Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

الأحد 22 فبراير 2009

الداروينية والوعي العربي .. مواجهة أم استيعاب ؟

طارق القزيري

هل كان أصلنا قرودا ؟. ربما لم ينشغل الناس بأكثر من ذلك، طالما ساقتهم الأحاديث للداروينية!!. ولكن العنوان العام العميق لذلك النقاش كان دائما قصة الصراع أو المقابلة بين العلم والدين، بل إن العلاقة بين الداروينية والدين، شكلت في مرحلة ما، العلامة الأبرز لهذا الصراع والمقابلة.

وارتبط هذا بمفارقة حادة في الوعي الإسلامي، من حيث إحساس المسلمين بتأخرهم نسبة للغرب من جهة، وارتباط العلم الغربي - وهو سبب ومظهر التقدم الغربي - بمجموعة الأفكار والنظريات منها الداروينية، وكل ما أرتبط بها، وبني عليها، من أفكار فلسفية وفكرية... وصولا إلى الإلحاد.

تطور نظرية التطور

وربما كانت الحمولة الإيديولوجية هي أهم ما وصل الفكر العربي والإسلامي الحديث من الداروينية. بالرغم من أن مفهوم الداروينية يتخطى تشارلز داروين نفسه (1809-1882). ويكفي فقط الإشارة لمفهوم التطور الذي أضافه للنظرية هربرت سبنسر (1820-1903). في حين كان داروين يتحدث عن الانتخاب الطبيعي.

ولكن ربما لأن الداروينية ارتبطت بالعلم ومحرابه الوحيد أي المعمل او المختبر، فقد أجبر الجميع مؤيد ورافض في الغرب وخارجه، على مراجعة مواقفهم دوريا، وجعل الأمر أكثر تنوعا، خاصة في الغرب. في حين تجمد الرفض والقبول في دنيا العرب الفكرية، عند استقطاب حاد، أسوة بكل قضاياهم الراهنة.

ولكن من المناسب أن نذكر أن الخلاف لا يزال يستعر في الغرب نفسه، حول الموضوع، إذا حكم قاض فيدرالي أمريكي عام 2005 لصالح أولياء أمور بولاية بنسلفانيا طالبوا أن تدرس النظرية الداروينية كحقيقة علمية مؤكدة، ردا منهم على محاولة مسئولي مدرسة هناك إدخال فكرة التصميم الذكي منهج العلوم.

خلافات تاريخية

وظهر الخلاف حول الداروينية كظاهرة عامة، بعد شهر من وفاة داروين تقريبا. حينما قرظ (د. ادوين لويس داروين) في كلمة بالكلية السورية الإنجيلية. وترتب على ذلك فصله من العمل، ليندلع الخلاف كقضية أخلاقية تحت شعار الرأي وحريته.له

وقد انقسمت الآراء حول مفهوم الخلق الإلهي ( الموقف الديني) والمفهوم الدارويني - الذي صار يوصف بالموقف العلمي - إلى ثلاثة مواقف:

• الاتجاه العلموي: الذي ركز على قبول النظريات العلمية دون النظر لعلاقة ذلك بالمفاهيم الدينية، وعادة ما أرتبط هذا بالمنكرين للأديان، منهم مثلا شبلي الشميل (1850-1917) وسلامة موسى (1887-1958) صاحب الكتاب المعروف (نشوء فكرة الله) عام 1913. وتمسك هولاء بما قالوا أن العلم يلزم به قطعا وهي مقولة " كل حي من حي" بما يسقط مفهوم الخلق المبدئي، لصالح مفهوم النشوء، ولتتحول غاية الخلف والحكمة لدى المؤمنين، على مجرد نتيجة لعملية النشوء، كما قال شبلي شميل في مقاله "هل في الوجود عالم آخر؟" بمجلة الهلال.

• الاتجاه الديني، والذي سعى جاهدا منذ البدء لدحض الداروينية، كنظرية علم أو إيديولوجية فكرية واجتماعية، منهم الأب اسكندر طوران صاحب كتاب (المذهب الدارويني وأصل الإنسان)، وجمال الدين الأفغاني في كتابه الرد على الدهريين. ولعل أهم ما حرض هذا التيار هو المترتبات الإلحادية على الداروينية، واستطرادا دافعوا عن مقولة "أفضلية الإيمان على العيان"، وأقام الشيخ إبراهيم الحوراني مرافعة شهيرة ضمنها 12 اعترضا على الداروينية (موسوعة الفلسفة العربية (م ف ع) ص 562).

• الاتجاه التوفيقي: وهم من سعى إما لدرء التعارض بين مفهومي الخلق الديني الداروينية، من خلال إثبات عدم التناقض بين المفهومين، بشرط أن يتاح لكل منهما مجاله الخاص، أو أن المفهوم الديني نفسه يستوعب نظرية التطور في إطار الإرادة الإلهية. من هولاء أدوين لويس (... - 1907) وجرجي زيدان (1861-1914) صاحب مجلة الهلال الشهيرة. وتمسك أصحاب هذا الاتجاه، بان الخلاف ليس بين العلم والدين، فمن جهة العلم تجريبي دائما وغير قطعي، والدين ليس أمرا مستقلا عن فهم البشر وهو عرضة للتصويب والتعديل دائما. ومن ذلك ما كان يكتبه يعقوب صروف بمجلة المقتطف.

تجاذبات وأجواء غير علمية

ولكن مما يشرح أن الخلاف لم يكن بين فكر تقدمي ورجعي، بقدر ما كان مواجهات اجتماعية وظروف تاريخية ملتبسة، فإن أكثر أنصار الداروينية وهو د. شبلي شميل يخلص لنتيجة خطيرة، علميا وحقوقيا، وتصادم أساس الوعي الحديث إذا يقول: "إن المرآة تنحط عن الرجل كلما كان الإنسان أعرق في الحضارة والمدنية ومتساوية وترتفع عنه كلما كان أقرب للبداوة والخشونة العقلية والجسدية " (م ف ع - ص 563).

وبالنظر لعالم العرب وواقع العلمي، فإن أي موقف من الداروينية سيكون مشوبا بالشكوك، بالنظر إلى تأخر البحوث العلمية في مراكز البحث العربي والإسلامية عموما، وللتعرف على فداحة المشكلة، فما عليك إلا النظر في إحصائية بعدد البحوث العلمية التي نشرتها تركيا، وهي أحد أكثر الدول الإسلامية إنتاجا، فقد نشرت 88 ألف ورقة بحثية بين عامي 1996 و 2005.

ويمثل هذا الرقم أقل من عدد البحوث التي نشرتها جامعة أميركية واحدة هي أيفي ليج خلال ذات الفترة بحسب هيئة الإذاعة البريطانية BBC .

وتطرح هذه القضية إشكالية التعليم والعلم للأجيال القادمة في ضوء الاستقطاب بين الدين والعلم، إذ لا يرغب علماء الدين في أن يحتل الدين مرتبة ثانوية بعد العلم، ومن جهة أخرى، فإن العلماء يرون أن الجيل المقبل من العلماء سيلقن مفاهيم خاطئة تتعلق بالمنهج العلمي.

أفاق مغايرة

ولكي نفهم ربما أن الاستيعاب وعدمه لم يعد فقط يفهم ضمن محارجة الموافقة والرفض يمكن القول بالنظر للخلاف، وآلية إدارته في عالم العرب الفكري، و ما تثيره الداروينية من جدل خاصة لدى أتباع الكنائس المسيحية المختلفة، حيث أسهمت عموما في تغير النظر العلمي لواقع الإنسان وعلاقته بالطبيعة.

ومن أمثلة لا تحصر يمكن الإشارة لوضع كم من العلماء بياناً تحت عنوان: "مشروع القردة الكبار: المساواة ما بعد الإنسانية" (The Great Ape Project : Equality Beyond Humanity) ومن ضمن ما جاء فيه كما تقول اللوموند فبراير 2007 " .. أن القِرَدة الكبار "هي الأكثر قرابةً من جنسنا" وأن هذه الحيوانات البهيمة "تتمتّع بقدرات عقليّة وبحياة عاطفية كافية لتبرير تصنيفها داخل الجماعة المماثلة لنا "

"ومقاربة نظرية "التماثل الفكري" هذه قد أدّت إلى نشوء صناعةٍ في أوساط بعض الأخلاقيين المتلهّفين إلى دراسة الخصائص الإدراكية المشتركة بين الآدمي وغير الآدمي، وللمفارقة أن هذه الدراسة تجري بواسطة التجارب على الحيوانات في معظم الأحيان."

وخلال ذلك نمت اتجاهات عدة تبحث في مفاهيم "الحيوانيّة" في الإرث الإنساني الفلسفي والدينيّ.

وفي الحقيقة أن أشد المختلفين مع داروين وأتباعه، قد انتبهوا لتلك النقطة الفاصلة التي دشنها صاحب "الانتخاب الطبيعي" في تحويل النظر إلى ما يجاورنا، بدلا من الاقتصار على التأويل المقدس، الذي يثبت كل يوم انه يبرد ويسخن بالأهواء البشرية.

تبدو الداروينية اليوم مثل محاولة "تحويل المعدن لذهب" تلك الأسطورة التي نشا منها علم الكيمياء، واسهم في تطوير علوم كثيرة أخرى، والأهم من ذلك تطوير الفكر البشري العلمي نفسه.

دون أن تخف حساسية السؤال المحرج والطريف معا : هل نحن فعلا قرود .... متطورة؟.

abusleem@gmail.com
________________________________________________

• هذه المقالة تطوير لمقالة بنفس العنوان، كتبتها للقسم العربي بإذاعة هولندا العالمية، بمناسبة مرور 200 عام على مولد العالم الشهير تشارلز داروين.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home