضت مؤتمر أنابولس وحذرت من أخطاره وطالبت بوقف المفاوضات العبثية الجارية، وقلت بان الحكومة الشرعية الوحيدة هي حكومة المشروع الوطني"

ويضيف " تتصرف حكومة فياض دون رؤية ودون إستراتيجية عمل وطني ودون مشروع وطني، وبالرغم من كونها حكومة تسيير أعمال فقد كانت تتدخل بقضايا سياسية خطيرة وتصدر قرارات مصيرية دون توفر جهات اختصاصية ورقابية لدراسة ومراقبة هذه القرارات، وفي حالات كثيرة كنت وحيدا في مجلس الوزراء عند مناقشة قضايا مصيرية، وكان لرئيس الوزراء قدرة على تسيير الوزراء حسب ما يريد وتمرير القرارات التي يريد، حيث كانت ترفع مباشرة للرئيس للتصديق عليها. وكان النتيجة بحسب د. ابراش "مما دفع البعض للتحريض عليَّ عند الرئيس ورئيس الوزراء حيث فسروا الأمر وكأنني أُسقط الشرعية عن حكومة الدكتور فياض".

ولكن "يبدو أن الدكتور فياض نقسه شعر بالمأزق الذي تعيشه حكومته وفقدانها للشعبية حيث طالب بتشكيل حكومة مؤقتة تهيئ لانتخابات عامة ومصالحة وطنية، وإن كنت أخشى أن المصالحة الوطنية ما زالت بعيدة المنال."

ويلاحظ أنه "لا يُعقل أن يجلس مفاوضو المنظمة على طاولة المفاوضات مع إسرائيل لمدة خمسة عشرة سنة بدون طائل ولا يستطيعون الجلوس مع حماس في حوار يمكن أن يستمر أيام أو أشهر؟! ولماذا حماس مستعدة بعد أن تخلت عن المقاومة وأقرت بان الصواريخ لبست فقط عبثية بل قاطعة طريق، بتعايش وجوار سلمي مع إسرائيل قد يطول لسنوات ولا تستطيع التراجع بعض الشيء للمصلحة الوطنية وتجلس على طاولة الحوار مع الرئيس المنتخب والشرعي للشعب الفلسطيني ولكنه يرى أنه في الحالة الفلسطينية "لا يمكن تطبيق أي من النظريات السياسية المعروفة دوليا إلا النظريات التي تصف وتحلل الاستعمار وحق الشعوب بتقرير مصيرها"، واصفاً تلك الحالة بـ "ديمقراطية خارج السياق".

غير مرغوب به.. هنا وهناك

عقب استقالته قال د. ابراش أن "البعض في حكومة فياض وفي حركة فتح أعاق عودته للعمل الجامعي، وحتى اليوم لم تصرف التعويضات التي ينص عليها القانون للوزراء بعد خروجهم من الحكومة، فمنذ شهر مارس لم أتلق أي راتب". ولكنه تلقى تهديدا من أحد قادة حماس "عندما قلت بعد استقالتي إنني سأعود لغزة حيث نصحني مشكورا بالبحث عن بلد آخر غير غزة للعيش فيه! وقد تحول التهديد للتنفيذ فقبل أيام اقتحم رجال داخلية حكومة حماس منزلي وقامت بتفتيشه ثم مصادرة جهازي كمبيوتر شخصيين وكل ملحقاتهم وهددوني بالاعتقال.

وحول اقتحام بيته يقول "أعتقد أن المقال الذي ورد فيه أن التهدئة الحالية ليست سوى خطوة في مشروع مسبق من قبل من جهة، وبوابة مرحلة جديدة، وليست مجرد مرحلة تكتيكية كان هو السبب في تعرض بيتي للاستباحة من أجهزة حكومة حماس ومصادرتها لجهازي كمبيوتر وكل ملحقاتهم والتي بها كل أبحاثي وكتاباتي طوال ربع قرن."

ويرفض أبراش حديث حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عن مشروع وطني "وتباكيها عليه، مشددا أن عليها أن "تقول لنا إن كانت تملك مشروعا وطنيا أم لها مشروعها الإسلامي الخاص بها؟. عندما كنت انتقد السلطة آنذاك كنت اسمع كلمات المديح من حركة حماس وقوى المعارضة، ولكن عندما أصبحت حركة حماس سلطة وحكومة عن طريق الانتخابات ثم حكومة جاءت بعد مواجهات دموية مع خصومها السياسيين، لا يمكنني أو أي شخص آخر إلا أن يتعامل معها كسلطة وحكومة،اللهم إلا إذا صدقنا بأنها حكومة ربانية والحكومات الربانية لا تنتقد !."

ويستذكر د. ابراش أنه قبل حكم حماس "كانت غالبية انتقاداتي منصبة على فساد السلطة وحالة الانفلات الأمني وعبثية المفاوضات، وهي انتقادات جلبت علي عداء قوى في السلطة وحركة فتح وتعرضت لكثير من العنت بسبب مواقفي، وأنا لا أنكر أنني منتم لفتح منذ ثلاثين سنة، وبعد ما حدث منذ انتخابات يناير 2006، والتي صيرت حماس حكومة، لا يمكن إلا تحميل حركة حماس المسؤولية أو جزءا منها، ولكن المشكلة أن حركة حماس لا تقبل الرأي المخالف، وعموما فإن "حركات الإسلام السياسي لم تحسن التصرف وكانت سببا في إرباك الحالة السياسية العربية والإسلامية، وهذا ليس موقفا من الإسلام ولكن من أحزاب سياسية توظف الدين من اجل السلطة."

حاوره : طارق القزيري
abusleem@gmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا الحوار بموقع إذاعة هولندا العالمية بتاريخ 23-07-2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home