Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Friday, 23 January, 2007

       
       
       

حكاوي ليبية (5)

البوشبّو


طارق القزيري

الساعة العاشرة صباحا، والمسافة مابين الجامع القصير والجامع العالي، مسكونة بالحركة، والضجيج، لم يكن احد ليشعر بما حدث، لولا علو الصوت، وحدة الكلمات.
في مصراته لا يهتم الناس بالآخرين، إلا إذا دعاهم الآخرون لذلك، ويبقى للمصراتي الحق، في تحديد متى يكون الأمر دعوة أو لا !!!

أختلط اللوم، والتهديد المبطن، والحيرة في حديث الحاج (عامر) وظلت عيناه تنظر شزرا وتقززا، لما هو قابع على الأرض .. جرت الأمور بسرعة ... ولم يعد ثمة سبيل لتفادي التصعيد !!!

- (تي والله عيب يا حاج منصور، عيب اللي أدير فيه، تي في سبة هادا أطيح كلمتي يا راجل ) ؟؟
أخذ (الحاج منصور) نفسا عميقا، من سيجارته الرياضي، وأرخى جسده في تجاويف الكرسي، وهو يتأمل ثعابين دخانية، تتسكع في الهواء، بعد أن طردها من رئتيه، بتلذذ، ثم نظر بلا مبالاة، وهو يشير لجليسه بأن يرتاح، فليس ثمة ما يستحق هذه النرفزة ... على حد قوله !!

خلو الوفاض من الحيلة، ووطأة التجاهل، وفداحة الاستخفاف، جعل (الحاج عامر) يرفع صوته: (صار هكي، باهي يا سي منصور – بدون حاج – في عقاب (بوشبّو) أطّمع فيا الفروخ، وأتضحك عليا الناس....!!!) في الحقيقة لم يضحك الناس بعد، لكنهم بدأو في التجمع لإستطلاع ما يحدث ...

صباح عادي، مر على مصراته مثله ما لا يحصى، فتح الحاج عامر دكانه، ورتب شؤونه كالعادة، وبدأ الصبي في رش الماء، وعندما نظر للجهة المقابلة، رأى الحاج منصور، يجلس على كرسيه، فذهب إليه، يقال إن مصراته كلها تستيقظ باكرا جدا، لكن الحاج منصور ينام مستيقظا، فلم يسجل أن فتحت دكانة قبل دكانة الحاج منصور في أي يوم مضى.
لاشي يضايق الحاج منصور في العالم إلا رؤية جاره (الحاج عامر) فهزائم (الشكبّة) المتلاحقة، وأمام شيّاب السوق وتجاره، (والتعزير) يجعله يقسم أن لا يلعب مرة أخرى، ثم يزول مفعول القسم مع كل صباح جديد.
عندما شاهد الحاج عامر (البوشبّو) أمر صبياً يعمل في دكانة الحاج منصور بأن يقتله، ويرميه بعيدا، وبدون مقدمات قال الحاج منصور منتهرا صبيه: (مالك ومالا ؟؟ خلي خربش الوطا يسترزق !!).

في السابق بحث الحاج منصور عن أي شيء، يعيد له هيبته المسكوبة على أوراق (الكارطة) جرب (السكمبيل) ثم جرّب (السيزة) ولم يكسب سوى مزيد الخسائر فيها، ومزيد الضحك من جيرانه التجار، وهذا ما أكسبه رغبة عناد لا تضاهى، فصار يعترض على كل شيء، ربما ليثبت لنفسه والآخرين أنه هنا.
ومع تداول الحديث ( حول مصير البوشبّو) أشتط الحاج عامر، ولم يكن الحاج منصور بحاجة لشيء، إلا هذا، ومع لا مبالاة الحاج منصور، ومزيد صياح واحتجاجات الحاج عامر، تجمع بعض رواد السوق، ليجلبوا انتباه الآخرين، فيما ظل البوشبّو مستلقيا أو مقلوبا على ظهره، وكأنه يصغي لكل هذا الجدل، وإمكانات مصيره المجهول.
تدخل التجار بين زميليهما، وأتفقوا جميعا، على أن المسألة ( ما تسواش) ومن غير المعقول أن تحدث، خصومة من اجل (بوشبّو) ومع كل محاولة لفض الأمر، كانت عبارات الإدانة والتحقير تتوالى على البوشبّو، (عقاب بوشبّو، ..... بوشبّو معفن، .... بوشبّو متجرثم ... متاع المجاري ... الخ) ولكنهم اتفقوا أن المسألة باتت مسألة كرامة للرجلين.

رأى البعض أن الحاج منصور على حق، فمن جهة لا يجوز أن يتصرف المرء في (بوشبّوات جاره) لأن هذا قد يودي لتجاوزات أكبر، ومن جهة أخرى، أن قتله أمر مؤذي للذوق السليم، وشرح أحدهم كيف أن أبن اخيه، أصيب بحالة لم يجد معها كل الحجيبات، بعدما شاهد (تمزيط بوشبّو ... عفانا الله وإياكم).

وفيما رأى الحاج منصور أن قرني (البوشبو) وحركتهما هي أشبه بالاستجداء، نظر إليها الحاج عامر على أنه تحدي سافر ووقح، ورأى من وقف في صفه: أن البوشبّوات أمر ضار للصحة والبيئة، وقال أحدهم: أن الحاج عامر يملك مشروعا وطنيا يجب دعمه، وأن لا مكان للصراصير في (المواطين كلها) بعد اليوم.
الأستاذ عبدالله : قال (بدون أن يلتفت إليه أحد!!!) أن وقوع الحادثة بين الجامع القصير والجامع العالي، دليل على أننا في منتصف الطريق الحضاري، وأننا نشهد مخاضا عسيرا، نحو القيم العالية، وأكد أن مسافة الـ 500 متر على الجامع العالي، هي رمزية المسافة الحضارية التي يجب قطعها، لكنه صمت وانضم للزحام والمشاهدة، قبل أن يفوته الحدث.

أستاذ سالم كذلك شرح لبعض من وجدهم في الصفوف الخلفية للزحام: أن التخثر السيكولوجي، والاحتقان الاجتماعي، تتمظهر في تشنجات عصابية، بقدر ما تدل على البعد التطلعي للخلاص، فهي تعمق الإحساس بالدونية العمومية، وترسخ في عميق الوجودات الإنسانية نبرات غير متكافئة مع المحتاج البنيوي!!.
توقفت حركة السير، وسمع تجار شارع الديس وجامع الشيخ وما حولهما بالأمر، ومع كل قادم جديد، يتكاثر الفرقاء، بين مؤيد ومعارض لسحق (البوشبّو) والحاج منصور لا يزال ثابت على موقفه، وقيل أن هذا (البوشبّو) هو فأل خير يستخدمه لزيادة بيعه، وربما أراد الحاج عامر سرقته حسدا، لكن شيعة الحاج عامر أكدوا أنه يملك منها الكثير، و(مش شايف في عقاب بوشبو).

لم يفطن أحد لصلاة الظهر، حتى (الحاج علي) لم يؤذن ، وسمعت زغاريد من بعيد، ولم يتبين لمن كانت موجهة بالخصوص، ولهذا اعتبرها كل فريق لحسابه، ليتأكد الموقف كحالة أزمة غير مسبوقة.
وروى أحدهم أن امرأة دخلت النار في بوشبّو قتلته ... وبعد أن كذبه بعضهم، عزاه لشيخ مجهول، ذكر انه ألقى درسا في جامع الشيخ قبل سنوات.
وبمرور الوقت أدرك الجميع أن وقت الغذاء قد حان، وأن نصفهم مطالب بالعودة (بالمصروف للبيت) وتذكروا، أن عدم العودة بالمطلوب، ربما لا يكون محمود العواقب أو متفهماّ.

وبدا أن الجميع على استعداد لتليين مواقفهم، بل قال الحاج منصور وهو يشير للبوشبّو (ما عندي ما ندير بيه!!) بعد أن أنتبه لغياب (الحاج عامر) ولمح دكانة غريمه مقفلة، فأدرك أنه أسحب من الميدان، وشرح لمن حوله، وهو يغوص في تجاويف كرسيه منهكاّ، وبدأ دخانه كذلك يتسكع بكسل : أن الأمر مسألة مبدأ، لا أكثر..

وتشكلت على الفور مجموعة أزمة: وبعد مشاورات تزايدت سرعتها بقرب وقت الغذاء: خلصت بموافقة الجميع إلى:
1. يستدرج (البوشبو) إلى خلف مطعم ( عيت الساقي) من قبل صبي الحاج منصور نفسه.
2. يكلّف شقيق الحاج علي (المؤذن) بتولي عملية التخلص من البوشبو.
3. أن تتأكد الجهات التنفيذية من فاعلية كل الأدوات المستخدمة في العملية.
4. تتعهد كل الأطراف بعدم الحديث البتة عن الموضوع من حلول موعد صلاة العصر.

وبعد قليل من إذاعة الاتفاق سمع من تبقى في السوق ( طااااااااااااخ).

فقد سحق الصرصور واطمأنت الجماعة بوحدتها!!!!!.

abusleem@gmail.com


       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home