Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Thursday, 21 February, 2008

مقام البيجو : اعـتبار ذاكرة منبوذة

طارق القزيري

(1)

اختارت لجنة نوبل المطرب الشعبي المصري" حكيم " للغناء على ركح الحفل الذي تم فيه تسليم الجائزة الدولية الأشهر للاقتصادي البنغالي محمد يونس والبنك الذي يرأسه (بنك غرامين)، وفي هذا مضمون للإعتبار لم يطمح إليه النمط الغنائي الشعبي، إذ كانت هذه النقلة أكثر مما يحلم به هذا الفن ورموزه، وهو المواجه دائما بالدوننة (من الدونية)، ورميه في خانة المهمل وما لا يعول عليه، لتكون الجائزة السويدية النقيض لما تلقاه الفنون الشعبية في عالم العرب بالذات، وما هو المدى الممكن أن تصل إليه إذ استمر منوال الاهتمام بها تطويرا لمبادرة لجنة الجائزة العالمية المذكورة.

(2)

تلوم النخب المثقفة، السياسي (السلطة) دائما بعدم اكتراثه بالثقافي، وهذا في أحسن الأحوال، إذ يمكن أن يناصبه العداء، أو يصير في خانة المحذورات. وبقدر ما يكشف هذه اللوم ( الصحيح والواقعي) وذلك الحذر والتربص السلطوي أهمية الثقافي، إلا النخب عادة ما تتجاهل معاملة السلطة بنقيض قصدها، بل تبدو وكأنها تتعاون معها – بغير قصد - في إهمالها لأحد أهم الروافد الثقافية، وهو البعد الشعبي في الثقافة، ذلك الذي يتعلق بالذاكرة الأقرب للناس.

من النادر أن يلجأ مثقف أو كاتب – مثلا - للاستشهاد بقصيدة شعبية، أو مأثور دارج في المحكية، خلال كتاباته، فثمة شعور لا يخفى، وموقف لا ينكر، من الانحياز التفخيمي للثقافة العالمة والرسمية، والتعامل بالضد مع الثقافة الشعبية، وكأنها ليست تعبيرا عن وجدان ولا خبرة ولا تجربة، أو كأن الثقافة العالمة والفصيحة والرسمية فقط من يملك مؤهلات التعبير عن المعاش الإنساني، وهمومه الوجودية.

(3)

في هذا الإطار يأتي مشروع السيد (السنوسي محمد البيجو) في مقاربة الذاكرة الغنائية الشعبية، عبر كتابين أصدرهما، وضمن سلسلة يراد لها أن تستمر قدما، يأتي مخالفا للسائد الثقافي المهيمن، وتدعيما لمحاولات أخرى لا تزال يتيمة ومحدودة لإعادة الاعتبار للثقافة الشعبية، كرافد مهم للثقافة بمنظورها العام.

وما فاجأني – شخصيا – في كتب السنوسي محمد، هو ذلك الإثبات العفوي، بأن المرسكاوي والفن الشعبي الليبي، ليس هدرزة شوارع بالمعنى السلبي، بل هو بقدر ما كان لصيقا بالناس، يحكي عنهم، ويصوّر حيواتهم وشؤونهم، ويحاكي مشاعرهم بلغاتهم ولهجاتهم، وإيقاعهم نفسه، بدون استلاب ولا اغتراب. بنفس القدر كان واضحا للغاية، البساطة التي أثبت بها المؤلف بدون أي تصريح، أن أساطين الفن الشعبي الموسيقي الليبي، لم يكونوا على الإطلاق، كما ترسخ في المخيّلة، مجرد أناس " فاضيين" لا يحملون رسالة، ولا يصدرون عن حس شخصي راق، وعاطفة إنسانية مميزة.

يمكنك أن تتفاجأ مثلي أن ( الحاج علي الجهاني = إعلويكة) يجيد الإنجليزية، وهو خبير في شؤون البحار والسفن، وأن "علي الشعالية" ليس مجرد ""قطاف في الأعراس" بل دارس موسيقي له نظرة وطنية في مجاله، ويتحدث عن الموسيقى كعالم ومسار ومهنة. ولست هنا بصدد سرد كل الاعلام الذين تعرض لهما المؤلف في الكتابين، لكن مجهوده يسجل بشكل أعمق كثيرا من مجرد مؤلف يهتم بالفنون أو الموسيقى الشعبية، بشكل سردي وتوثيقي لا غير.

(4)

ومع ما سبق، استطاع المؤلف أن يقدم حزمة غنية جدا، ومعبرة عن التراث الموسيقي الليبي، بل أن محاولته المنهجية، في إيراد نظرية جديدة، لتشكيل صورة أعم للموسيقي الليبي، وفق مفهوم ( المقام) هي محاولة جد مميزة، ينبغي للكاتب أن يهتم بها بشكل أكثر، ومع أهمية كتابه الثاني عن " الحاج علي"، إلا أن مواصلة جهوده النظرية في صياغة أكثر تماسكا لـ "مفهوم المقام الليبي" تعد مهمة على خطر، ينبغي أن تطوّر، وتناقش بشكل أكثر أتساعا، وهذا برأيي من عوامل الجدة الخالصة لمشروع السيد السنوسي محمد، الذي أصفه بالمشروع بكل ما تحمله هذه الكلمة، من شمول وتواصل واستمرارية وجدة.

(5)

وأخيرا لا يمكنني أن أتجاهل تلك الروعة التي أحاطتني خلال مطالعتي للكتابين، فعادت بي على نحو خاص، لتلك الطقاطيق، والأغاني، التي كنا نترنم بها، ونحن صغار، واستمرت معنا في فتوتنا، ونقلتنا لأجواء أحميدا موسى، وعبدالجليل عبدالقادر، وعبدالحميد الكيلاني، ومن سبقهم مثل شادي الجبل، أو تبعهم مثل إدريس الدرسي والمهدي البرعصي، والمتأخرين جدا كمفتاح بوحليقة، وسمير الكردي ومهدي طريو وغيرهم ..

... وإذ لا يذكر الكتاب بعضهم، لأنهم لم يكونوا ضمن الفترة الأولى التي أهتم بها، لكنه عبر تناول موضوعة الموسيقى الشعبية الليبية، ومع مفهوم "المقام الليبي" ووحدة النص أو مصادره، ارتبطت المخيلة من خلال الكتابين -وهما استهلالية المشروع - بكل المشهد الموسيقي في الثقافة الشعبية الليبية.

وهذه هو ما يجعل للسيد السنوسي محمد البيجو، مقاما خاصا، أهم ملامحه العلمية والجدة ... والوفاء.

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home