Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Saturday, 8 March, 2008

القمع بالتسامح : أسطورة نخبة طافية

طارق القزيري

يثير مفهوم النخبة كما هو موجود في الأدبيات الحديثة، إشكالا محوريا عندما نرتبط بالحديث عنه في السياق الليبي، ذلك أن هذا المفهوم بما يعنيه من مضمون ثلاثي : (التخصصية – التكوين الراقي – الأداء والإنتاج النوعي) يحدو بي دائما إلى وصف النتاج المتداول عندنا بـ "نتاج نخبة اللا نخبة". ولعلها واضحة ظاهرة "التجزّر الأكاديمي" حينما يستمر المتخصصون في حصر نتاجهم في دوائرهم المهنية الضيقة والمصمتة دون تعميمها أفقيا بشكل كاف.

ونقض وجود النخبة بالشكل المؤثر، أي كونها ظاهرة طافية وغير عميقة ومتجذرة، ليس مجرد محاولة شكلية لمنازعة أيا كان في وصف نفسه بما يشاء، لكن إشارة لسطحية النتاج المتوفر، الأمر الذي لايؤدي فقط لعدم مكافحة المسائل المطروحة بشكل مناسب وشاف، بل يقدم وعيا مشوها بالقيم والميول العامة المراد إثارتها وتعميق الإحساس الواعي بها.

دعنا هنا نشير لمفاهيم رائجة مثل "التسامح" الذي يقدم كشعار شعبوي أخلاقي، برغم كونه في الأساس حالة شعورية فردية، لا يمكن تحولها لشعار برامجي سياسي أو تعبوي. والطرح على هذا الدأب هو ما يسميه "دو توكفيل" بالتوتاليتارية الحداثية" ( = الشمولية) حينما يتم خلق منظومة سلبية من الخيارات، يكون مجرد الاقتراب منها مخالفة للواجب الأخلاقي أو الشرعي أو الوطني الخ، فتقدم عنفا رمزيا، عندما لا تسعى إطلاقا للدلالة على ترابط السلبيات بالواجب ارتباطا كافيا.

لا تطرح القيم والمفاهيم كالتسامح والإصلاح والوسطية والاعتدال مثلا، بشكل نقدي جاد – في هذه التوتاليتارية – بل تطرح بحسب الحاجة منها، ويصبح الاعتراض عليها اعتراض على كل الشعارات المزدحمة خلفها، وكأنها تصير شعارا ورمزا لعملية بالغة التعقيد يراد لها دائما أن تبقى خفية ... وهي بذلك عندما تنكشف تعرب عن أوهام لنخبوية مدعاة، تمارس التعويض لما تظن انه حقها المسلوب.

التسامح يتم سلبه من سياقاته اللغوية والمضمونية فيحذف من استحقاقاته :

- القدرة فلا معنى لمتسامح غير قادر على عدم التسامح، وهو ليس قرين " التغاضي" عندما يغض الطرف عن الخطاء لعدم القدرة أو عدم مناسبة الاعتراض فهذا لا يكون تسامحا بل كما يقول كارل بوبر - الذي يقدم تحليلا خصبا لمفهومة التسامح – يقول نقلا عن فولتير أن التسامح لا يكون إلا تبادليا : فيلزم أن يقوم على مبدأ التقابل، و ليس الطرفية الواحدة.

والشمولية من حيث كونه معطى سيكولوجي. والقيم النفسية لا تتجزأ فلا يمكن التسامح جزئيا. فعندما يطرح التسامح تجاه قضية بعينها ومن أناس بعينهم سيكون هذا إهدارا للمفهوم، وعندنا مثلا يطرح التسامح من قبل السجناء السابقين، وضد السجن بالذات، وكأن المسألة فقط هي في القضبان، وتصير قضايا مثل السجن الكبير والأرواح المزهقة، والأدوات الممكنة التفعيل بالقمع في أي لحظة، غير مدرجة في الإعتبار أنا أسامحك عن (أ) ولا علاقة لي بـ (ب) ولو كانت تطالني أو كانت أكبر وأفدح.

- وكونه رد فعل فهو مناط بما حدث في الماضي – والماضي فقط – دون توقع حدوث موضوع التسامح أو الخطأ المتسامح معه مستقبلا، وإلا كان التسامح عبثا.

- وكونه منتجا وليس فعلا سلبيا – في حال تمثله - فلا يمكن للمعتزلين للشأن العام أو المتخلين عن وظيفة المثقف المشغولة بالنقد والانخراط ضد القيم الضارة والممارسات المرفوضة مبدئيا " والمهتمين بشؤون وادعة" ولو كانت مهمة ومطلوبة لا يمكنهم طرح التسامح، بهذه الصورة، إلا تبريرا لعكوفهم عن ما يمكن أن يروا أنفسهم مطالبين به، هذا يجعل التسامح قرينا لـ اللاقضية واللامبالاة. وكما يقول "بوبر" يكون التسامح نتيجة للخوف من اللاتسامح.

هذا مثال فقط – وإن لم يكن بالعابر – عن مدى الفداحة التي تمارسها نخبة غير مجهزة بما يكفي ، ضد الوعي، وفي ظل غياب النتاج النوعي يكون المتسامحون يعززون نقيض التسامح بتقديم وعي مغاير به.

وهذا ما تفعله سياقات الترضية للذات أو الآخر كان هذا الآخر سلطة أو جموعا، أو ماشابه. وبترضية تلك السلط ينشئون ويعززون سلطة أخرى أخلاقية صارمة، فيعيدون الكرّة القمعية ولو بنعومة ... وهنا تكمن المفارقة.

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home