Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Thursday, 20 July, 2006

التحليل الإجدابي : المثـقف وأزمته

طارق القزيري

تلك الأغراض التي لم تستحق النظر (...) باتت ألان في منتهى الأهمية وفي منتهى الجمال
بحيث لم يعد في مقدوركم رفع أعينكم عنها، فهي موجودة وجديرة بالوجود...
غاستون باشلار

(1)

مما يستحق التأمل قصيدة للشاعر (بوبكر رابح) نشرها موقع ليبيا وطننا ، قبل أيام، ففي هذه القصيدة، تعرض الشاعر لإحدى أهم القضايا العالقة، مثار الجدل، منذ القديم، وهي قضية المثقف والسلطة، ولست أعني هنا السلطة بمعناها (السياسي)، بل بمفهوم فريدريك إنجلز العام جدا، حيث هي: ((فرض مشيئة طرف على مشيئة طرف آخر حيث لا تقوم السلطة إلا على التبعية)) من مقال :حول السلطة.

ولم يكن حديث ذلك الشاعر موجها صراحة وبوضوح، بل جاءت القصيدة في قالب نقدي ـ كوميدي، جذاب، أنتقل فيه الشاعر، من مشاهد عديدة، تكاد تضعك في مواجهة شخوص القصيدة وجها لوجه.
فالشايب، وحياته المعتاد الرومانسية الحالمة، البعيدة عن الواقع ومحروقاته، إنه هو المثقف الذي استدعى من الحداثة شكلانيتها ومظاهرها، ولم تكن له من الثقافة إلا أبعادها الفضفاضة، حيث الدعة، والتأمل، والوحدة والإنفراد، والمتعة دونما قضايا، ولا إشكالات.
ولا يدخل مثقفنا في أي قضية ذات بال، وهو من خلال تجنب المجتمع، يحصد الجزاء، تقديرا واعتزازا، فالعزلة في حد ذاتها، تأكيدا لسطوة السلطة، وتعميقا لها.

بينما جاءت شخصية أبن عمه (أمراجع)، في صورة المجتمع، وسلطته، والقبيلة وسطوتها، إنها خطاب الإملاء والتعبئة الدائم لأي سلطة، حيث خطاب الثنائيات الدائم الذي لا يمكن لأي سلطة أن تعيش بدونه ( وجود / عدم، عار/ شرف، خيانة/ بطولة، عدو/ صديق)، وهكذا.
السلطة دائما من أبسط مظاهرها في الأب حتى الأشد تعقيدا في الدولة المهيمنة كونيا، لا تعيش معها الكائنات الأخرى، إلا في ظل استقطاب (إما ـ أو)، وهكذا فهي ليست مشروع حوار، وتعايش، بل محض فرض وإجبار بلا إضافات.

أما وسيلة السلطة في معالجة قضاياها، فمن حيث هي جسم فوقي، إملائي، يبقى العنف أول مصادر وجودها وفعالياتها، والحيدة عنه، هي مجرد ظروف استثنائية خاصة (تقبيع الأكمام)، عند (أمراجع) أمام أبن عمه المثقف، ليست من ضرورات المواجهة بل من متطلبات التعبئة، أجواء الصراع، لا تبدأ في ساحة الصدام، بل قبلها بكثير.

يحكي ويقبّع في أكماما .... حردت سوريتا ملويا
من عالراس عزق لعمامة .... طلّع من جيبا كميا

لا تقدم السلطة من حيث هي كذلك، أي مبررات موضوعية، إنها تطرح نفسها كوجهة يقود إليها سهم مرور إجباري، لامناص من اللحاق به، وإلا فالتردي في ظلمات النقيض بلا قاع.

وهكذا تكتمل عناصر الصورة النموذجية لمشهد التخلف، المثقف الذي لا قضية له ولا عمق، والسلطة بقضاياها المصنوعة وفق إرادتها ( القبائل مثلا لا تشتبك مع الدولة بسبب أراضي (عادة) مهما جارت، لأنها تعمل وفق منطق الربح والخسارة)، في كتابه (تجربة الإسلام السياسي) يقول الفرنسي (أوليفيه روا) من خلال تحليله، لقتال القبائل الأفغانية للدولة المركزية في كابول أيام الغزو الروسي، إنها لم ترغب في إنهاء الدولة بل مجرد تحصيل أو زيادة مكاسبها المادية أو المعنوية فقط، ولكنها بالطبع تنزع لمظاهر خطاب الشرف، وكل الثنائيات المعروفة في ما تقوم به.
و لامجال هنا للزيادة في التعليق على القصيدة فهي واضحة بلا فلسفة منّا، لكنها مجرد إشارة فقط.

(2)

يبدو مثال (القبيلة كأنموذج سلطوي) مريح جدا، إنها صورة بعيدة عن أذهان مثقفينا رومانسيي الأحلام ملتهبي الخطاب، ماذا عن أنموذج آخر، الطائفة مثلا، أو الحزب، لنأخذ ثنائية (حماس / فتح)، أو ثنائية (سنة / شيعة).
سيسرك أن تقرأ لهذا أو ذاك، عشرات المقالات لايجرؤ فيها على نقد حزبه، أو جناح فيها، هو أصلا لايعترف بالأجنحة إلا لدى الخصوم، هو كاتب تقوده قبيلته السياسية من أنفه، لايستطيع الفكاك منها، وإلا حكم عليه بالفناء، كمثقف، لأنه أصلا لم يكتسب صفته تلك إلا عبر زخم السلطة التي يقتات من رصيدها وزخمها المعنوي وربما المادي أيضا.
كذلك ستحتار وأنت تقرأ لكاتب علماني، يفاخر بإلحاده، تقرأ له وهو يبكي طائفته، ويقيم العويل على مرقد أبي حنيفة، أو مقامات الأولياء الشيعية، هو الطامح أبدا للدخول تحت ظل السلطة، ليس السياسية بل ربما الطائفية، أو حتى سلطة القراء، ما يطرحه بوبكر رابح في قصيدته الساخرة تلك، هو بوضوح، أحد أهم مظاهر غربة المثقف ثم أزمته، وعجزه الدائم، عن التقريب من لحظة التغيير، لأن التغيير يقتضي إعادة توزيع مصادر القوة والشرعية، وبما أن لا يستطيع معاندة ماهو قائم من تلك المصادر، فسوف يوظف نفسه لأجلها، ولتذهب القيم التي نكتبها ونزايد بها إلى الجحيم.
كذلك لن يطيب للمستلبين عروبةً، خطو خطوة واحدة ليقذف الله في روعهم، أن مما يمكن دخوله تحت طائلة ذلك الوصف (أعلاه) لباشلار، شيئا من قول الأعراب الليبيين، بالرغم من أن غاستون باشلار لا يعرف إجدابيا، إذا افترضنا أن مثقفينا الأفذاذ يعرفوا باشلار طبعا.

وقولوا إن شاالله خير...

Abusleem@gmail.com
________________________

ـ كنا نتمنى أن يلتزم بعض هواة تسجيل النقاط المسروقة الصمت حيال ما يجري في لبنان وغزة، من حيث الهجوم على خصومهم الإيديولوجيين والمذهبيين، على الأقل أخلاقيا، فالأمم تصمت وتتحد عندما تلج (أو تجد نفسها مرغمة على الحروب)، وبعد أن تضع الحرب أوزارها يكون ما يكون... لكن الأخلاق صارت سلعة عزيزة جدا، بالنسبة لدعاة الثقافة ... مأجوري السلطة بمختلف أوصافها.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home