Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

الأحد 24 مايو 2009

المهاتما جهمي : وداعا

طارق القزيري

( أنا ميت الآن ..
لكنني حي، طالما بقي نداء الحرية في بلادي،
سيموت الطاغية ألف مرة، كلما علا صوتكم بالحرية )
                       من صفحة أصدقاء الجهمي ـ فيس بوك

(1)

من السهل أن يركب المرء مطية الشعارات عن ليبيا التي تنجب الأبطال، وليبيا التي فعلت وأظهرت واخفت، لكن قراءة أكثر تأملا، في واقعة فتحي الجهمي، ستكشف لنا أن لحظته، فرصة ضائعة بشكل مريع للغاية، وستكلف – على الأرجح – لتعويضها زمنا طويلا، لن يملؤه التغني بليبيا المسماة ولاّدة، والتي باتت ولادتها تتعسر يوما بعد آخر .... إن لم تصل سن اليأس.

(2)

• الجهمي لم يكن داعية عنف، ولم يمنح خصومه فرصة الاحتجاج عليه، بالتخابر مع الخارج، إلا من باب التلفيق. لذا اهتموا بكونه مجنونا، وانه غير ليبي. ولدرجة أنهم سلطوا عليه حتى دعاة حقوق الإنسان. وهو كذلك لم يكن ضمن حركة سرية أو تحت الأرض.
• والجهمي، لم يرفع شعارا سياسيا وبرنامجا مغايرا، بل اهتم بمطالبات محددة للغاية، وتهتم بالفساد، والإصلاح، ورد المظالم. الجهمي هو أب الإصلاح في ليبيا، وهو من تشهده مراسلاته، بمطالبه، قبل أي جهة أخرى، امتطت الموجة، أو اعتنقتها بإخلاص.
• والجهمي خرج من رحم المؤسسة القائمة واستعمل أدواتها، ليظهر فشلها، وعورتها، وهذا ما نجح فيه للغاية، وبشكل غير مسبوق.
• والجهمي لم يكن مؤطرا لا حركيا ولا إيديولوجيا، وبالتالي ليس محسوبا على أحد. ولا يثقل حركته، أو يفسر اتجاهه مصلحة، أو مناورة براغماتية.
• والجهمي بعودته من المهجر، ظل بعيدا عن التوازنات القبلية والاجتماعية، في بلد لا تمت ثقافته السياسية العامة، للحداثة بصلة. بما يمكن أن يجعله نقطة توازن مريحة للغاية، وشخصيات كهذه هي غالبا ما تكون انجح الفقرات في السلسلة للبناء عليها.
• والجهمي ولأسباب مختلفة، ظهر وكأنه شخصية معترف بها دوليا، كداعية حقوقي وديمقراطي، وقدم في صحف العالم والميديا بهذه الصفة فقط دون غيرها.
• والجهمي، بخطابه الواضح، وثبات مواقفه – قيل أنه كان يرفض لقاء أي شخصية يمكن أن تدعوه للتنازل - وحتى أسبوع وفاته، كما تقول المنظمات الدولية، أستمر يوضح للعالم أن مشكلته مع النظام الليبي، هي الحرية، .... حرية شعبه فقط.
• والجهمي خرج في وقت حسّاس للغاية، فمن جهة بدأ النظام يفك عزلته تدريجيا (2004)، ومن جهة أخرى، بدأت المعارضة السياسية الليبية تفقد أوراقها، وعلاقاتها الخارجية وزخمها، وتتفكك، بل تهتريء، مع تشكل نظام إقليمي مختلف، انتهت فيه المعادلة الجغرافية وتناقضاتها، التي دأبت المعارضة على استثمارها. وبالتالي فالجهمي – عمليا - شكل بديلا، أو مشروع بديل لمعارضة الخارج، ونقل الصراع للداخل ولأول مرة منذ أكثر من 30 عاما في ليبيا.

(3)

ومع هذا فلحظة الجهمي لم تكن لحظة تغيير على الإطلاق، بل كانت لحظة وعي، لم يكن بوسع الجهمي ولا غيره، مغالبة مرحلة تاريخية، قاهرة. لكنه بصلابة موقفه، وخاصة بعد موته يشكل، إمكانيات واعدة للتأسيس، بمخاض حرياتي، مطالبي جديد.

الجهمي، هو غاندي ليبيا، والفارق بينهما، هو الفارق بين الهند وليبيا، وزخم وحضارة الأولى، ومحدودية وهامشية الثانية، لم يكن لغاندي ان ينجح لولا الشعب الهندي، الذي واصلت نخبته وعمومه، تمديد الغاندية، حتى تم استثمارها في إطار جماعي عام ... وفريد.

أما نحن فطيلة سجن الجهمي، ظلت قضيته غير ذات صلة بالحراك في الداخل، والمعارضة في الخارج، وركب قطار الجهمي كثيرون، ونزلوا واحدا تلو الآخر، حتى وصل محطته الأخيرة وحده. وأعترض طريقه كثيرون، إما أنهم أدركهم التعب قبله، أو ثبت لهم انه لا يشكل لهم تهديدا، فصمتوا حتى يقضي الله فيه أمرا كان مفعولا...

وبعكس من يرون في الجهمي دليلا على خصب الحراك الليبي، فلا أرى فيه، إلا دليلا على نخبة مثقلة بعسر رؤيتها، ومعارضة كسيحة، بفقد خيالها وحسها التاريخي، ما يجعلها قادرة على امتشاق لحظة مثل هذه وتحويلها لتيار مطالبي، ولحظة توعوية نادرة.

(4)

إذا كانت الستارة قد أسدلت، على حياة فتحي الجهمي، كأول سجين سياسي ليبي، تمسك بكل هذه القوة بما يطرح، وقدم نفسه نقيضا قائما وصارخا، لنظام سياسي كامل، فإن علينا نحن من نجلس في صالة العرض، أن لا ننتظر أن تشعل الأضواء تلقائيا، فلم تكن الستارة، إلا منبها ليبحث كل منا عن ضوئه، و "كل قلب شمسه فيه".

(5)

كلك دون استثناء
لن احتمل أن تسرقك المرايا
وتصوغك اسما آخر للسراب
...
يا ضوء الأنين المهيأ للنشور
وأبدا فرحنا من منتصفه
لن تغذ نحوك الأصفاد ذلها
كأنك سفرنا القديم فوق ماء نطقنا الأول
سنجعل جرحك نشيدنا
ونطلق القصائد في اتجاههم
ونرفع حبك العلم ....
(للشاعر : صالح قادربوه)

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home