Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Wednesday, 8 March, 2005

ليبيا : حكومة لالتقاط الأنفاس

طارق القزيري

(1)

ظل نظام العقيد القذافي طيلة عمره الذي قارب 37 عاما، مأزوما بلحظته الأولى، التي جعلته على الدوام أسيرا لها، ومحكوما بطبيعتها الانقضاضية، قصة نشأة السلطة الثورية في ليبيا، هي التي جعلت مسار هذه السلطة يقاطع المؤسسات الدستورية، فبعد تجاوز الدستور بالانقلاب العسكري، أصبحت العودة إلى أي صورة ممكنة منه، أمرا صعب الهضم على من تشبع بخشية أن يعيد خصومه المفترضين الكرة عليه شخصيا....

ولأن السيادة أمر لايمكن تصوره بلا وجود شرعية، ظل مصدر الشرعية السياسية للسلطة، أمرا خارجا عن ليبيا ذاتها، وهو أمر لا نتعب كثيرا في البحث عن مظاهر واضحة له ولو من خلال ما قيل أنه كلمة السر للعملية العسكرية التي دشنت الانقلاب (القدس)، إن هذه الكلمة لم تكن تعني في العمق، إلا افتقاد العمل لشرعيته في الداخل، فليبيا آنذاك لم تكن تعاني مشاكل بطالة ولا فساد بالشكل الخارق للعادة ، الذي يستدعي الجراحة المسلحة، بل ما كان في ليبيا، بدا منسجما مع طبيعتها القبلية، وتوازناتها الداخلية، بغض النظر عن مقدار التشوه، الذي من المؤكد أنه لم يطل إلى عمق البنية الاجتماعية بأي حال فكان استجلاب المبرر الخارجي ضروريا لدعم قاعدة السلطة الوليدة.

وهكذا تداولت شعارات الشرعية بين يدي من يحكم ليبيا، من العروبة والوحدة إلى الأممية، إلى الإسلامية ، إلى الأفريقية، بل كان أسم (النظرية العالمية الثالثة) هو توكيد شديد المباشرة على مدى الهروب الخارجي بحثا عن الشرعية، في بلد لم ينتج ما يكفيه من أي شئ على الإطلاق إلا النفط... ودون أن تكون الليبية شعارا مطروحا بأي حال في السياق، وهكذا ما كان ينبغي الحديث عن تعزيز تشاركية مجتمعية، ولا بناء مؤسسات مدنية، ولا حتى أي صيغة تعاقدية ولو صورية أو تدشين آليات نظام دولة تستقل بقرارها عن النظام الحاكم بأي معنى. لقد تحكمت النشأة في الاستمرارية، ولم يعد بالإمكان العودة عن ما وقع ذلك أنه سيستهدف العودة على أصل الشرعية بالإبطال، وصار العمل على تكديس السلطات بشكل ليس مركزي بل شخصي فاقع اللون، وصار كل ما هناك ينبع عن المحرك الأول، أو المحرك الذي لا يتحرك بلغة أرسطية.

وبالتالي ووفقا لهذا يستبعد أي متابع لهذا النظام فكرة (انقلاب القصر)، ليس لعدم وجود من يقوم به، بل لتعذر أي وسيلة عملية متاحة، إلا في حال واحدة فقط، لم تقع حتى الآن، وهي تعذر قدرة المحرك الأول على التحريك والتحكم. ما سبق هو ما نراه جديرا بأن يحدد أي متغيرات على الساحة الليبية، كما يؤطر أي تحليل ممكن لما يقع.... فما في الخيمة إلا هو !!!

(2)

في خطابه الأخير بداية هذا الشهر، بدا واضحا أن ما يجب الانتباه إليه، هو المسكوت عنه، لا العكس، جاء خطاب العقيد أمام استحقاقات عديدة في الداخل، من هبة بنغازي العنيفة جدا، بشكل لم يسبق لسلطة القائد أن تعرضت لها في تاريخها الطويل، إلى مشاريع الخصخصة وخططها التي أقضت مضاجع دوي الدخول المنخفضة وهم السواد الأعظم، إلى موضوع الأجور نفسها التي بات التعرض لها وبشكل تسويفي هروبي دأب السلطة منذ أمد طويل. بمعنى آخر، أن الحديث كان من المفترض أن يكون في الإجرائيات والتطبيقات كالعادة، فالحديث في مارس هو حديث الإدارة وفي سبتمبر حديث القيادة والزعامة أو هكذا كان المعتاد !!!

لكن العقيد بدأ متوترا، وهو يزعم أن العالم سيستعيد تجربته (= الكتاب الأخضر) ( شاء أم أبى، طال الزمن أم قصر، أستهزئ أو ضحك الخ من تعابير الانفعال!!!)، كذلك بدأ الهتاف في القاعة ومبالغا فيه، بشكل تناساه الليبيون منذ أمد طويل، ولاحظنا تعمد العقيد نفسه التوقف ليتيح للهتافات مساحتها، ويطلب من المنظمين ترك من يهتف لحال سبيله. فموضوع الخطاب، وما رشح من نفسية العقيد، وما ظهر من انفعال الحضور، ومبالغتهم في التعبير عن قوة الثورة والقائد والتجربة، تشير بوضوح إلى المأزق الذي يعانيه النظام، بدا العقيد لأول مرة يبحث لنظامه عن هيبته، صحيح أن الشرعية ظلت مستندة على ماهو متخارج عن ليبيا، لكن ما حدث في بنغازي وما حولها جعل كل ماهو خارجي جعله خارجي بالفعل، وبدا الوضع في التأزم إنها أزمة نظام بهيبة مهدورة!!!

ويعد الإفراج عن معتقلين سياسيين، ضربت شهرتهم الآفاق، كالمنصوري والإخوان، استحثاثا قويا، للظهور بالموقف المتشدد أمام الداخل، تراجع أي نظام شمولي يعني سقوطه، فعندما تكون السلطة متعاقدة مع القوة والرهبة فقط، لا مجال أمامها للتراجع ولو من باب المضي في ما يضطرها إليه الواقع وتعويضه في الخطاب العنيف.

(3)

في جلسته الأخيرة، أعلن مؤتمر الشعب العام وزارة جديدة، ضمت إليها وزارت ألغيت سابقا، وقذف بوجوه إصلاحية وجذرية على السواء بعيدا، فخرج غانم الإصلاحي متأبطا ذراع أمبيرش الثوري، وإن ذهب الأول إلى حيث يراد له أساسا: النفط والشركات الغربية.

إن التأمل المطلوب ليس في من خرج بل من أتى، الأمر الذي يكشف أن موضوع التغيير كان المقصود منه طي مرحلة سابقة، دون الوصول لمرحلة جديدة، فالوزير الأول الجديد، لا طابع له، وهو كما قال عبدالله عثمان ذراع سيف القذافي لم يرض أحد لا إصلاح ولاجذريين (وكالة الصحافة الفرنسية)، لكن ما سكت عنه عثمان أنه لم يغضب أحد، فهو ترك الباب مفتوحا، على أمل أو وهم لا فرق طالما أن هناك من يعتقد أن الداخل هو محك عمل أي فريق عمل وزاري في أي يوم من الأيام.

إن شخصنة مصادر السلطة في ليبيا، حوّلت كل القنوات الإدارية إلى منصات تمرير القرار وتنفيذه، لا إصداره، لم يثبت لحد الساعة استقلال وزير واحد بقرار مهم، وبالتالي فالحديث عن تغيير وزارت بشكل يستدعي تغيير في السياسات أمر مخالف للواقع طالما أن الراسم الأول هو المحرك الأول بلا مزيد.

قصة الإصلاحيين والجذريين هي قصة مستوردة، ليس لعدم وجود من يريد الإصلاح، لكن النوايا لا تخلق المجال السياسي، والرغبات لا تصنع الفرقاء، قدرة كل طرف على التعويض أو المبادرة وإمكانيته في الحركة وحدها من تجعله عنصرا معتبرا في أي معادلة سياسية، وهذا ما يقر الجميع بغيابه.

في إطار الشخصنة السلطوية، والهيبة المهدورة، يمكن قراءة التغييرات الوزارية في ليبيا بشكل واحد فقط، إنها مرحلة التقاط أنفاس، فالتغيير كان ضروريا لطي المرحلة، والتخفف من أثقالها، والوزير الذي جاء لا لون له، وهو أمر يجعل النظام واضحا في رسالته للخارج، مع اعتبار التهديد الليبي لإيطاليا، فهو لم يتشدد بعد وقد لا يصلح ..... العقيد كعادته يدير علاقته بالخارج من خلال الداخل، كما يعود بشرعيته من الخارج ليحكم الداخل، ثنائية يكون فيها الخارج دائما المصدر والمطلوب، وهذا أمر لم يحتج الغرب كثيرا لفهمه فإيطاليا أعتبرت ما يحدث إستهلاكا محليا، وهناك من أعتبر الأمر رسالة بإمكانية أن يضايق النظام الليبي الغرب في وقت لن يفرح فيه أحد في ذلك الغرب بوجود المارقين كانوا جادين أم على صعيد الإبتزاز...

طارق القزيري
abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home