Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Friday, 24 March, 2005

المساعـيد ورسائل العـقيد(*)

طارق القزيري

يمكنك وبسهولة أن تتفهم طموح أي إعلامي للبروز والشهرة، وتقديم المثير والمميز، ويمكنك أن تستوعب غياب المعلومة الضرورية واللازمة وأحيانا غياب أي رغبة حقيقية في تحريها، كل ذلك مفهوما ومستوعبا، لذا لا ينبغي لنا أن نكثر الحديث حول كل كلمات الإطراء مفهومة الدافع من الإعلامية (نجاح المساعيد) لأحد كبار طغاة عصر العروبة ومشتقاته بعد نزيل المحابس الرفيق البعثي (اياه).

لكن طموح (المساعيد) يبدو أنه وافق رغبة ما لدى سيادة العقيد الذي قيل شعرا في برنامج (دانات على فضائية أبوظبي) أنه بنى بلدا وشيّد وطنا، وأعان شعبا، وأطلق هممه في الكون... الخ، نتمنى طبعا أن تحدث كل هذه الإنجازات ولذلك نتمنى كذلك أن يرحل المانع الأساسي لها، وهو سيادة الناقد في الشعر الشعبي والفصيح سيادة العقيد معمر القذافي، ضيف البرنامج المذكور أعلاه يوم الثلاثاء 21/03/2006.

حديث ناقدنا العقيد، كان محملا بالرسائل السياسية، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالشعر، فغياب أهم أركان الشعر الشعبي وأغراضه الغزل، وغياب أهم المناطق الليبية قرضا للشعر عن الحديث، وهي المنطقة الشرقية التي تخاصم العقيد منذ فترة، كاف لندرك الغاية من هذا اللقاء بالنسبة لعقيدنا الناقد.

وأريد أن أعترف أنني توقعت فور سماعي للعرض الدعائي السابق للبرنامج، أننا على وشك رؤية ديوان شعري للعقيد، على شاكلة قصصه التي نساها الجميع بما فيهم هو وإعلامه الحر الجماهيري، لكن يبدو أن شيطان شعره، قد أستحال إلى سياسي في إهاب شعري صفيق لحد العتمة.
ثمة ثلاثة محاور أراد العقيد أن يتحدث عنها
أولا: هناك البعد القبلي وبالتحديد قبيلته هو شخصيا.
ثانيا: الشيعة وبالتالي العراق ومافيها وإيران وما إليها.
ثالثا: العرب وخاصة السعودية عبر النيل منها في أكثر من مناسبة وبشكل شبه علني، ولنفصل ما فهمناه من إشارات العقيد ونقده المديد.

حديث العقيد في (دانات) من المرات النادرة التي يحرص فيها سيادته، على كونه أبن لقبيلته، وأن يذكر قبيلته بهذا الفخر علنا، وأن يجاهر بدورها (كما يزعم)، صحيح أن قبيلته هي عونه الأساسي في القبض على مقاليد الحكم في البلد، وصحيح أن كل المراكز الحساسة بدون استثناء، تخضع لسيطرة أبناءه وأبناء عمومتهم، لكنه كان حريصا دائما على تصوير الأمر في هيئة سياسية طبيعية، دون الالتفات لكونهم من هذه القبيلة بالذات، الأمر الذي يعكس حاجة العقيد هذه الأيام لقبيلته، لا للاستعانة بها فقط، بل كذلك لتهدئة مخاوفها، فمع زيادة الاحتقان الداخلي، وبروز أصوات استنكار أو تزايدها حتى داخل أقرب البيوت إليه في قبيلته نفسها، ومع تكرار مشاكل أبناء العقيد في الداخل والخارج، كان هناك خطاب تطمين لها، خطاب يحتويها، أو يجعلها تحتويه، أراد العقيد فيما يبدو أن يظهر انتمائه لها، وبالتالي انتمائها هي له، فسيادته يدرك، مع تقادم عهده الشمولي، أن كل القيود لابد أن تتحلل ولو قليلا، فكان هذا الخطاب الدعائي العاطفي القبلي ضروريا بالنظر لما يحدث في ليبيا.

لأكثر من مرة يعرض العقيد على شيعة العراق بالذات مساعدات مالية، إن بعد حادثة جسر الأئمة أو بعد تفجيرات السامراء، فتخصيص الشيعة بالدعم هو تكتيك للعقيد يغازل به إيران وهي مشاركة لشيعة العراق في المذهب، ويغازل به أمريكا، بالبحث عن دور ما في العراق كوسيط مثلا، يسمح له بالحظوة والتمكين لدى من يتجاهل بشكل ما لحد الساعة مساعيه ورغبته في الخلاص من القائمة السوداء لرعاية الإرهاب، والآن وعبر تقديم أن ثقافة شمال أفريقيا والمغرب الكبير هي ثقافة شيعية، يكاد العقيد أن يصرخ بالتقارب مع الشيعة، وهذه ترتبط كذلك بقضية أساسية وصميمية وهي قضية الصدر، لايمكن للعقيد أن يرتاح قبل أن يغلق ملف الأمام الصدر، ولامجال أمامه لذلك إلا عبر الشيعة، فالشيعة وحدهم من يستطيع الوصول إلى صفقة ما مع العقيد لطي الملف، ولذا فالمحاولات لاتنتهي، وعبر شيعة العراق وإيران بل وعبرهم فقط يمكن الضغط على شيعة لبنان، لتسوية آخر ملفات العقيد العالقة.

أما المحور الآخر، فلم ينس العقيد في اختياراته التي تم بثها عبر البرنامج أن يضمنها (وبغير أي مناسبة) أشعارا فصيحة (والبرنامج للشعر الشعبي) لشاعر سعودي وصفه بأنه ثوري، وأختار العقيد أن يقرأ بنفسه مقطعا من إحدى قصائده.

والمقطع الذي قرأه العقيد بنفسه عكس باقي القصيدة، يشير إلى ما لايريده العقيد فيما يوصف بالإصلاحات الاقتصادية، وهي أمور أدت في النهاية إلى أن يقصي هو شخصيا رئيس الوزراء الليبي (شكري غانم)، ولكن ظهور عبد الرحمن بن مساعد نفسه بالصورة التي يريدها العقيد : شاعرا سعوديا ثوريا يحارب الفساد، ثانيا عندما بث البرنامج نصا لشاعر يذم فيه العرب تبريرا للتوجه الأفريقي للعقيد: حيث يقول أن العرب كان يوصون أمريكا بالضغط والشدة على ليبيا، وشرح القذافي ذلك محددا العرب بالذين توسطوا في قضية لوكربي، فرغم وساطتهم، كانوا يعملون في الخفاء على توريط ليبيا. رمزية جنسية الشاعر، ومضمون أبياته، والنص الشعري المنتقد للعرب وشرح العقيد، كلها كانت إشارات تنال من السعودية، التي حاول العقيد نفسه اغتيال ولي عهدها وملكها الحالي، والذي قال العقيد يوما: أنه من أنهى صحبة مانديلا قضية لوكربي الشهيرة.

لايمكن (فيما نحسب) أن تتوافر قراءة لحلقة برنامج (دانات) الأخيرة، بدون النظر لشخصية العقيد والتحديات التي تواجهه، لاشك أن هناك الكثير مما يمكن أن يكشف عنه لو أمكن معرفة تفاصيل مونتاج وإعداد مادة الحلقة، من البدهي أن الأسئلة التي توجه للعقيد القذافي تخضع لسلسلة طويلة من المراجعات والإعدادات والمناقشات مع مكتبه الخاص، لذلك، فحتى ترتيب الأسئلة يكون مقررا بعناية غالبا، وستظل أسرار ذلك بمعية نجاح المساعيد، التي (إن افترضنا) أن برنامجها كان لتسليط الضوء على ثقافة ليبيا الشعبية وشعرها، فهو لم يلب الغرض، بل ساهم في مزيد من التعتيم بإبراز جوانب غير معبرة بل في أفضل الأحوال جد هامشية، في مسيرة نتاج إبداعي جد متميز، لكنها أتاحت الفرصة لسيادته كي يشطب عليه خلال أقل من ساعة كعادته تجاه كل ماهو ليبي مبدع وفريد، وعلى كل حال نرجو لها اختيار أفضل وأجدى في المرات القادمة.

طارق القزيري
abusleem@gmail.com


(*) سبق لي نشر هذه المقالة في موقع "إيلاف"، 23 مارس 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home