Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Friday, 10 February, 2005

السلفيون الجدد ...

طارق القزيري

            أولئك الذين يحنون للطفولة... من الواضح أنهم لم يعيشوا كأطفال...     
                                                                                  بيل واتيرسون

(1)

الجدد : كلمة صارت ذات دلالة تهوينية، وبعكس مدلول (جديد)، فإن كلمة جدد عندما تضاف لبعض الإتجاهات فإنها في الغالب شارة انتقاص، أو على الأقل ترتبط شرطيا بالمصلحة، والبرغماتية، وتعكس كذلك إيماءة إلى تحول وانتقال فجائي من موقف (قديم) لآخر، خذ مثلا : المحافظون الجدد، والليبراليون الجدد، وحتى الإسلاميون الجدد، ولعل هذا هو مقصودنا تماما من اختيار هذه اللفظة، لموضوعنا هذا....!!.
والسلفيون: ليسوا فقط من يعتز بالسلف، أو يحمل لهم المكانة الخاصة، بل هم من لا يدخر جهدا لتمجيدهم بشكل لاعقلاني، ولا يستطيع أو لا يملك القدرة على نقدهم ومراجعة الأحداث وفق منظور تاريخي إنساني بل تتوسط نظرته للتاريخ دائما، عوامل غيبية غير مفهومة، وغير قابلة للتعاطي الموضوعي، وأخيرا فإن السلفيين: هم ونتيجة لحالتهم المرضية هذه، أقل من يهتم بالواقع، وأعمق الناس جهلا به (إن كان في الجهل عمق!!)، وهكذا فمن غير المأمول أن يحددوا لهم موقفا واضحا، فمعاييرهم الماضوية لاتسمح لهم، وليس لديهم سواها... السلفية هي إنشداد نحو نقطة في التاريخ، تكفي لتفسير السابق واللاحق، هي وتحت وطأة الحاجة وفقدان البديل، تتحول إلى نوع ألاعيب الحواة، تفعل كل شيء، ولا تقدم في الواقع أي شيء... وكذلك فالسلفي رغم تقديمه لنموذجه، فهو يحمل رؤية متناقضة فهو من جهة يرى الماضي لن يعود، فهو الأفضل، ومن جهة أخرى لا يمكنه الاستمرار مالم يدّعي أن نموذجه التاريخي قابل للاستعارة والتمكين كذلك ....
وبالمناسبة لا علاقة حصرية للسلفية بالدين، فهي تكون بين المتدينين كما بين الملحدين، إنها منهج تفكير، وأسلوب حياة وتعاطي...!!!.

(2)

يوما بعد يوم، تغوص المعارضة الليبية، أو جزء كبير منها، في نظرة ماضوية غريبة، هي ناستولجيا وحنين مرضي، لا للعهد الملكي، ولا للحياة الدستورية فقط، بل لرموز تلك الحقبة، ثمة انغماس غير متحفظ لتقديس تلك الأيام، وأولئك الناس، والأمر يعلّق على شماعة إعادة الإعتبار، أو الإنصاف لكن الواقع وتأمله يشي بغير ذلك إطلاقا.

  • فهولاء الذين تحولت حقبة ليبيا الملكي لديهم، إلى ماضي فردوسي، لا يشيروا إلى الأخطاء التي حدثت فيه، ولا يضعون الفترة الملكية وفق تقديرات مالها وما عليها، هل يستطيع أحدهم أن يقدم حصرا بما يراه هو أخطاء حدثت؟؟، ثم يقيّم الأثر التاريخي لهذه الأخطاء!!!.
  • وهم كذلك لا يرون في العهد الملكي أي سبب لما بعده، فهم يقدموا تاريخ ليبيا، في صورة انقطاع خرافي، وما جاء بعد الملكية، لم يكن نتيجة طبيعية لتغير الرأي العام والمزاج الشعبي والسياسي، هم لا يذكروا تأييد الانقلاب، والتذمر الشعبي السابق له، بل هم يجعلوا من تعاطيهم مع ما بعد الملكية، إما في خانة المسكوت عنه، أو المبرر بـ على مضض، أو من إكراه وقلبه يتأجج ويتوق للتغيير... هم لا يملكون أي منظور تاريخي للتاريخ!!!.
  • إن إعادة الإعتبار ستكون مترافقة مع الاتهامات، وبيان ما يبررها إن وقعت، أو رفضها وبيان تجنيها إن كانت غير ثابتة ولا واقعية، لكن الأمر ينحو منحى آخر، عندما يقدم خطاب تبجيلي، تقديسي، منفر حقا، لمن يرنو لحقيقة تاريخية مجردة إلى حد كبير، فلا مجال لمطلق طالما كان المجهود بشريا.
  • من المؤسف فعلا أن تتحول الحقبة الملكية إلى ميدان صراع، فثمة من يدين الواقع بالماضي، وثمة من يدين الماضي ليثبت أحقية الحاضر، أو يخفف من جرمه، وفي كلا الحالتين، فإن موقف الناس (كما يظهر) من تاريخ ليبيا الملكي، يتحدد وفقا لموقفهم من الحاضر، فمن يرجو من حاضره خيرا، ويأمل في تغيرات سياسية يراها ممكنة، يهاجم الماضي الملكي بشراسة، ويحمل رموزه كل التبعات، ويخفي بمهارة حسناته، ضمن تبريرات ضبابية، كحسن طوية هولاء الرموز ونقاءهم، أما من فقد من حاضره كل أمل، فقد بدا هاجسه بذلك العهد الغابر شديد الوطأة، وبين هولاء وهولاء ضاع التناول الموضوعي، و((كتبت الكتب))، وقيلت الأقاويل، وهي التي أدت بدورها إلى صراعات وردود فعل تزداد طرديا، وبلا توقف، والأمر لا تستحق الإشارة إليها بأكثر من ذلك!!!!.
(3)

قبل عامين ونيّف 11/09/2003، كتبت عن (الملكية كخيار أخلاقي)، ولازلت أرى بوضوح أن المعارضة الليبية، تتجاوز على طريقة النعامة والرمال، مقتضيات دعواها، بكسر الانقلاب للمسار الديمقراطي الليبي، دون تفكير في صياغة نظرية للتعامل مع قفزهم غير المفهوم عن الملكية.
يومها قلت بوضوح (أنني لست ملكيا...)، ولازلت، ولا أرى أي مستقبل حقيقي للملكية في ليبيا، ولكن ما نراه نحن شيء، ومدى الشفافية في تأييد ذلك، وبيان آليات تجاوز القائم شيء مختلف تماما.

..... وهذا طبيعة كل دعوة سلفية إنها تأييد غير عقلاني للماضي، دون تدقيق في انسجام الماضي مع الحاضر، ودون قدرة على التعايش مع الماضي بشكل متزامن مع ضغوط الراهن، فيحدث الفارق الوحيد في الخطاب والادعاء، وإهمال تجليات الواقع ومحدداته.

(إدريس الأول) هو من بنى (كقائد) ليبيا الحديثة، لكنه ليس بحاجة للصراعات التي تحدث من أجله، هذه صراعات يخوضها اليوم من يخوضها، ليبحث عن شرعية، أو يدين بها خصومه، والحال أن النتيجة الوحيدة هي إهمال السوسيولوجي والتاريخي، والتفرغ (لبيع الريح للمراكب).

وهنا علامة الخلل المضني: خطابنا السياسي، يصدر عن عزلة دائما، ولكنها عزلة إما مقترنة باندماج مع الآخر لا الذات وواقعها، كما يبشرنا الليبراليون الذين تحولت معهم الليبرالية والعلمانية إلى مذهبية متحجرة، أو اندماج مع الماضي، وكلاهما يتصارع بالتاريخ من أجلهم هم وحاضرهم، لا من أجل المستقبل، ولذلك لا مجال للتراكم والاستمرارية في حياتنا، فلكل منا مشروعه الخاص، وهو مشروع لا يضمن الأهداف المعلنة، بل فقط معد بعناية، لينتصر صاحبه على الآخرين، أصحاب الأهداف المغايرة، التي أعدت هي الأخرى كسابقاتها، لا أحد يعتقد أن الآخرين يسيرون ببطء، بل في الحقيقة يتهمهم بالسير عكس الاتجاه، فحتى التخلف هي تهمة جيدة لو تحصلنا عليها، المتخلف على الجادة لكنه متأخر، فيما نعتقد أن كل منا على طريق، والمتوازيان لا يلتقيان مهما امتدا، وكذلك لا ضمانة في تحقق الوصول اللهم إلا إن أمكن وصولنا بالصدفة.(*)

abusleem@gmail.com ________________________________________________

(*) لم نحاول الاكتفاء بطرح مشكلة السلفية السياسية كمشكل سياسي بل هي مشكلة ثقافية أساسا ومن الواضح أن كل جزئية في حياتنا ترتبط بأزمة ثقافية أعم، وهذا كله يشكل الخريطة العامة لحياتنا، وبالتالي فأعتقد أن طرح الإشكال من باب العلمانية والإسلامية، وأيهما الحل، وهو مدخل خاطئ، طالما أن الأساس المعرفي يظل متخلفا، والجميع يرى أن طرحه (الإسلام والليبرالية والعلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني والتعددية والحداثة على السواء) هو الحل للخروج من الأزمة، وفي نفس الوقت نتيجة للخروج من الأزمة، وعندما يكون السبب هو النتيجة نفسها، فعلى العقل السلام.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home