Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Friday, 7 September, 2007

تركيا : النموذج الممتنع

طارق القزيري

  (لقد سقطت حضارتنا الإسلامية، ولابد من تغيير قيمنا بمقتضى واقعنا الجديد) “الرئيس التركي عبدالله غول”

       ( نعم لقد تغيّرت وتطوّرت وأرجو أن تفعلي مثلي ..) ”أردوغان” يرد على نائبة علمانية في البرلمان.

تدريجيا بدأت النشوة والغبطة، بفوز”العدالة والتنمية” تزول برغم سيطرة الحزب، على الفضاء السياسي التركي وبما لا سابق له البتة، فخفتت الأصوات الداعية لاعتباره نموذجا للإسلام السياسي يجب الاقتداء به. فقد أظهر أبناء أربكان ـ وخصومه لاحقا ـ وجها مربكا لمن تمنى فيهم الرد الساحق، على “دعاة التغريب والعلمنة ومجافاة الهوية” بل إن قناة الضمير “القوموي ـ الاسلاموي” القطرية، أسمتهم بإصرار بـ”العثمانيين الجدد” في إسقاط بدلاله واضحة، على رغبة دفينة في عودة ما قام بتصفيته “كمال أتاتورك”.

فهل كانت بضع إشارات ليّنة تجاه الجيش والعلمانية في الخطاب “العدالي التنموي” وحدها من صنع الفارق؟؟ وأنشأ البينونة بين “حماة الأمة” والنموذج التركي؟؟ لا أظن ذلك !!. وأرى أن الفوارق بين ما هو في تركيا، وما يتربع على جثة الحراك الفكري والسياسي في “مستعمرات تركيا” السابقة ، من الجزائر للخليج، أعمق وأعرض وأوضح. والممتنع هنا ليس فوز الإسلاميين مجردا، فهم سيفوزون بأي استحقاق انتخابي في الأفق المنظور، لكن أن يكون فوزهم هو بالذات عامل الاستقرار، فهذا هو الممتنع .. حتى الآن!!.

فخصوم الإسلاميين الأتراك كانوا أكثر رقيا والتزاما من خصومهم في غيرها من بلاد الإسلام السياسي، يصح أنهم جامدون، ولا يؤمنون بالديمقراطية كما هي دستوريا وطبيعيا، لكنهم ليسوا مؤسسة مافيوزية، من قتلة ولصوص، ولم يكن الجيش التركي منخورا بالفساد. بل مؤسسة بنيت على عقيدة دوغمائية، شرسة((وهو أكثر مؤسسة تتمتع بالثقة في تركيا)) وهذا ماجعل تدخلاتهم الأربعة، وضغوطهم تنحصر في مواجهة ما يتوقعونه خطرا على عقيدتهم للدولة، ماجعل الصراع معهم ممكنا، بوجود من يستطيع إدارته، وهذا ما لا نجده، في الطبقات الحاكمة والمؤسسات العسكرية المجاورة.

والمجتمع التركي نفسه، يظهر أنه مختلف نوعيا، عن شعوب العرب، ليس فقط لجهة نظام تعليمي أكثر رقيا بمراحل منا، بل حتى في المسلك الثقافي تجاه نفس القضايا، لاحظ ردة فعل الأتراك على خطاب البابا، والرسوم الدانمركية وغيرها، وهل يوجد لدينا ثقافة تسامح لا تجد غضاضة في المزاوجة بين المتاحف ودور العبادة مثلا؟؟، ثم نظرة على الصحافة والأدب بتركيا، من خلال ما يرشح لنا من مترجمات، تجعل المقاربة مع العرب، أقرب لقلة الجدية منها لشيء آخر.

ومن ضمن ذلك الاقتصاد : فلا شك أن الدور الذي لعبه الاقتصاد التركي، هو مختلف بحجم الفارق بين قوة اقتصاد تركيا وارتباطه بالسوق العالمي، وبين اقتصاديات عموم بلاد المسلمين، لربما لا تحوز تركيا اقتصادا محوريا في العالم، لكن اقتصادها مرتبط بشكل أساسي بالأسواق العالمية، ليس من خلال “ طفرة التصنيع كما أراد أربكان” بل باستثمارات خارجية، ربما تكون غير منتجة، باعتبارها أنها في البورصة والمضاربات، لكنها إذ تتجاوز 70 مليارا، فهذا يكشف مدى الثقة والسمعة، المنعكسة على العملة التركية من ذلك، فهل نتصور اقتصادا وسوقا مشابها لتركيا لدينا؟؟ وهل يمكن أن لا يكون لذلك فارق وأثر على الصراع السياسي والثقافي لتركيا دونا عن السائر؟.

النخبة التركية: لا تشترك في شيء مع نخبتنا الليبرالية المدعية، بعد الفوز الأخير، حاول أردوغان التراجع، عن ترشيح “غول” للرئاسة، لأجل طرح أسم أكثر مقبولية، أو عدة أسماء، فشنت نخبة علمانية هجوما، بأن التخلي عن “غول” سيمهد للجيش التقدم لمواقع خسرها فعلا، ويمهد لانقلاب عسكري خامس، بينما كل الظروف تقف في وجهه الآن. تيار” الجمهورية الثانية” الداعي لنبذ “جمهورية أتاتورك” لصالح نموذج أكثر تفاعلية، وعمومية، وهو مشروع فكري سياسي علماني صرف، كان أكبر معين “للعدالة والتنمية في ضبط المعادلة تجاه ما وصلوا إليه.

الحراك الداخلي للتيار الإسلامي، والتنافس على قيادة التيار، بين الحقبة التاريخية، والجيل الجديد، لم يسهم فقط في صقل خبرات هذا الجيل الجديد، بل ساعد ـ كما هو الصراع السياسي السلمي دائما ـ في تطوير خطاب أكثر إنسانية، ومعقولية، وواقعية، فتم تجاوز طوباوية “ أربكان” الداعي لـ “ثمانية كبار من الدول الإسلامية”، وسحب تركيا من أوربا والغرب، وقيادتها للعالم الإسلامي (من جديد) وتمسكه بدرجة أكثر بالإسلام الشريعة، الذي استبداله”العداليون” بالإسلام المفهوم، فربحوا أكثر مما ربحت الطوباوية ... بمراحل. ماذا لو سمحت مصر لحزب الوسط بالتأسيس ألن يكون ذلك دافعا “للإخوان” ليتطوروا، وهم الذين شهد لهم محاميهم “هويدي” قبل أيام فقط، بأنهم (يتطورون ولو ببطء).

لاشيء يجعل تركيا تشبه الآخرين ـ حتى الآن على الأقل ومن هذه الناحية تحديدا ـ ودعنا هنا نتجاوز النموذج الماليزي- فهل يوجد مع الفوضى والتهريج المصري، والتقليدية الأردنية، مرورا بالجزائر، وعقلية الحرب التونسية .. و(حكومة الواحد القهار الغزاوية) هل يوجد في كل هذا ما يتقاطع مع النموذج التركي في الصورة العامة للظاهرة ؟؟ من الواضح أن العثمانيين الجدد في كل مكان .... إلا تركيا.

صحيح أن المغرب ـ المفارقة لم تحتله تركيا ـ مؤهل فعلا لتقديم تجربة إسلامية مختلفة، لكنها ستظل محدودة بظروف المغرب نفسه ... وهذا شأن آخر.

Abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home