Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

الجمعة 15 مايو 2009

العرب : دول هشة تحت مطارق التـّفتت

طارق القزيري

لم يكن الحدث بالاستثنائي، ولم يكن من المتوقع حدوث نقيضه. لكن تجدد القتال في اليمن، جدد طرح السؤال عن مصير الكيان اليمني في حد ذاته، وهو آمر ينطبق على دول كثيرة عربية، ويجعل التأمل في المشهد العربي بما تكشفه تفاصيله، من بوادر تشظي، أو انقسام فعلي في عديد من دوله، مشروعا للغاية.

مشهد سوريالي

خطر تفتت اليمن وانقسامه لعدة دويلات، يماثله تهديد مساوي في السودان، أما الصومال، فستكون بأفضل حالاتها مع وقف القتال وحمامات الدماء ناهيك عن بناء دولة مركزية من جديد، فيما العراق يتقدم واحدة ويتراجع أخرى على سبيل صد مخاوف تفتته. ولبنان تتنازعه مشاكله الداخلية، وصارت الانتخابات نفسها التي هي وسيلة حل الإشكال السياسي، سببا للقلق، من نتائجه مفاعيله على مستقبل البلد.

بدوره يرى الأكاديمي الفلسطيني بجامعة كمبردج بالمملكة المتحدة "خالد الحروب"، فشل مشروع الدول العربية، التي نهضت، بوعودها الوطنية، في أعقاب انحسار الفترة الاستعمارية، ويضيف أن بعد مرور 6 عقود من ذلك يمكن للمرء ان يتحقق من فشل مشروع الدولة العربية بمعناها المجتمعي. وأن ما يوجد الآن من عيوب في النظام السياسي للدول العربية، هو نتيجة للفشل المتراكم.

معايير عامة

وتحدد مجلة شؤون خارجية الأمريكية، في إصدارها السنوي لعام 2008 عن "الدول الفاشلة" معايير فشل الدولة بفقدان السيطرة الفعلية على أراضيها، وعدم قدرتها على احتكار الاستخدام المشروع للقوة، وغياب قدر مقبول من الخدمات العامة، وإخفاقها في بناء علاقات خارجية متوازنة وذات فاعلية، إضافة لتزايد معدلات انتشار الجريمة او عدم خفضها، والإخفاق في التحصيل الضريبي، وفقدان سلامة السكان وتشريدهم الداخلي او الخارجي، ، والتدهور البيئي، ونزيف القدرات والكفاءات النوعية، وعدم القدرة على تنظيم ومواجهة التزايد الديموغرافي، وتآكل مواردها بشكل غير متوازن.

تنازع ومظالم

أما د. الحروب فيحدد مظهرين لفشل نموذج الدولة العربية، الأول السياسي، بالاحتجاج على النظام السياسي، الذي فقد شرعيته الداخلية، مما ولّد شعورا بالاغتراب لدى المكونات المجتمعية عن النظام السياسي. ويشرح د. الحروب؛ الأزمة وتفاقمها، مع خفوت أصوات دعاة المجتمع المدني والحداثة السياسية، وتحول الجمهوريات لأنظمة شبه ملكية وراثية، مثلما حدث في سوريا ويبدو واقعا في مصر وليبيا وربما اليمن.

ومن جهة أخرى هناك المظهر الآثني وحراك الأقليات الذي يرتبط بالجغرافيا السياسية، حيث يثير الشعور المتزايد بعدم "المساواة المواطنية" المزيد من الرغبة في التحرر من "السيطرة المركزية الفاشلة" ولعل ما يشير إليه د. الحروب، سيعزز من هشاشة وجود الدولة على الأرض، بتفاقم تفلت الزمام من يدها، وعدم قدرتها على تمثيل قوة القانون.

العلاج الممتنع

وهكذا لم يعد السؤال في الواقع، فيما إذا كانت أغلب الدول العربية، دول هشة أم دول فاشلة أم دول مأزومة ؟ ففي الحقيقة باتت كل هذه الأوصاف مجتمعة في بلاد بني يعرب. ويشير د. الحروب في حديثه، لصعوبة المقاربة العلاجية، أولا : لاتساع "الخرق على الراقع"، وتعقد المشكلات. وثانيا : لان كل الحلول لا يمكن قبولها أو رفضها بالمطلق.

شيطنة الآخر

وحول العامل الخارجي وعلاقته بتأزيم أو علاج المسألة، يوافق "الأكاديمي الفلسطيني" على مفهوم المفارقة، إذا بات الغرب والخارجي والآخر، سلاحا في يد القمع الرسمي، لإحكام السيطرة على الثروات والمقدرات، وكبت المخالفين، بتهمة العمالة وغيرها من المشتقات. ومن جهة أخرى، فإن أزمات المنطقة لم تعد شأنا محليا أو قوميا، بل باتت جزء من "الأمن المعولم"، وبالتالي فإن الغرب أو الخارجي بات هو عامل الاستقرار، من حيث أن خطر الدول الفاشلة يهدد الاستراتيجية الأمنية للدول الكبرى.

ولكن د. الحروب يرى أيضا أن نسبة غالبة من ادعاءات المنظمة السياسية ضد الغرب، غير صحيحة؛ إذا أنه لا يوجد غرب واحد، ليدان أو يبرأ. ومن جهة أخرى فإن الحكام أنفسهم، هم أكثر من يبيح للغرب الاستعماري استباحة المقدرات وفق مساومة البقاء لأطول فترة ممكنة.

بلا تفاؤل

ولا يرسم د. الحروب سيناريو متفائل، بخصوص أفق ومستقبل مشروع الدول العربية، فهو بالاعتبار الأول، لا يرى إمكانية خلاص من المعضلة بدون "تكسير صخرة الاستبداد"، ويرى أن تدخلا خارجيا غير محمّل باجندة إمبريالية واستعمارية، يمكن أن يساعد في ذلك. خاصة وأن مشروع عقد اجتماعي داخلي، بين القوى السياسية والاجتماعية - بغض النظر عن السلطة - أمر مستبعد، إذا أن الهوة كما يرى د. الحروب أوسع من جسرها بخطاب النوايا الحميدة، واللقاءات الودية السطحية.

المأزق العام

ومما يعقّد هذا بحسب "الدكتور خالد" فإن غلبة الإسلام السياسي على الشارع العربي، وفشل الحركة الإسلامية، منذ أكثر من 80 عاما، في بلورة مشروع وطني، ينسجم مع شعاراتها، ويطمئن الفرقاء المجتمعيين، ضاربا مثلا، بالتجربة السودانية، والمصرية، وحتى الفلسطينية، وصولا لطالبان أفغانستان يساهم في تأجيل أو منع تحقيق "كتلة تاريخية" يمكن عبرها تجاوز الاحتقان الحادث.

وأخيرا.... ثمة مثل ليبي يقول " من المطر عطينا البحري"، كناية عن طلب أقل الممكنات حال تعسر الباقي. ولربما يتعين على العرب الظفر بالبحري، والحفاظ على القليل الباقي في قعر الإناء، قبل أن يغرقهم الطوفان. أما كيف؟ ومتى؟ .. فهذا هو سؤال الملايين.
________________________________________________

• سبق لي نشر هذه المادة ضمن المواد التحليلية بالقسم العربي لإذاعة هولندا على هذا الرابط
http://www.rnw.nl/hunaamsterdam/mideastafrica/120509


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home