Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

السبت 24 يناير 2009

هوامش على رصاص مصبوب

طارق القزيري

(1)

على هامش تهليل قادة حركة حماس بالنصر الإلهي، لم يلتفت الكثيرون لواقعتين، الأول عدم ابتهاج حزب الله وإيران بانتصار المقاومة، والثاني انه وبرغم مرور إسرائيل بفترة انتخابات ومزايدات سياسية، فلم يختلف الساسة فيها من أقصى اليسار لأقصى اليمين، حول نصرهم المزعوم في العدوان على غزة، فما هذا النصر الذي لا يحتفي به الحلفاء؟ وما هذه الهزيمة التي لا يستغلها المهزومون لتصفية حساباتهم، في موسم المزايدات ... بالذات ؟

(2)

ثمة محاولات انشغل بها كثيرون لدرء الانتقادات والمراجعات، لما تم خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة، أولها : الحديث عن الضحايا المدنيين، بحيث ينحصر الحديث عن تلك الأحداث فقط بالمديح واسترجاع "صيت اليسار – القومي السبعيني" والذي لبس المسوح الإسلاموي هذه المرة، والبكاء على أطلال الدمار، بالرغم من إنهم يصرون على أن الدمار والضحايا ليست بالمقياس الناجع للتصويب والتخطئة.

الثاني : محاولة التلبيس بأن الاعتراض على شكل أو توقيت التكتيكات المقاومة هو اعتراض على جوهر المقاومة، وبالتالي الرضى والترويج لثقافة الاحتلال، ولما لا حتى العمالة ومشتقاتها من التهم السارية !!.

الثالث : محاولة التلبيس بأن نقد حماس هو نقد إيديولوجي، بمعنى أن الصراع ليس حول نشاط ميداني حربي واستراتيجي، يخضع لعوامل محددة، يمكن نقاشها، والجدل حولها، وبالتالي قابلة مبدئيا لأي وجهة نظر، بل الصراع – كما يحاول كثيرون – هو صراع بين الإسلاميين وخصومهم العلمانيين والليبراليين، وهكذا يتم تعميد الاستقطاب نفسه سياسيا وفكريا، بغض النظر عن صواب ذلك أو جدواه.

هل نهمس لهولاء أن أشد خصوم الناصرية وقت الصراع مع إسرائيل هم الإسلاميين ؟. بل ونفس الجماعة التي تنتمي لها حماس بالذات، وللمفارقة ففي غزة أيضا عندما كانت مصرية !!.

(3)

أهداف الحرب

الآن وقد وضعت الحرب أوزارها، يجب الحديث بوضوح عما حدث، كل بوجهة نظره مؤيد ورافض، وبغير ذلك سيمارس المرء خيانته لذاته، و يدشن مرحلة أخرى من تراجعات متوالية، ومطردة. ما حدث هو هزيمة بالمعنى الميداني، ثم – وهذه نتيجة – بالمعنى الاستراتيجي، بالرغم من أن هذه الأخيرة، ستعتمد على الترتيبات اللاحقة، والتي لا تبدو حتى الآن واضحة. ولابد أن نحدد قصدنا لنقلل ما أمكن من الحديث التعبوي والعاطفي، في الجدل حول ما حدث.

يقول أصحاب خطاب "النصر الإلهي" في تبرير دعواهم وإسنادها :

أولا : أن النصر لا يتحدد بالدمار والموت أو الخسائر البشرية والمادية. ثانيا : أن حماس انتصرت لأن إسرائيل لم تحقق أهدافها.(وهذا هو مكمن الاستدلال).

1- فأما أن النصر ليس بالخسائر المادية والبشرية، فهذا أشبه بـ "ويل للمصلين". والصحيح أن الهزيمة لا تقاس (فقط) بمجرد موت ودمار، ولكن بأن تكون المكاسب أقل من الخسائر، وكلما زاد الفرق بينهما سلبا اتسع مدى الهزيمة والعكس صحيح.

فما هي المكاسب التي حققتها حماس؟. التعاطف ؟ لم تنهزم الناصرية والقومية إذا عام 1967 !!. والتأييد الشعبي لا يعني أي قيمة تصويب، تذكروا المظاهرات التي خرجت بعد النكسة – وليس خلالها كما يحدث الآن - تتوسل "ناصر" أن يبقى، هل ستعتبر دليل على نصر؟، أو تخفف من حجم النكسة؟. هل ثمة من يوافق على هكذا منطق؟.

2- وثانيا - وعن الأهداف - فيمكنك أن تعلن انتصارك متى شئت إذا كنت أنت من يحدد أهداف عدوك بحسب مصلحتك أو ما يناسبك. الإشكال أن ما يقال عن أهداف إسرائيل، التي لم تتحقق، لم يكن هو المقصود من "الرصاص المصبوب" على الإطلاق.

فأهداف إسرائيل – المفترضة- يظهر بالمراجعة العابرة، أنه لا يمكن أن تكون أهدافا على الإطلاق ومن ذلك :

1- وقف إطلاق الصواريخ : من المعلوم أن صواريخ القسام عموما، بدأت أيام وجود الاحتلال في غزة، فهل يمكن فعلا أن تضع إسرائيل هدفا تعلم بأنها لم تحققه حتى وهي تحتل القطاع كله؟. وكذلك فلا يمكن منع تصنيع الصواريخ، إذا كانت تتم، بوسائط ومواد محلية وبسيطة.

2- إنهاء حكم حماس : لقد أعلنت وزيرة خارجية إسرائيل بوضوح أن المقصود تغيير قواعد اللعبة، ولم يتحدث احد من المسئولين عن إنهاء اللاعبين، حتى إيران نفسها (عبر كلمة الشيخ حسن نصر الله بداية الغزو) حذرت بوضوح أن "إنهاء المقاومة" غير مسموح به على الإطلاق، فلم يكن ممكنا لسوريا وإيران أن تسمحا بإلغاء الورقة الفلسطينية من أيديهم، في صراعهم الإقليمي، ولم تكن إسرائيل بحاجة ولا في وارد حرب إقليمية على الإطلاق.

وعلى الأرض لم يكن اكتفاء إسرائيل باغتيال الشهيدين "نزار ريان وسعيد صيام" مع اختفاء " محمود الزهار" حتى الآن - تزعم إسرائيل انه هرب من القطاع - وهو الثلاثي الأكثر تشددا في قيادة الحركة بالداخل، لم يكن ذلك إلا قرينة واضحة على نية إسرائيل تغيير مسار حماس لا إنهائها، ومع عدم وجود قوة أخرى غير حماس على الأرض، هل يمكن تصور أن تسمح إسرائيل، بالفوضى على حدودها ؟. إنهاء حماس ليس بالأمر الذي يمكن أن تسعى له إسرائيل إطلاقا ... الآن على الأقل.

3- تدمير القوة العسكرية لحماس : يفترض في هذا الهدف أن قوة حماس تحتاج لبناء نوعي وطويل ومعقد، ولكن وبرغم وجود كتائب خاصة، لابد وأنها معدة وفق ترتيبات ومهام خاصة، إلا أن عموم الجسم المسلح للحركة، هو قوات شعبية، ليست ذات تدريب خاص، ويكفي لتخريجها شهور بسيطة من التدريب المكثف، وبالتالي فكل ما يمكن تدميره بشريا يمكن تعويضه بسرعة، أما الأسلحة فهي أسلحة عادية، ولا تحتاج لدعم لوجستي ولا تعبوي نادر. فهل يمكن بهذا الاعتبار أن يكون تدمير قوة حماس هدفا إسرائيليا حقا ؟.

(4)

سقوط توازن الرعب :

بعد حرب يوليو في لبنان أقام أو عزز حزب الله توازن رعب مركب "مزدوج" مع إسرائيل : الأول صاروخي، فكل صاروخ إسرائيل يمكن مقابلته بمكافئ نسبي موجع، والثاني ارضي : فالتوغل في الجنوب يعني قتلي وجرحى، لا يمكن للرأي العام ولا الحسابات العسكرية أن تحتملهم، وبالتالي تكون هناك كلفة إستراتيجية، فوقع التوازن على هذا الأساس. وفي غزة، ومع وجود الفارق التكنولوجي ونوعية السلاح، وغير ذلك مما هو لصالح إسرائيل بلا شك، ظلت حماس تتسلح بتوازن رعب مزدوج أيضا:

الأول : التورط والاستنزاف : وهذا ظهر أيضا في أول كلمة لـ "خالد مشعل"، عندما ذكر أن من يختار توقيت البدء لن يختار توقيت النهاية. الثاني : الخسائر : فعبر الدعاية لما ينتظر الجيش الإسرائيلي، في أي توغل بري، كان ذلك مانعا عتيدا، للجيش اليهودي، من تسريع العملية ضد القطاع، خوفا من ضحايا، يكونون سببا في تأليب الرأي العام الإسرائيلي على قيادته السياسية، من هنا افترضت إسرائيل أن خسارة 200 جندي ستكون سقفا أعلى للخسائر المحتملة في الرصاص المصبوب. "في حربها وحزب الله تكبدت إسرائيل مقتل 119 جنديا و 44 مدنيا".

والحال أن العدوان اسقط هذا التوازن، فمع قلة الخسائر، وتحديد إسرائيل، لساعة نهاية العملية، دون قدرة الفلسطينيين على الاعتراض عمليا، بل وصف "إسماعيل هنية" قبول حركته لوقف إطلاق النار بـ "الحكيم". وثبت بالتجربة أن التوغل البري ليس مكلفا، كما كانت حماس تقول، أو إسرائيل تعتقد. وهكذا فلم يعد هناك توازن بين الطرفين، إلا الرأي العام الذي أدان الهجوم الوحشي، لكن الرأي العام لم يتحول لأثر سياسي، وبقي عاطفة مجردة.

(5)

إن جرأة إسرائيل على التهديد بالعودة للعدوان، هو نتيجة مباشرة لما حدث خلال الرصاص المصبوب، ومع هذا فإن المهم لم يكن ما حدث، بل المهم هو الترتيبات الناجمة، المقصود من "الرصاص المصبوب" كان سياسيا، في ثوب عملية عسكرية. وإسرائيل لم تحقق بعد أهدافها لأن السياسة ليست مترتبات فورية، بل مخاض بطيء ومتشعب، فهل يمكن منعها ؟ هنا مجموعة إشارات ربما نعود لها لاحقا :

- لماذا تراجعت إسرائيل عن ترتيب الهدنة مع حماس عبر مصر، وتعنتت بإضافة شروطا إضافية بعد موافقة حماس على النقاط الخمس التي نشرتها "الشرق الأوسط"؟. ما دفع حماس لرفض مزيد مفاوضات. وفي نفس الوقت استغلت إسرائيل الوقت بتوقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الملزمة للإدارة القادمة.

- لماذا هرع قادة اكبر أربع دول أوروبية ( فرنسا - بريطانيا – ألمانيا – ايطاليا ) غداة وقف إطلاق النار، لمصر لعقد قمة لم يحضرها مندوب أمريكي، وحضرها أمين عام الأمم المتحدة. واهتمام بروكسل المبالغ فيه بالترتيبات الأمنية للمنطقة.

- لم تخلت فرنسا عن شرط الاعتراف بإسرائيل لكي توافق على الاتصال بحماس؟، وتصر على إقناع أوروبا بذلك، دون أن ننسى الأقاويل عن أن المبادرة المصرية، هي أوراق فرنسية صرفة. وتحولت حكومة فلسطينية واحدة مطلبا دوليا، بعد أن كانت مجرد أماني وطنية فلسطينية، أو حتى مصلحة عربية.

- لماذا أختلف الموقف الأردني عن المعتاد، فأول مرة تأخذ الأردن مسافة من محور "الاعتدال العربي"، بعد مسار للتقارب مع حماس، وظهور تقارير عن اتصالات بين الأردن وحزب الله.

- لماذا امتنعت السعودية عن متابعة مصر، منذ البداية، في إدانة حماس، واعتبارها سببا للعدوان؟. ثم لماذا تقدمت السعودية بمبادرة المصالحة العربية فجأة ودون ترتيبات في قمة الكويت ؟.

- لماذا اختار "جون بولتون" وبولتون حصرا وبالذات،، هذا التوقيت ليعيد طرح خيار الثلاث دول ( إسرائيل – مصر – الأردن).

كل هذه وغيرها ربما تضيء حال مقاربتها، الإجابة عن الدوافع العميقة، لـ "عملية الرصاص المصبوب".

وربما يكون للحديث بقية.

Abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home