Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Thursday, 16 November, 2006

الدكتور الفيتوري وإشكالية الطرح

طارق القزيري

باستثناء الطرح الذي تقدم به (الدكتور محمد بالروين)(1) في الفكر السياسي والنظرية الإسلامية في بعدها السياسي، تخلو المكتبة الليبية من أي إسهام أسلامي فكري ذي بال، لكن كتابات الدكتور عبدالحكيم الفيتوري، التي ضمّنها أخر ما كتب على الانترنت، تمثل مغامرة نوعية تجاه مقاربة السائد المعتم في التراث الإسلامي لجهة تفهمه والتعاطي معه.
ما يثير في ما يطرح د. الفيتوري، هو الرغبة في إزالة عوائق أو صوارف الفهم، فطرح بدائل للمتاح أو المشهور، يمثل قنطرة العبور لإشكاليات منهجية وجزئية على السواء.

لأول وهلة تبدو مقاربة الدكتور الفيتوري عامة تخص فهم الشريعة، وهي لا تبدو ذات صلة بوجهة معينة، ولكن الأمر سيختلف حينما نحدد الأفق العام (للأطروحة الفيتورية)، أنها مشغولة بالفهم وليس بالشريعة، بصيغة أخرى : هي ترد على ما يبدو غير جدير بالشريعة وقد نسب أليها وألبس بها، وهي بهذا التناول لا تعدو كونها ردة فعل معرفية، أكثر منها تأسيس معرفي.

هل هذا اتهام بالقصور : بالتأكيد نعم...!!! صحيح إن الاتهام مقصود لكن ما يشفع لدينا أن طرح الفيتوري متماسك لحد أمكانية نقده، أنه ينتج مفاهيمه، وتبدو إمكاناته منه لا من خارجه، ليس سهلاً أن تجد منتجاً إسلاموياً(2) يمكن نقده، ففي العادة تكون هكذا كتابات قائمة على الخطابية، والتعميم بشكل يمنع حتى القراءة ناهيك عن نقدها وتأسيس كتابة انطلاقا منها بالذات.
في عجالة سنطرح ثلاثة إشكالات تتلبس النص الفيتوري، وتجعله لا يأخذ مداه الأقصى في مشروعه أو على الأقل طموحه المشروع... وهذه الإشكاليات سنعرض لها بالتمثيل في عجالة تقتضيها طبيعة المقال من خلال كتابات الـ د. الفيتوري ما أمكن والإشكالات المقصودة :
     ـ  الإشكال المعرفي النظري : التفكير المقاصدي.
     ـ  الإشكال المفاهيمي : حدود الفعالية.
     ـ  الأشكال المنهجي : وحدة وتماسك الإطار المرجعي.

الإشكال المعـرفي

هذا المشكل يتحدد بمدى علاقة الدكتور الفيتوري، بالعلوم الإنسانية الحديثة، فهو يقول في (فلسفة تطور العقل وتدرج الشرع) (1/3) القضية الأولى: فهم فلسفة تطور العقل البشري في أطواره المتعددة؛ من عقل فطري إحيائي، مرورا بالعقل التقابلي، ومنه إلى العقل البرهاني، وصولا إلى العقل المقاصدي؛ الذي يعد بمثابة العقل الختامي في سلم تطور العقل البشري.

قبل الاعتراض على هذه المقولة، التي تشي بعدم مواصلة الكاتب للعلوم الإنسانية المعاصرة، لابد من التدقيق في مفهوم (العقل المقاصدي)، فهو من المقصد (= الدافع والغاية والحكمة)، ونسبة العقل إليها يعني آلية بحث وميكانيزم معرفي أو خطوات تعتمد بشكل منهجي وثابت لاكتشاف ظاهرة ما.
وبما أن الوصول لمقصد هو بحث عن السبب، فهل يمكن تعديل المصطلح إلى (العقل السببي)؟؟ وهل يكون العقل إلا سببياً؟؟ (راجع مفهوم Reason قاموسياً).
عند التدقيق لا يبدو أن هناك شيء أضافي في تقرير المقاصد والدوافع (الوضعية)، عن الاستقراء الذي هو بمعني ما : النظر في الجزئيات للوصول لحكم (أو مفهوم) عام.

فهل يصح أن نقول : أن الاستقراء هو بمثابة العقل الختامي، وهل يمكن أن يكون هناك ختام في تطور العقل وآلياته في البحث ( ماذا عن فلسفة النسيج والتفكير المنظوماتي وهي نتاج مراجعة منهج البحث في الفيزياء.)(3)

الإشكال المفاهـيمي

يقترح الدكتور الفيتوري لتفادي المشاغبات التي ترد على الشريعة من الأفهام غير المناسبة، يقترح حزمة مفاتيح مفاهيمية يراها كفيلة بالتدارك على تلك الأفهام وهذه المفاتيح/ المفاهيم من قوله في مقالة (جدلية النص والتاريخ): (اجتمع في شخص رسول الله ـ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ أبعاد ثلاثة (البعد الرسالي، والبعد القيادي، والبعد الجبلي)، فكانت السنة (التشريعية، والقيادية، والجبلية)، فالأولي لازمة لعلاقتها الوثيقة ببيان الرسالة الإلهية، والآخرين في دائرة المباح لعلاقتهما بالجوانب الاجتهادية والتجارب والخبرة البشرية) ويوظف هذه المفاهيم في سلسلة مقالات اندرجت تحت لاحقة (إشكالية الفهم) كالإجماع وحكم المرأة وقتل المرتد الخ ...
المهم هنا أن الفيتوري لا يحدد مدى نجاعة هذه المفاهيم ومدى قوتها لتصمد أمام الإشكالات الناهضة، بمعنى أين يمكن أن نستخدمها وأين لا يمكن؟؟، وضوح مدى الفعالية لا يقلل الخطأ فقط بل يشي بمدى صلابة النظرية التي تأسست عليها.
صحيح أن هذه المفاهيم هي خاصة بالسنة النبوية كما هو واضح وكما يشير الكاتب، ولكن ماهي الضوابط النظرية لاعتمادها، وبقدر ما ذكر د. الفيتوري الحاجة لهذه الضوابط فهو لم يتعرض لها مباشرة، فلا يأتي الكاتب مثلاً على (تاريخية مفهوم السنة نفسه وليس فهمها فقط) فالشافعي هو أول من استخدم اللفظة المذكورة: وبالتالي فكل حمولاتها الدلالية تأتي من هنا، فهل يريد العودة إلى ما قبل الشافعي مثلا؟؟
والأهم من كل ما سبق إذا كان المشروع الفيتوري هو لتحرير النص من التاريخ ، فإن فصل أسلام النص عن إسلام التاريخ لا يكفي فيه التعلق بالسنة، إذ ما هو الموقف من القرآن؟؟ وهل ثمة نصوص تاريخية في القرآن كما وجدت نصوص تاريخية في السنة؟؟.

ووجود هذه النص التاريخي القرآني يعني محدودية المفاهيم/ المفاتيح السابقة بتسليمنا أنها منتجة في حدود ما، وعدم وجودها يعني أن مفهوم إسلام النص وإسلام التاريخ، هو في الأحاديث والأفعال النبوية (الفعلية والاعتبارية) فقط. وهذا ينقلنا للإشكال التالي والأخير في هذه المقاربة!!

الأشكال المنهـجي : وحدة وتماسك الإطار المرجعـي

في سياق تعرضه للمسائل المثارة، يستخدم الدكتور الفيتوري نصوصا شريعية (قرأن وحديث)، والقضية التي ينبغي الإشارة إليها هنا أو طرحها للنقاش : مدى تماسك الإطار المرجعي للفيتوري في شقي الثبوت و الدلالة؟؟.
القاعدة الثابتة هنا أن نزع الموثوقية عن أمر لا يمكن التراجع عنه بالرغبة أو متى نريد، وإلا بطل ما سبق نفيه أو إثباته: ففي قضية (حكم المرأة أو توليتها) نفي الفيتوري صحة حديث أبي بكرة في البخاري وهذا أمر مقبول مبدئياً فهو ليس أول من يتحدث في البخاري، لكن سيجعل من أي اعتماد على الصحاح أمراً انتقائيا غير مقبول البتة، فمادام البخاري ليس حجة لذاته فكل ما سيأتي منه يحتاج لدليل خارجي ومجرد وروده لا يكفي... وهكذا فالخروج من إشكالية حق المرأة يوقع في إشكالية يرفض الدكتور الفيتوري الاعتراف بها وهي أنه لم يعد هناك سنة ثابتة (ولو بغلبة الظن) يمكن تصحيح فهمها.

ويبقي أيضا بعد الثبوت أمر الفهم : والنص التالي يجعل الاعتماد على فهم السلف السابقين لا معنى له وهم من أخطأوا في فهم أصول التشريع رغم أن النصوص والدلالات واضحة يقول الدكتور الفيتوري (بتصرف مني): وقد استدل العقل السلفي على سلطة الإجماع ببعض عمومات الأدلة من القرآن والسنة (مثل:) ومن يشاقق الرسول.. علما بأن سياق الآية وسباقها ولحاقها لا يشير لحجية الإجماع من قريب ولا من بعيد ..... ، والغريب أن حجية الإجماع موقوفة على السنة، وهكذا وقع العقل السلفي في مأزق الدور والتسلسل، فالسنة ثابتة بالإجماع، والإجماع ثابت بالسنة وهلم جرا!!
السؤال : هل ثمة أمكانية للتعويل على فهم السلف بعد هذا النقد؟؟، ومقولة لم يقل به أحد من قبل ستكون لا معنى لها، والمهم ليس ما سبق بل: ماهو الإطار المرجعي الذي يستخدمه الدكتور الفيتوري في تقرير صحة ثبوت النصوص (والبخاري ليس حجة وغيره من باب أولى..) وكذا دلالة النصوص ماهي نظرية التناول وآلية الفهم المعتبرة، طالما (العقل السلفي) بهذا الفهم..؟؟.

هذه مجرد مقاربة عابرة لمشروع ورغبة رأينا أنها تستحق وقفة... ولا أخفي (بلا مجاملة) إعجابي بطرح (الدكتور عبدالحكيم الفيتوري) ودماثته بشكل يخالف فيه من زاولنا ممّن تملأ مصنفاتهم الأصقاع وأقاويلهم الفضائيات بلا كبير معنى..

دمتم على خير.

abusleem@gmail.com
________________________

(1) نرجو أن نقف بقراءة مع إصدار الدكتور بالروين (التعددية السياسية في الدولة الشورية) في أقرب الآجال.
(2) كما ذكرنا في مقالات سابقة نقصد بالإسلامي ما ينتمي للدين كنصوص وقواعد عامة أو المأثور التاريخي، وبالإسلاموي ما ينتمي لاجتهادات المسلمين وخاصة الدعاوى الأيديولوجيا السياسية المعاصرة.
(أنظر للكاتب : على هامش تصنيع القداسة).
(3) لنظرة عامة ومبدئية أنظر (( معايير التفكير المنظوماتي )) لـ فريتيوف كابرا/ موقع مجلة معابر.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home