Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Sunday, 15 October, 2006

نوبل للسلام والمنطق المغـاير

طارق القزيري

(1)

لفلسفة الجوائز أبعاداً أوسع من التتويج الفردي والجماعي، إذ أنها لا تنبئ ، كما يبدو من ظاهر الحال، ختاماً ومكافأة عن مسيرة أستحقت التكريم فقط، بل هي كذلك ـ وهذا هو الأهم ـ إيذانا بتدشين لمسيرات جديدة تستلهم أنموذجها الخاص من واقع التكريم وأسبابه ورموزه.

الجائزة ـ أي جائزة ـ يفترض أن تكون للآخرين تحديداً مهمازاً بنائياً، للحث على المواصلة والتطوير والتراكم الخلاق، ويبدو من واقع النظر لما سبق من تاريخ الجوائز العالمية، أنها كانت في أحايين كثيرة، عاملا لإزالة الكثير من العوائق أمام مشاريع ظلت حبيسة التجريب والمغامرة حتى تكون الجائزة شهادة استقرارها، وتثبيتها كألف معهود في حياة البشر ومسالكهم.

(2)

وقد ظلت جائزة السلام، أقل جوائز نوبل أهمية، من جهة موضوعيتها، فهي بالإضافة إلى جائزة (الآداب) لا تعتمد موضوعاتها كالعلوم التطبيقية على معايير محددة وصارمة، بل هي ككل العلوم الإنسانية تترك مجالا واسعا للآراء ووجهات النظر بما يستبطن ذلك اختلاف الإيديولوجيات والمنظور الفكري، بل لقد منحت جائزة نوبل للسلام من قبل إلى من تورطوا في سفك دماء، وقادوا حروبا ضروس، أنهكت البلاد والعباد، كتلك التي تناصفها أنور السادات و شيمون بيريز، بل كادت هذا العام أن تذهب إلى حركة أتشيه والحكومة الاندونيسية.

ومنحت كذلك لمن عد تأثيره في مجتمعه ضئيلا للغاية ـ رغم سمو أهدافه ـ كما حدث مع الإيرانية شيرين عبادي، وهكذا ظل الفوز بجوائز نوبل الأخرى ـ عدا السلام ـ أكثر انضباطا وموضوعية، وأبلغ في جلب الاعتراف، وكما قال الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي عندما فازت مواطنته شيرين عبادي بنوبل السلام : ((أفرح لفوز أبناء بلادي بجائزة كهذه، لكن الفوز بجائزة كنوبل الآداب أو العلوم، أكثر دلالة وأثر في أي مجتمع)) وليس هذا إلا نابعا من أن المعايير المتبعة في كل ماهو غير (علمي تطبيقي) مثارا للجدل والتوظيف السياسي، وهذه تهمة نوبل للسلام الدائمة.

(3)

أما هذا العام، فقد كان لنوبل السلام صدى مختلف تماماً، فالجائزة منحت للاقتصادي البنغالي محمد يونس والبنك الذي يرأسه (بنك غرامين) مناصفة، أكدت المفهوم الحضاري للسلام، والذي يحتاجه العالم أكثر من أي وقت مضى، فقد ظل معيار ( الأمن من الخوف) هو الطاغي على الجائزة، وأختزل مفهوم السلام في كل ما يناقض الحرب، وبالتالي أسقط من الاعتبار تفاصيل الحياة نفسها، وكأن السلام هو اللاحرب!!، ربما لأن صاحب الجائزة نفسها ( ألفريد نوبل) أراد التكفير عن مساهمته في القتال، باختراعه للديناميت.
والمصرف البنغالي المذكور لم يصل سنته العاشرة بعد، ووصل المقترضين منه إلى ما يفوق ست مليون في بنغلاديش فقط (= أكثر من سكان ليبيا)، ويعتمد أساسا، على تشجيع المشاريع الإنتاجية الصغيرة، وقد كوّن شبكة عالمية شملت 52 شريكا في 22 دولة قدمت العون لنحو 11 مليونا في آسيا وأفريقيا والأميركيتين والشرق الأوسط.

"غير أن فلسفة يونس تقوم على مساعدة الفقراء على مساعدة أنفسهم على غرار المثل القائل.. (أعط رجلا سمكة تطعمه يوما ولكن علمه صيد السمك تطعمه مدى الحياة).لذلك فلم يرد يونس أبدا على متسول كفيف أو أعرج أو أم تهدهد طفلها عندما يمدون أياديهم للحصول على أموال.وكان يونس قال لرويترز في مقابلة بالمكتب الرئيسي في جرامين في عام 2004 "أشعر بالأسف .. وأحيانا اشعر بالفزع.. لأنني أرفض منح الشخص. لكنني أكبح نفسي. لا أعطيهم (أي شيء).وأضاف "أفضل حل المشكلة بدلا من مجرد منحهم مساعدة ورعايتهم لمدة يوم". عن رويترز.


وهكذا ولأول مرة من سنين طويلة، أثارت نوبل للسلام موجة الاستحسان على غير المعهود، ولفتت الانتباه إلى مفهوم كاد أن يتناسى، للسلام نفسه، ونقلته من نقيض للحرب، إلى مرادف للحياة الكريمة.

ولعل المأمول اليوم أن يسحب أثر نوبل للسلام على كل مناحي القيادة ومفاهيم الأستراتيجة في العالم بحيث تصير التنمية هي الهاجس الأساس، وإذا كانت ميزانيات العلوم وبحوثها تتزايد كل عام، فربما أمكن مع تعميق فلسفة السلام هو الحياة الكريمة، كما أكدت نوبل للسلام هذا العام، أن يصار إلى تعديل اتجاه البحث العلمي نفسه لخدمة التنمية بدلا مما هو الآن مجرد سباق بين الأمم للسيطرة ولو المعنوية.

وأن يكف الساسة وخصوم الحكم، عن التبشير بالسلام اللاحربي، ليقترحوا قبل كل شيء مشاريع الحياة الكريمة، ستزيد مساحة السعادة أو سيقل المرض والجهل والتخلف، كلما زاد عدد (اليونسيين) ومؤسساتهم الإنسانية، والجوع قبل الخوف وإن كان كلاهما من المحذورات.

في مرة نادرة يقول العالم كله شكرا جائزة نوبل .. فقد طال الأمد ولم تحل الحياة الكريمة بعد ....!!

رمضانكم كريم .... وعيدكم مبارك.

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home