Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Wednesday, 11 July, 2007

متوسطية ساركوزي : تنمية وتعاون أم نفوذ وهيمنة ؟

طارق القزيري


المشروع يستبعد الاتحاد الأوربي
بمجرد فوزه – أو حتى قبل ذلك – تعلق المراقبون بأطروحة أن " نيكولا ساركوزي" سيكون مقيدا بأجندته الداخلية، وهو الداعي لإحداث قطيعة مع التراث الديغولي، ومتوعدا بسياسة إصلاح اقتصادي تجعله في مواجهة مع نقابات العمال القوية في فرنسا، لكنه وعقب سويعات من خطاب تتويجه رئيسا لبلاد "برج أيفل" طار لبرلين ملتقيا بالمستشارة "ميركيل"، ثم وقبل أن يبدأ أي تغيير داخلي، منتظرا الانتخابات التشريعية، حرّك الركود الأوروبي، عبر اقتراحه لوثيقة دستورية مبسطة، تتلافى أغلب الخلافيات التي ساهمت في تعطيل الصيغة الدستورية الأوربية السابقة.

وفي أثناء ذلك عرض الوزير الفرنسي المنتدب للشؤون الأوروبية جان بيار جوييه مشروع باريس إنشاء اتحاد متوسطي أمام مسئولي دول من المنطقة بجزيرة كريت اليونانية، كان هذا المشروع المثير الجدل قد بدأ شبيها بضجة انتخابية وشعار انتخابي، لكن ساركوزي كرره في خطاب الفوز : "إن البحر الأبيض المتوسط هو مفتاح تأثيرنا في العالم" .... فما هو مضمون هذا المشروع – المفتاح- ؟؟

بحسب ما هو مطروح حتى الآن، فهو دعوة لإقامة إتحاد يجمع الدول المطلة على مياه البحر الأبيض المتوسط : البرتغال واسبانيا وفرنسا وايطاليا واليونان وقبرص ومالطة وتركيا ولبنان وإسرائيل ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب. وتكون له رئاسة دورية من الدول الأعضاء.

وتكون من أهدافه ترسيخ التعاون الإقليمي في مجالات الطاقة والأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، ويتضمن كذلك إقامة اتفاقات تجارية نوعية، وإنشاء بنك متوسطي للاستثمار، وهذا الأخير قدم كنظير لبنك الاستثمار الأوربي، المشهود بدوره في سياق مناطق أوربا الجديدة والتقليدية ( قدم 5 مليار خلال 2003-2004).

وبالإضافة للهدف المعلن باستعادة النفوذ الفرنسي في العالم عبر المتوسط، لم يخف "ساركوزي" أن دعوته هذه ستكون بديلا لعضوية تركيا الأوربية، إذا هي بحسب السيد ساركوزي ليست أوربية، كما أنه يتوجب على أوربا أن تكون لها حدود ثابتة.

كما أن المشروع يعني كذلك الخبرة والتقنية الفرنسية، مقابل الطاقة القادمة من الشمال الأفريقي، وثمة كذلك البعد الثقافي الحضاري، إذ يقول الفرنسيون أن الإتحاد المتوسطي سيكون "مفتاحا للإسلام الذي يتمزق بين الحداثة والأصولية، وربما كانت هذه الكلمات تحاول إخفاء أن الإرهاب والهجرة، هما أساسيات دافعة لطرح المشروع.

وبمجرد ذيوع الجدل حول المشروع، لقي الطرح ترحيبا إسبانيا، برتغاليا، إسرائيليا، وصمتا في الدول المغاربية، واستخفافا تركياً مع نقد لاذع من "أنقرة" للمشروع.

إذا رأت تركيا أن "الرئيس الفرنسي الجديد" يخالف اتفاقات قائمة وموثقة بين تركيا وأوربا، ثم لا يقدم شيئا جديدا، فالمعاملة التفضيلية التي يطرحها ساركوزي لتركيا مع أوربا نظير عضويتها المتوسطية دون ألأوربية، هي قائمة بالفعل وتتمتع به تركيا منذ أمد. وربما لهذا السبب اتهم وزير الخارجية التركي عبد الله جول الاتحاد الأوروبي "بضيق الأُفق وبأنه يمارس ألاعيب رخيصة مع بلاده" !!.

مسار برشلونة : تأكيد أم تجاوز ؟؟


لعبة النفوذ بين فرنسا وألمانيا
تلقي بظلالها على الاتحاد المتوسطي
ويطرح مشروع الكتلة المتوسطية بالمفهوم "الساركوزي"، تساؤلات حول مسار برشلونة" ومصيره، برغم الإقرار بعدم فاعلية هذا المسار بالشكل المطلوب أو حتى ربما دون ذلك بكثير.

وينبغي هنا ملاحظة أمرين في الفارق بين المؤسستين، أحدهما في التكوين والآخر في البنية : فعلى صعيد التكوين : يقصر مشروع الإتحاد المتوسطي العضوية على الدول المطلة على مياه البحر الأبيض فقط، بينما يتضمن مسار برشلونة علاقات، بين دول الاتحاد الأوربي ودول جنوب المتوسط.

أما على صعيد البنية : فمشروع الإتحاد المتوسطي يطرح علاقة عضوية للدول، متمثلة في رئاسة محددة، بشكل دوري، ومعلوم أن مسار برشلونة ينصص على مستويين في العلاقة بين المشاركين الأول المستوى الثنائي بين الأعضاء، والثاني المستوى الكلي بين الأعضاء من خلال المسار نفسه.
وهذا ما يجعل المشروع المتوسطي أكثر تحديدا، وربما تجنبا للبيروقراطية.

و هاته الفوارق بالذات ربما تكون هي المفتاح الذي تستثمره فرنسا لتكون صاحبة اليد الطولى في المشروع من حيث هي الطرف ألقوى على كل المستويات.

ومن الممكن أن نلمح هنا الصراع على القيادة الأوروبية بين فرنسا وألمانيا، فالمشروع بقدر ما يستبعد بلاد المستشارة ميركيل، فهو يعوض لفرنسا منطقة نفوذ ومجالا حيويا في مقابل شرق أوربا، الفضاء الألماني بلا منازع. خاصة إذا علمنا أن ألمانيا هي أكبر شريك تجاري مع دول الشمال الأفريقي.

العـقبات .. !!

يشير الكثيرون أن المشروع لا يزال لم يخرج من ربقة الضجة الانتخابية بعد، وهو لم يبرح مرحلة الشعار، فالحديث عن مستقبل جميل، وتآلف وسلام واستقرار، جيد، لكنه غير كاف لتخليق أوضاع "جيوسياسية" جديدة، فلا يوجد حتى الآن نقاش أوروبي ولو ابتدائي حول المشروع، كما أن الدول المعنية به مثل العربية منها، لا يبدو لها تحمسا، أكثر من المجاملات الدبلوماسية المكرورة.

من جهة أخرى وحتى مع وجود التصورات والخطط العملية، لا يعلم أحد كيف يمكن تخطي الحاجز الثقافي بين ضفتي المتوسط، فخبرة الدول الأوربية ومؤسساتها للعمل في إطار مجموعة، لا يقابله أي نظير في دول جنوب المتوسط، دائبة العمل بفردية، واستقلالية نزقة في أحيان كثيرة.

ومن جهة ثالثة فمع تصور الفارق الضخم اقتصاديا وسياسيا في العالم بين الضفتين، فن الطبيعي أن يكون دور جنوب المتوسط سلبيا للغاية، صحيح ربما يقوي الاتحاد الشروط التفاوضية لدول الشمال الأفريقي، أمام تكتلات وأطراف أخرى، كأمريكا والصين وروسيا، وباقي أوربا، لكنه سيربط هذه الاقتصاديات بفرنسا ومن معها بشكل ما، مع عدم وجود قدرة فعلية لدول جنوب المتوسط لتأسيس صحي بالنسبة لها في أروقة هكذا مشروع.
ومن علامات عدم الوضوح قول ساركوزي نفسه أنه سيعمل على تنمية دول جنوب المتوسط، بكبح الفساد، ولا يمكن هنا التعرف على طريقة تسمح بمنع التعامل مع أنظمة يغلفها الفساد بشهادات المنظمات المختصة، وغير ديمقراطية ولا تحوز فيها حقوق الإنسان على مكانة معتبرة، وفي نفس الوقت كون هذه الأنظمة نفسها شريكا استراتيجيا في المشروع.

وأخيرا هناك "إسرائيل"، فبمجرد طرح المشروع، تذكر الجميع أصول ساركوزي " أمه يهودية"، ثم كان الانسجام بين مشروع الشرق الأوسط لشمعون بيريز ومشروع المتوسط لساركوزي، مما عزز القول بأن المشروع هو محاولة فرنسية لإبعاد تركيا عن اوروبا، وتطبيع المواطنة الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
ومع هذا فثمة من يقول أنه من غير الممكن النظر لدولة عظمى كفرنسا، مجرد موظف لدى إسرائيل، أو سواها، لكن هذا لا يلغي نوعا من التبسيط المخل لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط، صحيح ان الاقتصاد والتجارة بقدر ما يكون محركا للصراع يكون كذلك كابحا له، فإن تصور ان العلاقات التجارية كفيلة بتلاشي التناقضات العميقة النفسية والتاريخية في المنطقة وعند الشعوب تحديدا، لابد أنه قول يحتاج لكثير من سعة الخيال لتمريره.

متوسطية ساركوزي، مشروع فرنسا التي استيقظت، لتبحث عن نفسها ودورها، وإذ قال ساركوزي أن "فرنسا تحب من يستيقظ مبكرا"، فإن من يستيقظ متأخرا، ربما يبدأ في ارتداء ثيابه قبل لوازم أخرى تسبق ذلك، وهو ما يجعله - ربما - في ربكة طوال اليوم.

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home