Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Tuesday, 9 May, 2006

عـندما تصبح الحزبية إجهاضاً للعـقلانية

طارق القزيري

الديمقراطية تقوم على تعدد مصادر المشروعية في المجتمع ، ولكن في ظل شرعية واحدة ، بحيث تمارس السيادة العليا في الدولة بوصفها محصلة لكل القوى والفاعليات ولمختلف القطاعات و المجالات .
                                                                                   د. عـلي حرب (كتاب : نقد النص)


(1)

قبل فترة تزايدت مجموعة خطابات تبدو محمومة، لتسويق دعاوى ضمن أجندات حزبية، ورهانات سياسية خاصة بأطراف معينة، بدون عناء التفكير في عواقب ذلك إطلاقا، وتلخصت دعوى هولاء في القول :
إن أعتبار النظام الحاكم والتعامل معه سابقا، سيكون ناقضا، ومانعا، من المطالبة بإنهاء وجوده، والطعن في شرعيته، وإن العمل على أي تصور آخر للنظام السياسي في ليبيا، هو خرق لشرعية استقرت، بغض النظر عن آليات ووسائل استقرارها.

من الواضح أن هذه الدعوى تتشاكل ظاهريا، مع ما انتهى إليه بعض فقهاء السياسية الشرعية في تجربة الحضارة الإسلامية، حيث (الطاعة لمن غلب)، ولو أدى ذلك إلى قيام أكثر من ولي أمر للمسلمين، بشرط اختلاف الجغرافيا وبعد الديار (= بقعتين متباعدتين) ... الخ.
ومبحث الشرعية السياسية للسلطة هو مركز اهتمام فلسفة السياسة: كمبحث نظري عام، حيث كيف يمكن أعتبار الحكومة شرعية؟؟، وكيف تنهار هذه الشرعية؟؟ وبالتالي فأهمية طرح هذا الموضوع للنقاش والبحث لا تخفى بالنظر لما تقدم، من محاولات نقض الشرعية، الموجهة إيديولوجيا وحزبيا، نتيجة صراع خيارات سياسية متباينة خاصة بعد تنامي الدعوة (للسنوسية)، بين أوساط بعض المعارضين، والخوف الذي يعتري البعض الآخر من ذلك، خاصة ممن ينتمون لنفس الفضاء الفكري الذي تنتمي إليه السنوسية بشكل عام، ويعتبر ذلك اشد خطورة عليهم من غيرهم، أعني بذلك خصوم السنوسية من الإسلام السياسوي الحزبي.
وهذا ما يفسر الدعوة ومصدرها وتوقيتها، ويبرر الطبيعة الانتقائية لهذه الدعوى، لكن المجهود المطلوب هو في نقل التوظيفات المصلحية، إلى فضاء فكري أعم، بقطع الصلة مع الراهن والمؤقت.
هذه الدعوى لا تفصل أساسا، بين ((النظام والدولة))، وبالتالي فهي في غمرة الاندفاع تتناسى تأكيدها للطابع الشمولي لموضوعها الذي تدافع عنه، وهي كذلك تلغي أي حاجة نظرية، لمراجعة الحراك ووجهات النظر السياسية، إذ طالما البدء كافيا لمنع نقض الشرعية، فأي باب يبقى للنقد والمراجعة؟؟ هذه الدعوى السقيمة، تقذف بكل فلسفة السياسة في سلة المهملات... ولا عجب !!!
والأنكى أن أصحاب هذه الدعوى، يغضون النظر عن التخلي الفكري والهروب عن معتقداتهم السابقة (كالحاكمية)، ويجرّمون، المراجعة في المسار السياسي، رغم ارتباط الأولى بالمنهج النظري، وارتباط الثاني(السياسة) بالمنطق البرجماتي الصرف (غالبا) وهذا رد جدلي/ صراعي، ليس مما نريده هنا، أو يليق بنا هنا.

(2)

البحث في شرعية السلطة السياسية يقتضي من الحيثية التي نريد، النظر في علاقتها بالزمن وأبعاده الثلاثة، ((الماضي - الحاضر - المستقبل))
● ففي الماضي : فكيف وجدت هذه السلطة؟؟، وما مدى مطابقة آلية هذا الوجود وطريقته، لمعايير التعاقد الاجتماعي بمفهومه الحديث؟؟، وعدمه صدامه مع الإرادة الشعبية، بحسب الأكثرية الانتخابية!!.
● وفي الحاضر: مدى وفاء السلطة بمقتضيات مسؤوليتها، وضمانها لرخاء وأمن مجتمعها، بحسب قدرتها، وسماحها بالتفاعل المدني، للحفاظ على كل مكتسب مجتمعي، وتعزيزه، إن مهمة الحفاظ على الديمقراطية، وعدم الإخلال بالفصل بين السلطات، هو ما يوضح مدى إستجابة الوجود الحكومي، لمعايير الشرعية.
● وفي المستقبل: مدى توفير السلطة لمظنات الانتقال الديمقراطي وتداول السلطة، فالحكومة التي لا تضمن سلاسة انتقال السلطة، وتخترق الدستور الذي جاء بها للحكم، لايمكن أن تتمتع بالمشروعية النظرية للسلطة.
لكن المفيد هنا – لو تأملنا- أن هذه العلاقات الزمنية الثلاث للسلطة وارتباطها بالمشروعية، هي علاقات ذات منطق صاعد في الزمن، وليس بالهابط، بمعنى أن المطلوب دائما، هو إمكان الوصول على المرحلة اللاحقة، بغض النظر، عن السابق (في كثير من الأحيان)، وهذا أمر ينقض الدعوى أعلاه، من الأساس، فهي تتمسك بالمرحلة السابقة، وتعتبرها هي العمدة، في ضمان شرعية النظام السياسي.
وللتوضيح بأمثلة من الواقع: لدينا (الحالة الموريتانية)، التي قامت على فسخ وجود حكم جاء بطريقة ديمقراطية (ظاهريا)، والانقلاب لايمكن أن يكون ديمقراطيا، لكن إجماع القوى السياسية، على شرعية المرحلة الانتقالية، نجم عن سمتها المؤقتة بالذات، بمعنى أنه إذا أخلت السلطة الانقلابية، بشرط التمهيد الديمقراطي، فلن يكون لها شرعية، وبالتالي فليس المعتمد الآن هناك، كيف جاءت؟؟ بل كيف ستفعل؟؟
وفي ((الحالة الخليجية عموما))، يبرز لنا مثال، آخر للسلطة التي تقوم، بما يدعم شرعيتها الحاضرة، عبر الوفاء بالشرط التنموي، وضمان حد أدنى من عدالة توزيع الثروة، والمهم هو سماحها – بالحد الكافي- للتفاعل المدني، وبذر إمكانات تجاوز الوعي القائم، نحو دولة ديمقراطية حديثة، بما ينسجم مع تطور المجتمع ككل.
وفي ((الحالة التونسية)): يتوفر شرطا الماضي والحاضر، حيث الوصول الديمقراطي للحكم، والوفاء بالشرط التنموي، لكن انسداد الأفق الديمقراطي، هو ما يجعل شرعية الحكم التونسي، مثار جدل كبير محلي ودولي، وشهادات المنظمات الحقوقية، تبين مدى الخرق للشرعية السياسية، الذي يقوم به النظام التونسي ضد المجتمع المدني وفعالياته، وهم المعنيون بأي تداول للسلطة، وتبقى الحالتان (المصرية والسورية)، ذات طبيعة خاصة تقتضي إسهابا ليس هذا موضعه!!!!

وفي ((الحالة الليبية))، يكمن المثال الكامل والنموذجي لخرق الشرعية، فالنظام لم يصل لكرسيه ديمقراطيا، كما لم يضمن استمرار نمو مؤسسات المجتمع المدني، التي كانت موجودة فعلا، وكذلك لم يؤسس غيرها، وفق أي منطق يريده هو!!، كما لا يظهر في الأفق أي رغبة لديه، لتحول ديمقراطي، وحتى لو افترضنا، صحة تخفيف الاحتقان، عبر ضخ سيولة ما، وتحسين القوة الشرائية للمواطنين- رغم غياب أي دليل كاف على ذلك- حتى لو افترضنا ذلك، فهو أولا غير كاف، لأنه مجرد حقنة، ثم إنه لا يشير بأي شكل لفك المأزق السياسي، وغياب الديمقراطية، وحرية التعبير، وضمان حقوق الإنسان، ليس في الراهن، بل في المستقبل المنظور كذلك.....!!
لسنا هنا لنحاكم النظام السياسي الليبي، لكننا نريد فقط، القول إن الشرعية لذلك النظام مخترقة تماما، والعمل معه، بافتراض الأمر الواقع، يمكن إنهائه، حالما يتبين الانقطاع والقطيعة مع الفترات اللاحقة والمذكورة أعلاه، وهذا ما وقع بالفعل.....

أمكن للنظام في ليبيا لو أراد ، أن يستفيد من حالة التأييد الشعبي، مدفوعة بالتأثير القومي، وعوامل خارجية وداخلية، بعد الانقلاب مباشرة، لكنه أنتكس على نفسه، في مهمة إفقار وتهميش، وتنكيل، غير مبررة، للشعب وفعالياته، المدنية وغيرها، وهنا فنقض شرعيته، أمر طبيعي وتلقائي، وتضمنه كافة الشرائع والمواثيق، بل والنظريات والفلسفات السياسية، مالم يتطرق للواقع حساب المصالح الخاصة لهذا وذاك. وهكذا فموقف المعارضة بعد العمل مع الدولة الليبية، وحتى بفرض التوأمة بين (النظام والدولة)، هو مبرر مشروع ومنطقي، طالما كانت الآمال المعقودة، على وفاء النظام بالشرط التنموي، أو على الأقل عدم الوصول بالبلاد لما وصلت إليه فعلا.

(3)

وباعتبار آخر، واضح أن هذه النظرة (أو الدعوى السابقة)، تستنسخ حديث عن شرعية أشبه بالنظم الرأسمالية (الليبرالية) الحديثة، حيث حرية العمل والاكتساب بغض النظر عن الموقف من الحكومة والنظام السياسي، تستنسخه للحديث عن (نظام باقتصاد ريعي)، من جهة، وهو في الحالة الليبية، مغلق إلا على الموارد الحكومية وتوزيع الريع، مما يجعل العيش خارج مظلة الدولة (حتى لو أفترضنا توأمتها مع النظام) محاولة نتيجتها الضنك، وفي الحقيقة مثل هذه الدعاوى ذات الدافع الحزبي، لا تنطلق من تفكير البتة.
وللسبب السابق (اللاتفكير والعمل وفق المصلحة الحزبية المجردة)، يتم يتجاهل أنماط العمل الحكومي، هل هو يخدم كله النظام أم لا؟؟ وهل علاقة وزارة الدفاع، والداخلية، مثل علاقة الصحة والتعليم، والمواصلات، بل حتى التفكير بالفرق بين وزارتي الداخلية حيث الأمن ووزارة العدل حيث القضاء والنيابة، لا يرد البتة، النقد والتحليل دائما هما نقيصة البرغماتية السياسية، لاسيّما في جناحها الخطابي والوعظي.
وهكذا فإن استغلال الصراع السياسي، بالقفز على الأساسيات العامة (كانت مشتركة)، لن يجدي البتة، بل سيعود على الجميع بالإبطال، وإذا وجد من لا يكن (للسنوسية) الود، أو يراها خطرا، على وجوده الرمزي، ورصيده في الوعي الشعبي، ويتخيل أنه في مواجهة استحقاق انتخابي عاجل، عليه التريث قليلا، وادخار جهوده لحين وجود المناخ الديمقراطي فعلا، ساعتها فقط يرتجى دور نافع للتسويق والدعاية وحملاتهما، دون أن نحتاج لحرف الأمور بشكل معيب ومخجل، لغايات وأغراض حزبية، هي بطبيعتها مؤقتة، وانتهازية، ونعلم أنها لاتنتهي لأنها من طبيعة السياسة، المريضة بطبعها، لكن دورنا هو تعرية ماوراء الخطاب.......

حتى وإن شاركنا معهم رفضنا (للسنوسية) بصورتها الراهنة...... الهزيلة بامتياز.


abusleem@gmail.com ________________________________________________

ـ يفصل البعض بين (الشرعية والمشروعية) حيث الشرعية هي العلاقة السياسية، والمشروعية هي العلاقة القانونية، بيد أنني استخدمتهما هنا بمعنى واحد وهذا ما أعتبره مبررا، في مناقشة الحالة الليبية، لشمولية الممارسة السلطوية فيها، ففي فلسطين والعراق يمكن وجود فصل ما فالاحتلال لا يكون شرعيا أو تمنح له الشرعية بحال، ولكن مسؤولية الاحتلال عن ما يجري لا يمكن أن تقوم مالم تكتسب أفعاله مشروعية تحقيق مقتضيات هذه المسؤولية، كالقبض على المجرمين والنهّاب والقتلة، فهذا عمل مشروع، وإن غاب عنه سقف الشرعية السياسية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home