Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Tuesday, 12 September, 2006

عـندما يحلم المواطن ( عـبدالدايم )

طارق القزيري

إلى رحّالة الشتاء والصيف ، ما بين الفندق السياحي ومقهى المدينة
إلى عـشاق الكلمة واللون في مصراته

كل النساء يشربن من نفس النبع، إذا ماداهمهن العطش، ... أتفوووه ... تمتم وهو يتجاوز عتبة بيته، وتناهى إليه صوت زوجته، متخبطة في دمائها وغضبها، وتدمدم ( خزي عالرجّالة اللي هكي، هادا فيش فالح تضرب مرا !!) نشيدها التنكيدي وجبة يومية، اليوم فقط قرر أن يرد عليها، وابتهج لأنها سلمت له -لأول مرة- أنه (فالح) في شيء ما.

اقتربت منه، حتى صارت خلف ظهره، وصوتها يعلو ويعلو.... ألتفت إليها، وأطبق بأصابعه على رقبتها، وأندفع بها وقد فقدت القدرة على فعل أي شيء، أندفع بها نحو الحائط خلفها، وعندما الصقها به، هوى عليها بصفعة أعجبه أن يكون صاحبها، استقرت راحة يده على خدها، ونال إبهامه من انفها، فأختلفت منابع دم تدفق ليغطى وجهها،.....
ظلت تنظر إليها مفجوعة والألم يستبد بها .... أمسك بها من شعرها، في لحظة سقوطها، فأصبحت معلقة في الهواء، ترك شعرها وهوى عليها بصفعة أخرى، أشبه باللكمة، فهوى جسدها إلى الأرض.. مرتطماً بعنف.

خرج للشارع، وبدأ يتخيل أنها ستنهض وتتصل بأشقائها، قهقه في جوانيته بقوة، فهي المرة الأولى التي يعبر فيها عن غضبه، ولا يخشى شيئا، تأخر هذا الحلم كثيراً... مسكين (عبدالدايم)، لو أمكن له منذ زمن أن يفصّل أحلامه كما يشاء ، لأستعاض بها عن قسوة واقعه الرديء والمخجل.

قبل ساعة فقط، عاد لبيته، مكدودا... مرهقا... مغموماً... أستعرض سيرة حياته كلها، لم يجد فيها إنجازاً، سوى أنه ظل حياً- إن كان هذا إنجاز- فلا أحد يقدّره، أو يحترمه، حتى جاره أعتاد أن يستدين منه، فقط لإدراكه، أنه لن يطالبه بشيء، أكثر من ألفي دينار منحها لجاره، وهو يعرف أن جاره لن يعود له بشيء منها، (مستقصرين حيطي: قال وهو يوبخ نفسه !!!).

ألقى بجثته على السرير، بعد أن تسلل دون أن تشعر به زوجته، أراد النوم، وأن يقرّب المسافات بين الهموم، بدأ النوم يتسرب لجفنيه، أستسلم، أراد أن يغافله، تظاهر أنه ليس مهتما به، وأراده أن يكسوه، يستولي عليه، ينتزعه من عوالمه المخزية، وفي آخر لحظات وعيه، تمنى أن يعيش في حلمه على الأقل: كرجل .. كالرجال... رجل حقيقي ... لا مجرد ذكر .... وذكر فقط...!! ...... ثم بدأ يحلم :
بعد نيله من زوجته ما جعله يحس بقيمته أمام نفسه، خرج من بيته، وما أن ترك الزقاق ، حتى أحس بصوت جاره كالدبوس في طبلة أذنه: (خير يا بوجار!!)، ألتفت فوجده في ناصية الشارع، قدر المسافة بينهما، وفوجيء بظاهر يده، يرتطم بجاره فيما بين فكه ورقبته، فقد الرجل توازنه، فأصطدم رأسه بعمود الإنارة، وهدر (عبدالدايم) : وين لفلوس يا فاسد ... أمتى بتجيبهن؟؟... ظل جاره يحرك فكيه... لم يدر ما يقول ...، يفتح فمه ويغلق، حاول أن ينهض لم يقدر .. أراد أن يظهر غضبه ففشل ... دقق في تفاصيل الرجل الغاضب أمامه... هل هو (عبدالدايم) فعلا؟.

أمسكه (عبدالدايم) من تلابيبه : ونظر في عينيه بقسوة .. وسمع جاره أربع كلمات فقط (في الليل نلقاهن واتيات!!!)، ثم أحس بلعاب (عبدالدايم) يستقر على وجهه، بعد أن سمع ( أتفوووه ….).

خرج من الشارع، وتخيل جاره، وهو يسعى لحشو بندقيته، أو ينادي أبناء عمه، أو يستأجر فتوات وبلطجية، وقهقه في دواخله المنتشية، إنه يحلم ... وسيستيقظ في اللحظة التي يريد، قبل أن يصل أشقاء زوجته، وقبل أن يطلق جاره النار من بندقيته و قبل أن يصل إليه أي بلطجي آفّاق.
ذهب لمدير عمله في بيته... وجد أبناءه يلعبون في فناء البيت، أمر احدهم أن ينادي أباه: فرفع الطفل عينيه وقال هازئا: (أدخل ... هو في الصالون ...!!)، كلمات الطفل أشعلت النار في صدره، لطالما دخل الصالون والبيت كله، محملا بطلبات مديره وزوجته، وبناته وأبنائه، لكنه اليوم يحلم، وسيفعل ما لم يفعله من قبل، ركل الصبي الجالس أمامه في مؤخرته، فأنخلع قلب الصبي، وعاد لبيته يولول ... شاكياً (عبدالدايم) لأبيه: المدير العام.
بعد هنيهة خرج مديره من بيته، مستغرباً، فلما شاهد (عبدالدايم): صاح بغضب: خيرك مع الولد يا حمار؟؟
- (فرخ مش متربي ... زي بوه) !!! هتف (عبدالدايم).
.... بوغت المدير على مرأى ومسمع من أبنائه، وزوجته التي أطلت من الشرفة في ملابس نومها، نظر إليها (عبدالدايم)، لم تكن لتخجل منه، فهو ليس سوى (عبدالدايم)، في نهاية المطاف.
أعجبته .. ما ظهر من جسدها جعله يشتهيها... صرف هذا عنه، وقرر أن يدخرها لحلمه القادم.

لم يتعب مع المدير العام، الذي قارب الستين من عمره، دنا منه، فتراجع سيادة المدير العام، وأدركه (عبدالدايم)، وجد بعض الشعيرات متبقية خلف أذن المدير العام، فأمسكه منها، وأنزله إلى الأرض، وطلب منه أن يقبّل حذائه، اشتبكت الكلمات في فم المدير العام، كما اشتبكت الحوادث في عقله وأمام ناظريه، وداهمته نوبة قلبية، أرتعش جسمه، ثم همد، صرخت زوجته: (قتلته يانعن ولديك)، لم يشأ التعليق على شخصيات الحلم القادم ...فأنصرف.

تخيل الشرطة في بيته، أو تعمم أوصافه، وربما ستحاصره في مكان ما، لكنه سيصحو من حلمه، قبل وصول أشقاء زوجته، وبندقية جاره، والشرطة وكل مفردات القهر في عالمه المخزي.
في وسط سوق المدينة، تحرش بكل فتاة أعجبته، ومد يده لكل سيدة مرت به، سمع لعنات، وصرخات جزعة، وسباب، وتمنعات لرغبات مكتومة، ثم قرر العودة لبيته، وفي طريقه مر بمكتب مختار المحلة، ووصفه بالبهيم، والمرتشي، صفعه مختار المحلة، لم يهتم، مختار المحلة يصفع لأن من قدرته ذلك، لكنه لايستطيع سماع النقد فضلا عن السب أمام ضيوفه وزواره، كلماته اشد تأثيرا من صفعة المختار، لو وجده وحده لأنشب أظافره في رقبته، ربما في حلم آخر، بعد حلم زوجة المدير العام ... سيفعل ذلك.

عاد لبيته، وأجبر زوجته أن تطهو طعاما لم تصنعه من قبل، كان لذيذا، شبع حتى التخمة، وقرر أن ينام في الحلم، ظلت زوجته خائفة مرتعبة، فأشقائها لم يصلوا بعد.

سمعها وهي تصيح خلف باب الغرفة المغلق، والشماتة تعلو نبرتها: أطلع كنّك راجل.
- صاح بها (في الحلم): شن تبي يا .....!!
- أطلع ... الشرطة برا، .... وخوتي برا، ... وناس ايدورو فيك برا ... يا وجه المرا !!!
سمع أصواتاً خلف الباب، وصوت زوجته يقول: (قاعد جوا وما يبيش يفتح!!)، اهتز الباب تحت وطأة أجسام تريد خلعه. قرر المواطن (عبدالدايم) أن يستيقظ فوراَ ... ساعتها فقط أدرك أنه لن يستطيع أن يستيقظ مهما حاول، أو أنه لم يكن نائما على الإطلاق.

Abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home