Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Saturday, 18 March, 2005

ليبيا: حصاد حقبة الكولونيل(*)

طارق القزيري

لأننا لم نختر ميلادنا من آبائنا، كذلك لم نختر وجودنا في أوطاننا
أوطاننا إذاً: كآبائنا، ليست هبة مقدسة فقط، ولكنها أقدارنا.
                                       الروائي الليبي: إبراهيم الكوني

" .... فحتى مؤسسة سيف القذافي (نجل العقيد نفسه) الحقوقية مسجلة في سويسرا، ليس فقط لأنها سترفض وفق التشريعات السارية في ليبيا، بل لكونها كذلك قد تشكل مبررا قانونيا، لمطالب من أفراد ليبيين آخرين يوما ما، يطالبون بمنظمات ومؤسسات مدنية. "

إذا ما سألت مثقفا ليبيا، عن العلاقة بين الدولة(السلطة) والمجتمع المدني، فمن المرجح أن يقابلك بالسخرية، ذلك أنه وفي الوقت الذي تزدحم به عوالم الثقافة العربية بالحديث عن المجتمع المدني ومؤسساته، يظل هذا المفهوم، في الواقع الليبي، أمنية أو لعله وهم، كما يصفه المثقفون هناك.

حتى السؤال عن العلاقة والتقاطع والإتحاد بين المجتمع المدني والأهلي يعد ترفا غير ذي جدوى، إذا أنه لايعرف ولا يدرك أي شيء خارج السلطة نفسها، فتمدد الجسم السلطوي بفعل حرارة الشمولية الفاقعة المهيمنة على المجال السياسي الليبي جعلت كل شئ محكوما بمدى تطابقه لامع معايير السلطة فقط، بل تطابقه مع رغباتها المتغيرة والمتصفة بالنزق في أحيان كثيرة، إذا بمثل ما تتقلب السياسة وتوجهاتها في ليبيا، بصورة حادة وغير ممكنة التوقع المسبق، فإن المهام المناطة بالمثقفين (في بلد يحدد بصرامة تلك المهام) تكون تابعة لتلك لتغيرات الفجائية اللامستقرة.
وفي غير مرة أعلن أقطاب في الدولة الليبية ومنتفذون فيها أن خطاب الدولة لا يعترف بالمجتمع المدني ويعتبره اكذوبة غربية لإلهاء الشعوب عن نفسها ومحاولة لجرها لمفاهيم بالية وزائفة، بل أعتبر دعوة حزبية في بلد تقضي تشريعاته بتجريم كل شكل حزبي.
فقبل عامين منع أحد اكبر شعراء ليبيا (علي صدقي عبدالقادر) من إلقاء قصيدة ضد الولايات المتحدة، في مدينة زليتن (160كم شرق طرابلس)، بعد أن كان مجرد الوقوع في عرض الدولة الغربية الأكبر، ميزة، ومنهلا كبيرا من المنافع والمناصب والألقاب، بل قطع النقل التلفزي، عندما أصر الشاعر العجوز على موقفه.
غير خافي أن كتّابا ذوي صلة جيدة بالدولة – بشكل ما- منعت كتاباتهم بشكل ارتجالي، لخوضها في مواضيع كان مسموحا بها ذات يوم، كما حدث مع السيدين أمين مازن (أمين رابطة الكتّاب) ومحمود البوسيفي(نقيب الصحفيين) اللذين منعت كتابات لهما، لتغير الخط السياسي للدولة على حين غرة فيما يبدو، ولهذا يتندر الكتّاب في ليبيا، بأن الموافقة لابد من كونها خطية، أما الرفض فهو ضمير مستتر تقديره غياب الموافقة نفسها أو تأخرها.

إن حالة المؤسسات والكيانات المجتمعية خارج مظلة السلطة تلخصها المعايير المطلوبة: فليس غريبا أن تجد في قائمة شروط التقدم للحصول على درجة الماجستير في اللغة العربية مثلا بندا ينص على أن:
يكون المتقدم(الطالب) مؤمنا بالثورة ومبادئها قلبا وقالبا (بالحرف)، وسيترك موضوع (قلبا) لتقدير المسؤولين وبمعرفتهم طبعا، أما قالبا فسيكون من شأن المربعات الأمنية في كل حي سكني توفيره.

ومن الشروط المشهورة: أن لا يكون ذوي الصفة القيادية في أي رابطة ثقافية أو أهلية من ذوي السوابق السياسية، مع العلم بأن السابقة السياسية لا تعني إطلاقا الإدانة القضائية، بل فقط المرور على الاعتقال العشوائي ولمدة تتجاوز الأشهر المعدودة ليصير المرء منبوذا تماما ومذنبا لامجال لإثبات براءته، بل وأكثر من هذا لابد من كونه عضوا في اللجان الثورية، وهي الحزب الرسمي والوحيد في البلد، وبمعنى لا يختلف وضوحا، لابد من أن تنطبع مثالات السلطة المتعالية على الواقع تماما، ليحوز على وصم الشرعية ولو إلى حين!!!.... فحتى مؤسسة سيف القذافي (نجل العقيد نفسه) الحقوقية مسجلة في سويسرا، ليس فقط لأنها سترفض وفق التشريعات السارية في ليبيا، بل لكونها كذلك قد تشكل مبررا قانونيا، لمطالب من أفراد ليبيين آخرين يوما ما، يطالبون بمنظمات ومؤسسات مدنية.

وفي ظل هذا كان النتاج الثقافي قد بلغ من الرداءة مرحلة بالغة العراء، وأصبح الحق في إصدار الكتب وطباعتها على حساب الخزينة العامة، حقا لا لأصحاب الكفاءات والمكرمين والمتفوقين، بل فقط لمن يستطيع أن يكسب رضا السلطة، مهما كان مستوى نتاجه، فحتى جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية التي تنتقد في الدول المجاورة لليبيا، باتت حلما، وربما إشارة إلى ماض بدت حتى أثاره في التضاؤل من الذاكرة التي أشتد الإهتراء يغزوها بفعل كل عوامل التعرية والمصادرة والكبت الثقافي والإجتماعي البالغ القسوة. والرقابة على الكتب متعددة المصادر حيث هناك لجنة رقابية تتبع رابطة الكتاب وهذه تمنع الكتب بحجج فنية ثم هناك رقابة المطبوعات، وقد أشار الكاتب احمد الفيتوري في مقابلة نشرت منذ أعوام بجريدة العرب(اللندنية) أن لجنة رابطة الكتاب منعت له كتابا بحجة أن هناك أخطاء تاريخية مثل أن أول ديوان شعر ليبي صدر عام 1898 في حين الصحيح هو 1892 وتتكون عادة مثل هذه اللجان من الكتاب الموثوق فيهم سلطويا، فالرقابة في ليبيا عموما ثلاثة مستويات:
ـ الناشر ودائما هو جهة عامة.
ـ ثم رابطة الكتاب.
ـ ثم رقابة المطبوعات.

بل إن الأمر لايعدو كونه كوميديا سوداء: عندما يمنع أي بروز شخصي، كذكر أسم أي وزير في الإعلام المحلي والوكالة الرسمية للإنباء، وحتى لاعبي كرة القدم ظلوا فترة طويلة يذكرون كأرقام عند التعليق على المباريات الرياضية في حالة نقلها تلفزيونيا، من هذا الشأن القرار الذي أصدرته رئاسة الوزراء في ليبيا نهاية الثمانينات، وبمشورة وزير الإعلام آنذاك السيد الدكتور رجب بودبوس، ((وهو إيديولوجي حرفي)) بنقل الكادر الوظيفي لوزارتي الإعلام والرياضة إلى هيئة الأمن الداخلي والخارجي.

بعد هذا كله هل يمكن فعلا الحديث عن مجتمع مدني ولو مشوه في ليبيا؟؟ فمن مقومات المجتمع المدني الاستقلالية والمبادرة من الأفراد ففي بلد لايعترف بالفرد أساسا ومع وجود خطاب سياسي علني من الدولة ينص على الكفر بالمجتمع المدني، ووصفه بالمرادفات الخيانية!!! لهذا فربما كان ذلك السؤال نفسه متطرفا بشكل ما.

ولكن ماهو السؤال الأجدر بالنقاش؟؟ طالما أن الحصاد مرشح للمزيد... ما أستمرت حقبة الكولونيل وإن مائة عام يعقبها التوريث.... وليعذرنا غارسيا ماركيز!!!

طارق القزيري
abusleem@gmail.com


(*) سبق لي نشر هذه المقالة في موقع "إيلاف"،18\3\2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home