Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Saturday, 10 November, 2007

في هـذه نخـتـلف مع يوسف المجريـسي

طارق القزيري

في عام 2004، كنت معزولا عن الإنترنت، فكانت المقالات الوحيدة التي يقرؤها عليً الأصدقاء في الهاتف، مقالات المجريسي، وبرغم إني لا أكاد أتفق معه على شيء مما يقول، عدا حربه للطغيان مبدئيا، وكراهيته للاستبداد. إلا أن وقع كلماته تجعلك تعود إلى صفاء، ربما تفقدك إياه الممحاكات اللفظية، ومحسنات الجدل المعهودة. حينما يكون الكاتب واضحا كالشمس، حادا كالسيف، ثابتا على نفس الموقف، فهذا لا يعني انه على صواب بالضرورة، لكنه عادة يكون صادقا مع نفسه، ولا أشك مطلقا أن يوسف المجريسي، من القلة – أقول قلة دفعا للإحراج – التي ينطبق وصف كهذا عليها. وهذه ليست رشوة للكاتب، بقدر ما هي مقدمة ضرورية لما أردت قوله، ليفهم بسياق مناسب.

يدعو السيد المجريسي، في مقاله الأخير، للعودة للكفاح المسلح، لتغيير النظام السياسي الليبي، ويبني دعوته هذه على جملة معايير، لا أظن أحدا يختلف فيها معه، وبرغم كل المبررات التي تساق هنا وهناك، لكن الجميع يتفق على توصيف الحالة الليبية، المثخنة بالقمع والتنكيل، ومصادرة الحريات والحقوق.

لكن الاعتراض يتجاوز التوصيف، للعلاج المقترح، ومشكلة مقترحات المجريسي، ليس كونها غير مناسبة فقط، لكنها كذلك غير متجانسة، وتحمل بذورا شمولية، وفانتازيا، كنت أتصور أن المجريسي، بثقافته – على الأقل كما أقرأ له فأنا لا أعرفه شخصيا من قبل – قد تجاوزها.

- يدعو المجريسي لثورة مسلحة، ضد الطغيان، لكنه يذكرنا أن "الانقلابات العسكرية غالباً ما تؤدي إلى دمار البلاد وخرابها "، ولا أدري لماذا تجلب الثانية الخراب ولا تجلبه الأولى؟؟، والحال أنه لم يذكر – ولا اعرف شخصيا – حالة واحدة، نجحت فيها ثورة مسلحة ضد حاكم، ثم جلبت السلام لبلادها وشعبها. - الاحتجاج بالتاريخ، سلاح ذو حدين، فالتاريخ يخبرنا أن ليبيا لم تشهد ثورة شعبية، ولا كفاحا مسلحا، ضد أي نظام حاكم فيها – عدا الاستعمار – فما هي المبررات اليوم لنفترض أن هذا ممكنا الآن بالذات؟؟ هذا في وقت يموج فيه الرأي العام والخاص، بكراهية الحروب الأهلية والعنف، وقد شملتهم أخبار الدماء من العراق والصومال حتى دارفور، وجرائم القاعدة في (المغرب الإسلامي)، حتى قال لي أحدهم من ليبيا (( إن الليبيين مستعدون لتحمل القذافي السابع عشر، ولا يرون قتيلا بسبب العنف)). وهذه ليست دعوة لشيء بقدر ما هي تعبير عن حالة سلوكية وأخلاقية لشعب ما، بدون تهويلات " بال توك".

- ثم وبعد الطبيعة النفسية، هناك الطبيعة الاقتصادية لمجتمعاتنا، ففي كل حالات مكافحة الاستعمار، تجد فاصلا واستقلالية بين اقتصاد المحاربين وبين اقتصاد الاستعمار، إما لعدم تطورها بشكل كاف، أو لأسباب أخرى، بينما نحن نعيش في ظل (نظام اقتصادي ريعي)، تكون فيه السلطة، هي صمام الأمان لحياة الشعب كله، و)النظام الريعي( هو أفضل نموذج سلطوي، لتهميش التناقضات والتجاذبات الايجابية.

ومن هنا فواقع الأمر، أن شعوبنا عالة على السلطة، وهذا أمر تحرص عليه السلطة بجدية، وإجراءات مثل " من أين لك هذا ؟ " و"لجان التطهير" و"القوافل الثورية" هي تكتيكات معروفة، لمنع نشوء فئات يمكن أن تكون نواة استقلال عن مركز السلطة، حتى ولو كان الفساد "المسموح به" هو سبب نشؤها.

- ثم إن الكفاح المسلح المراد، ليس فقط مبرر للسلطة، لإعمال القمع، بل هو مطلوب سلطوي، ونعلم يقينا، كيف دفع الإسلاميون للصدام مع السلطة في ليبيا، عام 1989، بشكل سافر، فأنساق هولاء بسذاجة لما هو مطلوب، وانتهى الأمر لما هو معروف لدى الجميع. ولن نعيد الحديث عن التوازنات الدولية، والإقليمية، التي لا يتصور إغفالها في مثل هذا، ولا أتصور القول بأنها منسجمة الآن مع هذا الطرح.

- ثم إن هذا الطرح بقدر ما هو مبرر للسلطة، فهو مبرر لفئات كثيرة، تعيش طفيلية خاصة بها، ولن تتوانى عن التسلح بكل المفاهيم المطلوب زرعها في المجتمع، من قيم الحداثة السياسية والحقوقية، كمفاهيم المجتمع المدني والحريات العامة، والديمقراطية..الخ، تتذرع بهذا لتصل لأغراضها هي.

وبصدد ذلك، يتم تحريف هذه المفاهيم، وينتج وعيا مغلوطا، وتجربة مغشوشة لهذا المفاهيم، وأنظر الآن كيف صار الموقع الحزبي يجهر كفاحا بكونه مستقلا، وكيف صار موقع انترنت صحيفة، بل كيف صار "كبير الصحفيين" كبيرا، بدون أن يزاول مهنة الصحافة، في أي صحيفة، ولو دقيقة واحدة. - يوما ما سيظهر علينا أكاديميون لم يدخلوا الجامعة يوما - وكيف صارت منظمة حقوق إنسان، حكرا على حزب بعينه، وتحركها أجندة الحزب نفسه، وإن تقاطعت مع مساعي أصيلة بالخصوص ...!!.

أليس هذا بسبب أن الكثيرين، ومن خلال خطابهم العنيف، والذي انفصلوا به عن الناس، وأخافوهم، فتحوا سبيلا لهؤلاء الانتهازيين، ليفسدوا حتى المفاهيم، التي بها يمكن الحد من سلطة الطغيان، ليس في حياة الناس فقط، بل حتى على عقولهم ووعيهم؟؟.

لست ممن يدعو للتنازل أمام السلطة، ولا التوسل إليها، ولكن الصدام العنيف معها، يجعلنا نكرر نفس الأخطاء السابقة، ونضيع المزيد من الجهد والطاقات، بدون أي نتيجة واقعية في الأفق. والموثوق أن الشوكة الوحيدة الممكنة والمؤلمة، في خاصرة السلطة هي عدم الاعتراف بها وبشرعيتها، والنضال من أجل الحريات والمفاهيم الايجابية في عالم اليوم، هذا وحده ما يحرج السلطة ويجعلها تتراجع دائما، هي وأحلافها قديمهم ... و (جديدهم)!!.

عزيزي يوسف، مع كل احترامي لوجهة نظرك، وموقفك، بيد أنني أجد نفسي مدفوعا دائما بعد الموافقة معك على منطلقاتك، أن أضيف : ولكن .....!!. وبسبب (لكن) هذه كتبت مقالي هذا .. دون أن أترك دعائي لك بالسلامة والحفظ من كل سوء وطاغية .... وانتهازي.

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home