Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Monday, 18 September, 2006

راقد الريح يلقى العـظم في (الفاتيكان)

طارق القزيري

في القلقلان مراضك ... تشرتعي غراضي انا وغراضك
تترطشي ولا من ايجي في اعراضك ... وتكسدي بقو الجمل وتشدي
تشـرتعـي في قض(*) هاضا ودي
طولك وطول خطاك وين تمدي!!
                                                      المرحوم اشرف محفوظ

(1)

مرة أخرى تهبط من سماوات الحظوظ، مزيد الفرص لهواة الضجيج، وحواة البرغماتية السلطوية..... مرة أخرى : يجتمع الفرقاء، على محور الإسلام الدفاعي، ومرة أخرى يصبح الغرب مهمازاً محرضا للمسلمين على ردة الفعل الانفعالية اللاعاقلة، ومحرضا خفياً على الإمعان في تجاهلهم معين إشكالاتهم المصيرية الدافق.
مرة بعد مرة ، يقف الغرب ـ خدمة لمصالحه الإستراتيجية والإيديولوجية ـ في حلوق التنوير والحداثة اللواتي تأخر ركبهن عن عالم الإسلام زمنا مديدا، يقف مبتدعاً مواجهات مجانية، لا فائدة منها، في منظور إنساني عام، لكنها مثمرة جداً، وفق منطق الصراع الأثني والديني والحضاري.
البابا الذي يستعد لزيارة تركيا ـ كابوس الكنيسة أمام مشروع أوربا الموحدة ـ كان لابد أن يعلن موقفه من تركيا، فأختار إقامة حاجز منهجي وقيمي وإنساني بين المسيحية قاعدة الهوية الأوربية ـ بحسب الكنيسة ـ وبين المسلمين ودينهم، والمقصود ليس الأزهر ولا مكة قطعا، بل ما تخشاه الكنيسة، من فقد ريادتها لأوربا، عندما لا تصبح أوربا مسيحية، طالما كان أعمدتها وبواباتها على أخطر المناطق سخونة في العالم من ديانة أخرى كائنا ما كانت.

(2)

يسهل أن ندرك من تاريخ الحضارات وانبعاثها، أن لامجال لحضارة تزدهر تحت وطأة وجود آخر أقوى منها، أو يشكل في وعيها خطراً، الآخر الخارجي، دائما عنصر تثبيط وإعاقة، أراد ذلك أو لم يرد، فالحضارة الإغريقية، والمصرية قبلها، والإسلامية، ثم الغربية الحديثة، كلها ازدهرت، مع تلاشي حضور الغريب في وعيها وحسها الثقافي الجمعي.
الحضارة الإسلامية التي أنبعثت من مكة، لا يسجل ديوان الحياة السابقة لها ـ الشعر ـ حضورا للفرس والروم في خيالاتها، ولم يشعر عرب مكة وما حولها، وهم نواة تلك الحضارة، بحاجة لتصور أو توهم خطراً خارجيا، بل كان وعيهم هم، بأهمية موقعهم الجغرافي، واكتفاء مكة بدور الريادي في منطقتها، ساهم لاحقاً، في تنمية الوعي بالتفرد والاستقلال التاريخي ـ كما نقول اليوم ـ، أما حين تلاشى إحساس الغرب بخطر المسلمين جنوب المتوسط، واختفى وجودهم في محيط أوربا الجغرافي بخروجهم من اسبانيا وصقلية وغيرها، أصبح الفضاء النفسي والأخلاقي المجتمعي غير متلبد بأوهام الأخر وعقد المؤامرة أو النقص.
ويذكر بعض الباحثين في تاريخ النهضة وما قبل عصور الأنوار في أوربا، أن الرواد في أوربا، كانوا يلجئون لنسبة أفضل ما لديهم للمسلمين، كي يكون مقبولا لدى العموم يورد الجابري في مقال له (الإتحاد الإماراتية 03/05/2006) ما نصه: (يقول "اديلار دي باث" .....عندما تكون لدي فكرة شخصية أريد نشرها بين الناس، فإني أنسبها إلى غيري مدعياً أن فلاناً هو الذي قال بها ولست أنا صاحبها، ولكي يثق الناس بي ثقة كاملة، أقول عن جميع آرائي: إنها من ابتكار فلان ولست أنا قائلها، ولكي أتجنب العواقب الوخيمة التي تنجم عن اعتقاد الناس في أنني، أنا الجاهل، استقي أفكاري من أعماقي فإني أقدمها لهم بصورة تجعلهم يعتقدون أنني استقيتها من دراساتي العربية. أنا لا أريد أن أكون مرفوضاً إذا كان ما أقوله لا يروق للعقول المتخلفة، فأنا أعرف المصير الذي ينتظر العلماء الحقيقيين بين السوقة من الناس، ولذلك تراني أدافع، لا عن قضيتي، بل عن قضية العرب"). وهكذا كان الآخر عنصرا محفزا في وعي الأوربي، ولم يكن القول بأقاويله تبعية، وخيانة، ومرضاَ، لقد وجدت أوربا مساحتها في التحديث بلا عقد وتوهم الاختلاف، لتطور أوربا ما وصل إليها من (أبن رشد) مثلاً، وتحول تيار (الرشدية اللاتينية) إلى خطوة أولى، تجاوزتها أوربا لا بمعاداتها بل باستيعابها وتسخيرها لخدمة مشروعها الحضاري.

(3)

وإذا كنا اليوم لانستطيع إنهاء الوجود الغربي في وعينا كما في حياتنا، فإن السبيل الوحيد لتفادي أثره كعائق، هو في إضفاء نزعة العقلانية عند التعامل معه، ومع ما يصدر عنه، فتصور أن الغرب لا يسعى إلا للنيل من الإسلام، هو تصور بقدر ما يصدر عن طلاب السلطة وعناصر الصراع السياسي لدينا، الذين يوظفون كل شيء في مواجهة خصومهم من السلطة أو العكس، دون أي نجاح في إقناعنا بصدورهم عن موقف صحي تجاه الإسلام فهو كذلك يؤجل أي فرصة للاشتباك العقلاني مع ما يصدر من الغرب بكافة أطيافه بما فيها الفاتيكان كمثال رابض أمامنا.
فالموقف الصحي، يكون بعيدا عن الشعارات والخطب الرنانة، والبيانات ذات الصبغة السياسية، ولولا أن منّت علينا وكالات أنباء غير عربية بنقل ما قاله البابا نفسه، لما أمكن لنا التعرف على ما قيل، الحقيقة، أن أدعياء الدفاع عن الإسلام، هم باحثون عن مكاسبهم ومكاسب جماعاتهم فقط، والقليل منهم تدفعه الحماسة بغير تبصر، وإلا لتقدموا بخطاب علمي وعقلاني يوضح وجهة نظر الآخر ويرد عليها في نفس الوقت، ليوطد المنطق والحديث العلمي الموضوعي بدلاٍ من الخطاب التعبوي الذي نعذرهم إذ لا يتقنون غيره.
وما دمنا نؤجج مشاعرنا تجاه الآخر، بلا تفكر وتحليل ومنطق، فسيستمر هذا الآخر هو عدونا الوحيد، ونهمل مشاكلنا وأزماتنا المستفحلة، ويصير كل ما يأتي من الغرب واجب الرمي به في أقرب مكب نفايات.
الآخر (الغرب) وعقلية ردة الفعل، ونفسية المؤامرة، عوامل تتضافر لتكبح مسيرة التنوير الواجبة اليوم في حياة بني الإسلام، ولسوء الحظ أن الفاتيكان الذي كان موقفه في الأزمة الدانمركية إيجابيا، تحول هو الآخر لعنصر أزمة، ليزيد انصرافنا عن مصائبنا، المعرفية، والحياتية، ولنرمي بأمورنا على مشجب الآخر.
.... سوء حظنا تترامى أطرافه، ونداء الحداثة، مع ما يوجد سيظل خافتا، خائفا، فلا صوت فوق صوتهم، حماة العقيدة، والدين والشرف، وهم من لا يجدون أغراضهم إلا في القلقلة والإضطراب، والفقر والجهل والتخلف، ولذا فلا تجدهم ينتجون مبدعاً، ولا يدعمون متألقا، وكل مناحي الأنسنة لديهم محض هراء.

فهنيئاً لهم فرصهم المتوالية، ولا عزاء للعقل.

abusleem@gmail.com
________________________

(*) والقِضّة والقَضّةُ: الحصى الصغار: والقِضّة والقَضّة أَيضاً: أَرض ذاتُ حَصى.(لسان العرب)، وهنا حكاية عن الأرض الواسعة بلا قيود.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home