Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

الخميس 16 اكتوبر 2008

فوبيا بالاستعارة

طارق القزيري

استطيع القول باطمئنان أنني شجاع – على الأقل شجاع لحد كاف – حتى في دراستي الثانوية، عندما كانوا يحلقوننا "عالصفر"، كنت أفخر بان الصدمات في مقدمة رأسي أكثر منها في الخلف، ولابد من الاعتراف على احتكامي آنذاك لتكتيك مزدوج :

فمن جهة لا أحد كان يومها – وفي مصراته بالذات - سيعطي رأسي الأهمية اللازمة لكي يمضي دقائق طويلة في تعداد الضربات به. ثم أن قضية تقدير أين ينتهي الأمام؟ وأين يبدأ الخلف؟ قضية شائكة قليلا !!. فيما لو أصر احد على بدء العد فعلا.

ومع هذا فثمة أمر لم ينفع فيه أي تكتيك وهو خوف الطائرات وركوبها، حتى أني كلما شاهدت طائرة في الجو، تخيلت نفسي فعلا أحد ركابها، وأنني سيصيبني الرعب من "فوبيا الطيران"، فأرتعب وأنا في مكاني على الأرض.

والحق أنني سيء الحظ، فما فكرت أو عزمت على السفر، إلا وبدأت الطائرات تتساقط حول المعمورة من اندونيسيا حتى بوليفيا مرورا بروسيا ونيجيريا، حتى يخيّل إلى أن سفري أو تفكيري في السفر، خطر على البشرية. ولكن الأخطر أن معدل رعبي يزداد بصورة أكثر من ذي قبل ... وبمراحل.

ويبدو أن ما يصيبني هو بدرجة فظيعة حتى أنه ينتقل كعدوى الآخرين، ولم أكن أعلم هذا، قبل أن أسافر ذات مرة، وفيما كنا في انتظار انطلاق الطائرة، فتحت الأبواب، وجاءت سيارة لشركة صيانة، وصعد مهندسون، وصرت أسمع ضربات المطرقة وأشياء مشابهة في مؤخرة الطائرة، بالقرب مني.

الصيانة التي كنت اسمعها، وتزيد من رعبي شيئا فشيئا، لا تختلف تقريبا، عن ما تسمعه بأي ورشة حدادة، وتذكرت يومها كل الأوصاف السيئة التي تطلق على الطليان – كنا في مطار روما - وأنهم فوضويون، ومتخلفون عن أوروبا. وصار أملي الوحيد أن يعلن الكابتن أن طائرته التي خمنت أنها اهترئت من مطارق الصيانة لن تقلع اليوم، وربما إلى الأبد.... لكن المطارق صمتت، وابتعدت سيارة الصيانة، وبدأت الطائرة تتحرك لتقلع .. غصبا عن من أحب ... ومن خاف.

في أثناء الانتظار جلس بجانبي راكب برتغالي، يحمل مجلة عن سباق "الفورمولا 1" وأسعفتني بقايا لغة ايطالية استعملتها معه، لنتحدث عن "شوماخر" الذي كان يملآ الدنيا يومها. قاصدا أن أبعد عن نفسي رعب التفكير في أنني سأكون فوق السحاب، محمولا بطائرة كان تدق بكل هذه المطارق التي اسمعها الآن!!!.

أنشغل جليسي البرتغالي بمجلته، ثم يبدو أنه خطر له – بعد صعود الطائرة اللعينة - استئناف حديثه معي مجددا، ولكن ما إن نظر إليّ حتى شاهد إنسانا آخر، مختلف تماما، يتراوح لونه وجهه بين الأحمر والأزرق، تصدر عنه حشرجة هي اقرب لمحتضر يلفظ أنفاسه، منها إلى راكب طائرة سياحية، وقد تخشب جسمه، وتصلب ظهره، وأمسك بالكرسي من مقبضيه وكأنه سيرمى به الآن و توا إلى سحيق.

حاولت جاهدا أن أدير رأسي وأجاريه في الحديث ربما يخفف عني بعض ما بي، فلم استطع أكثر من أن أرى وبطرف عيني، وجه جاري وفمه يفتح ويغلق، وعيناه جاحظة وهو ينظر إلى مستغربا – ربما – من أمري وقد كنت قبل هنيهة بشوشا على الأقل كما بدا له لحظتها.

بعد مرور ثلث ساعة تقريبا، دب في نفسي الهدوء، ولكنني لم استطع أن أمد يدي للطعام أو القهوة التي حاولت المضيفة فرضها على ابتسامتها، وقد بدت مطلية بسخرية، ولو أنها تتكلم بالليبي لقالت لي "مش عاجبك أنزل".

فوق جبال الألب، لم استطع أن أقاوم رغبتي في رؤيتها بأي شكل، فمنذ الصغر وكلمة الألب تزدان في مؤخرة ذاكراتي، بشيء من رونق البهاء والعظمة، فتجاسرت على مد يدي للنافذة وفتحها وكأني استدعي عزرائيل للداخل، وألقيت بنظرة على جبال يكسوها ثلج متناثر بدا بعضه في الذوبان، لكن ظل مقاوما شمس مايو، في مساحات كبيرة، من على قمم يغطيها بإصرار.

وعندما أقفلت النافذة، صرت أتخيل الطائرة وقد صرت نتفا وأبعاضا على سفوح هذه المرتفعات، وظللت في خيالاتي، حتى بدأت الطائرة تستعد للهبوط. وفي باريس، خرجت من الطائرة وكأنني ولدت من جديد.

ولأن الطائرة تأخرت في روما، فقد تعطلت رحلات أخرى لشركات عليها حجوزات لركاب طائرتنا، ووقف في نهاية الممر موظفات يلوحن بأوراق كتب عليها أسماء وجهات لركاب "ترانزيت"، وكادت أول ورقة أمامي تصيبني بالإغماء، وقفت بها حسناء تنتظر ركاب رحلة إلى " لوس أنجلوس". مجرد التفكير أنني سأسافر في رحلة لمدة تسع ساعات قادمة، لن يكفي فيه الإغماء بكل تأكيد.

في انتظار الطائرة المتوجهة لأمستردام التقيت بجليسي البرتغالي، ولم تلتق عيناه بعيني حتى امتقع لونه، وغير وجهته فورا. بعد هذه الرحلة قررت أن أسافر في "القطار" قدر الإمكان، ولكن حالما نويت السفر، قرأت في صباح اليوم التالي، عن خبر تصادم قطارين !!.

وفي المساء أعلنت شركة السكك الحديدية الهولندية، عن أن "الصدفة وحدها" أنقذت قطارين - ألماني وهولندي- من التصادم، بعد أن تعطل نظام التنبيه الآلي لسبب غير معروف، ثم عاد واشتغل بنفس الطريقة.

يومها اتصل بي صديق – وكان يعلم برغبتي بالسفر - واستحلفني بالله فيما إذا نجحت في اختبار رخصة قيادة السيارات، أن أخبره فورا وبلا تأخير، فسألته لماذا ؟؟

فصاح بي : كي اسلّم رخصتي للبلدية طبعا.

Abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home