Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

السبت 16 أغسطس 2008

إحبوس وفلوس

طارق القزيري
إلى أول رفيق بمعتقل بوسليم بالقاطعين 7 ـ 8 " الانفرادي"
إلى المظلوم الحي : محمد بوسدرة

السجن السياسي أمر أكثر من مجرد ذكرى مصيبة أو مأساة شخصية، بل تتعدى إلى كونها اختراق لسنن الحياة نفسها، وشاهد ذلك الحاجة الفطرية للحرية، تلك الحاجة والحق الذي لا يعدله شيء ولا يقف دون التمتع به عذر .. ولا وطن!!!.

فالسجن هو علامة الضعف، ودلالة الامتهان، وفي الأثر أن الرسول "صلعم" قال (لو كنت مكان يوسف لبادرت الباب).

ولعل وهم إضفاء البطولة على السجناء – لمجرد سجنهم – يبعدنا أكثر عن كفاح السجن كواقع ينافي طبيعة الإنسانية ذاتها. فالبطل والاستثنائي لا تخلقه الظروف، وإن كانت مجرد سبب في علمنا به. وإلا لكان للسلطة ما تمن به علينا إذ نتمتع بكل هولاء "الأبطال" وكأننا نخفف فداحة الظلم بطريقة أو بأخرى.

تعويضات :

وقد تناثرت الأحاديث مؤخرا عن تعويضات التي ستدفعها السلطات الأمنية الليبية للمعتقلين السياسيين، بحيث سيمنح كل سجين – حسب المنشور - مقدار ( 2000 د.ل عن كل شهر ).

وقضية ربط التعويض بالزمن - فقط - هو تحايل على الجريمة نفسها، بغض النظر عن الضحية، فهي تجعل المرء مجرد أيام لا مشاعر ولا أحاسيس. ومن جهة أخرى تجعل البشر قطع اسمنت متساوية، ولا فرق في الظروف ولا في التبعات عليهم، و لا يعانون إلا بمقدار واحد وبوجع لا يختلف. وتجعل الجاني أقل مسؤولية ... بل وتصنف أفعاله في الخطأ العرضي، لا كما هو واقع الحال كـ "جريمة ممنهجة".

وكلمة تعويض تبدو قاصرة عن التعبير عن معاناة البشر، بل تبدو وكأنها صياغة تجارية، لرد الخسائر، فماذا لو كانت الخسائر من نوعية لا تعوّض ... أبد الدهر ؟؟.

أزواج :

مما أذكره قصة الطبيب الذي اعتقل في بنغازي من فراشه ليلة زفافه "الخميس ليلا" وذهب به للسجن لستة أعوام أو أكثر، وتطلّقت زوجته وهو في المعتقل، والداهية فعلا أنها أنجبت من تلك الليلة، فلم يكن حرمانه هو الجريمة فقط، بل حرمان زوجته وتدمير الأسرة نفسها.

ومن المضحك المبكي حكاية سجين اذكر أنه من الجبل الغربي، تحصل على "واسطة" للمشاركة في عزاء والده بعد يومين أو ثلاثة من وفاته، وبعد 48 ساعة عاد لزنزانته، وكم كان الأمر محرجا أنه وبعد تسعة أشهر من وفاة والده اخبروه في زيارة له، أن زوجته أنجبت له طفلا.

كرامة :

شهر أو 30 يوما، هكذا تختزل معاناة الإنسان بالصياغة اللفظية المضللة، ولا تعكس إطلاقا شعورك بمدى الامتهان من أن تكون تحت قبضة " شرطة عسكرية" فإن لم يؤذك ويهينك، فبفضل منه وتكرّم .. وهل هناك أقسى من يجود عليك أمثالهم بكرامتك.

بل إن رؤيتهم نفسها تكلفك الكثير من المجهود النفسي، وأذكر أننا كنا في الغرفتين (9 – 7) ( كما يعرف الكثير من قراء هذا النص ممن عاصرونا في المعتقل) لا نتحدث للحراس ولا ننظر إليهم لدرجة أننا أَعتبرنا (تكفيريين) لمثل هذه المواقف وغيرها. وفرض علينا سجن داخل سجن، فحرمنا من الفناء "الآريا" لعامين بسبب هذه التهمة في حين كانت كل الزنازين تخرج يوميا .. تقريبا. وكنا نعيش كلنا الشهر 30 يوما.

ومن هذا ما قاله (المغدور إبراهيم الفنشة) : عن ضوء المريمي احد الحراس المخضرمين في بوسليم :
من يوماً ريتك يا ضو ... انكان ما جعنا صقع ونو !!!.

السن والوجاهة :

الحاج حمد من غريان تجاوز السبعين عاما، لا تهمة له، فقط كان مؤذنا في جامع قريته، وحدث أن المسجد شهد خلافات بين المصلين ممن كانوا يسمّون بـ " الصحوة" وكبار السن، فجلب كشاهد – أو هذا المفترض – فبقى لأكثر من 6 سنوات ... الإضافة الوحيدة انه كان ضريرا لا يبصر ... فعشنا مسرحية عادل إمام .... وعاش الحاج حمد الشهر 30 يوما.

المغدور " جمعة ...." قال لي ذات ليلة من أغسطس، بعد أن أطفئت الأنوار وهو يتضور جوعا، ويشتاق لقطعة خبز، فلم تعد الدنيا تعني أكثر من شبعة تبعد تضوره " والله نطلع من هنا نشري كوشة خبزة وناكلها بروحي". لكنه لم يخرج وراح شبابه مأسوفا عليه. وكم عاش المعتقلون من أيام هي 24 ساعة، لكنها كانت محسوبة بالثواني واللحظات : ألم بألم ودمعة بدمعة وحسرة بحسرة .... فكيف سيحتسبون تعويض هولاء ؟.

..... الحاج (.....) كان قصة أخرى، فهذا الدرناوي الجميل، يقال عنه انه صاحب تجارة، ومال. فوجد نفسه يتضور جوعا، ويمنون عليه بـ "فردة خبز" يوميا، وذات يوم زادوا في نصيب المعتقلين لديهم من "الدخل القومي وحصة النفط وثروة المجتمع ... الخ" فصار نصيب كل واحد " فردة ونص" : فقال في مطلع قصيدة متهكما :
مبروك الفردة والنص .... أعزم صاحب والباقي دس.

... وذات مرة اخبرنا وقد فاض به حنينه لأيام عزه، أنه كان يجمع أبنائه وأصهاره وأولادهم كل يوم خميس ويذبح خروفا، يمضيه بين الشواء والطهو، مقارنا ذلك بعظام الدجاج المنقوعة في السائل الأحمر المسمى " طبيخة" وقال :
بعد ذبح حوالي ونعاج .. وحوت اقجاج .. سماح أتقول جواهر تاج
وسمن جبل ابيض رجراج ..
زماني ماج ... ونا انقرقد في عظام دجاج ...


من سيحكي لك عن إحساسهم كلما سمعوا صوت حذاء الزبانية في الممر منتظرين أن ينادوا على الاسم الأول للسجين ليصطحبوه للتحقيق ؟. فيتلبس كل فرد منهم رجاء مكتوم أن لا يكون هو المطلوب. لهول ما سيجده أمامه .. من يعوض هولاء عن رعبهم من الاهانة أكثر من الألم ؟؟.

أمهات :

والآن دعك من المعتقلين، ماذا عن ذويهم أمهاتهم زوجاتهم أولادهم أبائهم ... وكل عائلاتهم؟. فمن الأمهات من فقدت كل أبنائها دفعة واحدة في مجهول، لا هو حي فيدرك ولا ميت فيرثى ويدفن ...!!.

آل بوسدرة : محمد – طاهر – صالح – خيرالله. أنضم إليهم صهرهم "عبدالسلام المشيطي" وشقيقه أمراجع. كيف يحتسبون تعويضهم بالزمن، هل يحتمل فؤاد أم فراق كل هولاء وزوج أبنتها، وبلا أي تهمة ولا محاكمة ولا حقوق.

"أل الهدار" من الهضبة مأساة أخرى : سقط الهدار من سريره فكسر ظهره ومات في المستشفى، وظلت أمه تزور شقيقه صالح. ربما لتمنع عنه الموت كي لا يأخذه هو أيضا كأخيه .. وعائلات أبنائها يعانون اليتم الإجباري، سيعوضون صالح وعائلة الهدار فمن يعوض قلب هذه الأم الثكلى، في أبنها الذي وصف بريئا في سجنه لسنوات ؟ وهل كان الشهر يساوي حقا 2000 دينار؟؟.

سجين لآل المجريسي، سمح لآمه بأن تحادثه بالهاتف من بنغازي، وظل "نجيب" يصرخ بأعلى صوته ليعرّفها أنه بخير، وأمه تمسك بالهاتف لتسمعه بقلبها فقد كانت "صماء" لا تسمع. فسبحان الله كيف يمتهنون عذابات البشر!!، وأي قلب أم يحتمل عذابا كهذا ؟. وعن أي تعويض يتفوهون ؟.

المزيد ؟؟؟

(عمر بومنقار) الذي جلب لتهمة دينية، ولم يكن يعرف الوضوء من الاستحمام، فبقى حتى أدركه السل الرئوي، وانتشل من بيننا دون أن نعلم مصيره، وظل هذا المرهف المسكين، يبكى ذكرى أولاده الثلاثة حتى فارقنا.

(سالم بعيو) اعتقل لـ "12 عاما" بسبب تشابه أسمه مع شقيق أحد المطلوبين، أرادوا اعتقاله للضغط على أخيه ليسلم نفسه، وضاع صاحبنا في "التشابه مع قريب المشبوه" .... 12 سنة شمسية وأكثر.

و"بوحليقة ديدح الزوي" كان قصة مدمية، عانى الربو سنينا طويلا ، حتى كان يسير وسط الزنزانة يطارد الأكسجين كما تطارد فراشة، وعيون زملائه تنهمر، لا يتمنون إلا وسيلة توصل الهواء إلى رئتيه ليرتاح، ليسقط أخيرا وقد نال الربو منه، ويذهب لعدالة السماء ... والكثير الكثير، فما معنى التعويض هنا؟.

لم اقصد أن أعدّد المآسي البتة ... ولا قدرة لي ولا لغيري على ذلك ... فكيف أنسى الشيخ الفورتية؟ الشيخ الذي أودع السجن مع ولديه، فمات هو واحدهم فيه، ذلك الشيخ الوقور الخجول، الذي لا مبرر لزيارته السجن ناهيك عن أن يقضي نحبه فيه !!. وعمّار المشّاي ذاك الفتي الألمعي المدهش الذي مات قبل بلوغه الـ 20 عاما مقهورا، يعاني الصرع، بعد أن حفظ القرآن في ستة أشهر ؟.

لست معترضا على تعويض المعتقلين، فهذا حقهم الطبيعي والحتمي ... لكن إحساس السلطة ومن معها، بأنهم فعلوا ما عليهم أمر فظيع جدا ... ومخجل أن تحتسب آلام الناس ومآسيهم بالشهور أو بالزمن ....

والتعويض الحقيقي أن يفقد الجلاد القدرة أن يعيد ما فعل هو أو غيره، كائنا من كان، وضد أي طرف كان ... ودون ذلك لا معنى لشيء على الإطلاق.


فإن وجب الحديث عن وعي صادق فإنه لبؤس ما بعده بؤس
أن يخضع المرء لسيد واحد، يستحيل الوثوق بطيبته أبداً، ما دام السوء في مقدوره متى أراد.
                                                             لابوسيه - العبودية المختارة - 1530م

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home