Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Monday, 17 July, 2006

 

تجليّات اليأس المُروّض (1)

طارق القزيري

عـزيزي :
دعني أولا أعرب عن المفاجأة التي باغتتني، حينما استلمت رسالتك، لسبب بسيط، وهو أنني أعيش الحالة التي ذكرتها أنت تماما، عندما قلت أن اليأس يخيم على الناس، ولا أخالني إلا ممن يخيم عليهم المقصود تماما مع فارق أو أكثر: فأولا : أنا يائس بطبعي، لعلني ولدت كذلك، ويأسي في أن أحوز شيئا ولو معنوي مما فعلته أو أفعله أو سأفعله، ببساطة لدي هاجس (الكلب بالبحر)، لا أدري أساسا هل قدمت شيئا أم لا؟ لكن الشعور نفسه موجود بغض النظر عن صحته صوابيته وسلامته.
ثانيا: أن الناس إذ يكسوهم اليأس، فهم يعانون من نقص الآمل، بمعنى أنهم يريدون الآمل، ولا يجدونه، آما أنا، فلا أريده، اذكر دائما قولا لشاعر عن (برد اليأس بين جوانحي)، هذا بالضبط ما يجعل اليأس مشروعي المنقذ، صدقني بعكس كل النمطية السائدة في تفكيرنا، ربما يكون ما نحتاج إليه فعلا، التشبع باليأس، نعم التشبع باليأس ربما هو الملجأ الآن.....
ولك تفصيل ما أقصد :
قبل أيام كان لدي صديق، وصف ساحة خلف نافذة بيتي أنها (جنّة)، وربما لأنني أعتدت عليها، استغربت قليلا من شدة إعجابه بها، رغم كونها جميلة فعلا.
قبل ذلك بأيام كنت أجلس في الشرفة، مع قهوتي صباحا، وكان ثمة طائر، يزقزق، فكرت لو أن ثمة شاعر هنا: ترى ماالذي كان سيحكيه عن الطائر المزقزق هذا؟؟
أغلب الظن أنه سيقول أنه يناجي حبيبته أو حبيبه؟ أو أنه يشكو فراقا، ويندب حنيناً؟؟ ولكن هل ستسمع شاعرا يقول لك: أنه يرفه عن نفسه، أو أنه يغني بمجرد الطبيعة وبلا هدف؟؟ أعتقد أن هذا مستبعد!!
ليس لأن الشاعر سينعدم غرضه الشعري إذا فسر هذا التفسير ونحنا بالمنحى هذا فقط!! بل كذلك لأننا نعيش على نمط واحد، ونرى العالم من عين اعتادت أن ترى بشكل معين، وتفسر وفق قوانين معينة، الشاعر لا ينتج جديدا، إنه يعيد الإنتاج فقط، وكذلك نحن في شؤوننا أو أحاسيسنا .... لا فرق.
من هنا فقط، وبذلك، يمكنك أن تتفهم كيف يمكن لليأس أن يكون ملجأ، وان يكون له برد بين الجوانح.

الحديقة ذات المنظر المعتاد، الطائر المزقزق المغرد؟؟ كلاهما إما أن نسلب عنه صفة ما أو نهضمه إياها، كما فعلت أنا مع الحديقة بحكم الاعتياد!!
أو نضفي عليه صفة مجلية ومبالغ فيها بحكم الغرابة وعدم الاعتياد على غير ذلك كضيفي مع حديقتنا أو الشاعر مع الطير!!!.
وهكذا نحن في الحقيقة مع الأشياء، نرى من حرماننا أو نراها من أغراضنا أو نراها بطريقة لا يمكننا أن نرى بغيرها بحكم الثقافة و ظروف الحياة.
في روايته (1984) يقول جورج أورويل وهو يحكي عن امتثال وخضوع أعضاء الحزب في حقبة شمولية، (الالتزام هو اللاوعي)، بالضبط هذا ما يحدث معنا نحن نلتزم بالكثير من ألأشياء ونرددها فقط لأننا في لا وعينا، ((حيث لا تفكير ولا شعور ولا إحساس)) هي جزء من استقرارنا الداخلي، الذي لاندافع عنه فقط، لقناعتنا به، بل لأن عكسه يمثل إمكانية الفناء أو إرهاصات التلاشي أو الضياع.
أحيانا (وكما قلت لك من تجليات حالة اليائس): أبادر نفسي بالسؤال : ثم ماذا بعد؟؟ صدقني السؤال هذا بالذات: هو ما يسلب عنا حالة اللاوعي، حينما ندرك، أن نهاية المطاف في الحقيقة، ليست شيئا ذي بال.
ربما أطلت عليك ، ولكن قصدي لم يكتمل ... فدعني أواصلك بتكملة إذا لم يغتل رغبتي يأس ما، طالما أغتال الكثير غيرها وسيغتال!!
لك فائق تقديري واعتزازي.

Abusleem@gmail.com


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home