Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

الخميس 6 نوفمبر 2008

عـندما يتجاوز التاريخ مدى الحلم

طارق القزيري

نعم... نحن نستطيع !!
                                  شعار حملة باراك اوباما الرئاسية


موقع نيويورك تايمز ينقل المعنى الأبرز في فوز اوباما بعد ساعات من قفل الصناديق

كم كان مثيرا عندما خطت "خير النساء" متجاوزة عتبة "قلعة شنقايا" كقصر رئاسي تركي منعت من دخوله، لمجرد ارتدائها قطعة قماش على رأسها، فدخلته كزوجة رئيس، وليصبح كل من يدخله ضيفا عليها. وكم كان مثيرا أن يسقط جدار برلين الذي قسّم ألمانيا وشعبها الواحد، لمجرد أن آخرين لا يأمنون على مصالحهم بدون ذلك.

لكن التمييز العنصري أمر أقوى من قرار سياسي تفرضه طغمة عسكرية أو ديكتاتورية، وأفظع من احتلال أجنبي بقوة السلاح، يمزق ويمتهن كرامة البلاد، هو أمر شديد العمق في الاهانة، أمر لم تستطع حتى الأديان السماوية منعه، سوى بمحاولة التخفيف من آثاره، وسن أحكام لذلك. ولتترك التاريخ ينتهي منه بحسب إرادة الإنسان.

الأحداث التاريخية والمثيرة كثيرة جدا، لكن فوز رجل أسود ليقود أقوى دول العالم بل ويقود العالم كله، أمر يتجاوز ذلك الحلم الذي صدع به "مارثن لوثر" قبل 45 عاما. آنذاك لم يكن الحلم، أكثر من رؤية أطفال ملونين وبيض يسيرون يدا بيد، ولم يكن أكثر من أمنية غامضة بتدفق نهر العدالة العرقية، في الولايات المتحدة لا يرده شيء.

هل خمّن ابراهام لينكولن انه بعد أقل من 150 عاما على قراراه بإلغاء الرق، سيجلس في واشنطن رجل اسود، وزوجة سوداء. وأطفال سود، يصطحبوا معهم جروا صغيرا هدية والدهم، بمناسبة دخولهم كسود مالكين لبيت أسمه أبيض.


أمريكيون أفارقة في "حي هارلم" لحظة إعلان فوز أوباما

التمييز اللوني هو أقوى وأشنع امتهان يتعرض له البشر في تاريخهم، وعندما يتجاوز الإنسان – أو يضع رجله في سبيل ذلك – تكون تلك اللحظة تاريخية، وعن جدارة.

في خطاب ماكين عقيب خسارته، ذكَر الأمريكيين أن "الرئيس روزفلت" تعرض لانتقادات لمجرد استضافة "أسود على العشاء في البيت الأبيض"، ويالها من مفارقة أن يحتل أسود الأبيض، ويسكن فيه، ويستضيف البيض، فيتشرفون بمقابله رئيسهم الأسود ومصافحته آنذاك.

وهذا مالا يمكن أن تفعله إلا أمريكا - وأمريكا فقط – ففي فرنسا أكثر دولة استعمرت السود، ثمة نصف مليون عضو مجلس بلدي، لا يشغل عضويتها أكثر من 2500 أسود.

ألمانيا أضطر بطلها القومي "بوريس بيكر" أن يهاجر لأمريكا عندما تزوج سوداء، هربا من العنصرية، ولا يوجد اسود واحد في سلطتها التشريعية ولا التنفيذية. بريطانيا لا يوجد بها شخصية سوداء شهيرة على مستوى وطني، هولندا لا يزال الجدل ثائرا فيها لتولي "مهاجر مغربي" عمدة بلدية روتردام.

لا يغير من واقع الأمر شيئا كون أمريكا لم تنتخب أوباما لأنه أسود ولو أنتخب لأنه اسود لكان ذلك عنصرية بوجه مختلف !!، أو لم تنتخبه لقناعتها به، بل لأنها تريد التغيير، ونحن نعلم يقينا أن أحداث التاريخ العظمي، هي تلك التي يدفعها طوفان من العوامل المختلفة والمتباينة، ليأتي من يحسن اختيار اللحظة فيتصدر معطى دون سواه.

من يجزم أن " أبراهام لينكون " عندما أصدر إلغاء الرق، فعل ذلك مجرد إنسانية، ومبادئ مجردة لنصرة العبيد في الولايات المتحدة، ألم يكن ذلك لمنع تدخل بريطانيا وفرنسا ربما، أو استغلال نصرة السود في ولايات الجنوب الانفصالية؟، ولكن ما فعله قاد العالم ليصبح الرق جريمة، تعوّد جبين البشرية أن يندى لها.

ومن شاهد دموع "جيسي جاكسون" والذهول والصدمة في "حي هارلم"، يعرف فورا كما كان بعيدا عن الخيال ما حدث. فأولئك الذين جلبوا للسخرة، مقيدين بالأصفاد ليخدموا البيض، صار من جنسهم - ولو لم يأت أجداده مثلهم مقيدا – من يحكم بلاد الفرص، ويشركهم ولأول مرة فعلا، في الحلم الأمريكي الذي ولد من جديد، كـ "طائر فينيق أسطوري" ظن الجميع أن أحترق لمرة واحدة وإلى الأبد.

وماذا بعد ... ؟

أنه لمن المخجل في تاريخنا، وأعظم بلد يقوده رجل أسود، أن لا يزال البشر يطاردون في الأصقاع لمجرد أن شخصا واحدا، أو حزبا واحدا، أو رأيا واحدا يريد أن يبقى هو فقط.

ومثلما سقط التمييز العنصري، بفعل الديمقراطية، والخيار البشري الانتخابي، فالديمقراطية أيضا ستسقط التمييز الديني والإيديولوجي، والجنسي، ليكون الإنسان فقط معيارا للتعايش، وتكتمل شروط المسؤولية، كما خلق الله البشر.

من المخجل حقا أن مسئولا في بلادي، يفخر بطول مدة وزارته- هذا لو صدقنا أنه وزير فعلا - لمجرد أنه أسود، فلا يخشى منه أحد على سلطانه، بهذه الثقافة وهذه النماذج، يستحيل أن يتوفر "اوباما" طالما أن العبودية، أكثر فخرا من الحرية، وكرامة البشر.

ما حدث ليلة "الثلاثاء – الأربعاء" في الولايات المتحدة هو تاريخ جديد للجنس البشري، تاريخ صنعته الديمقراطية فقط. ربما لا يعنيني هنا أن يكون اوباما جيدا للعالم أو لا يكون، فهذا شأن مختلف، وأنا لا أفهم في سياسة أمريكا وتفاصيلها، ولكنني على يقين من أن القوي إرهابي بالضرورة، ولن يستطيع "اوباما ولا غيره" نزع مخلب الأسد، لمجرد أنه لم يعد يروق له.

فوز أوباما فقط يثبت للجميع قوة الديمقراطية، وأن الناس "يستطيعون". وان الفرص لا تأتي لأحد راغبة، والبشر هم من الذين يخلقون أساطيرهم ويعيشوا بها ولها، لينجزوها واقعا متحققا ...

فالمجد للحلم، حتى بعد أن يتجاوزه التاريخ ... والمجد للإنسان....

... وشكرا أميركا.

Abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home