Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Saturday, 6 Octobber, 2007

الـتـنجيع : ظاهـرة ثقافية ليبية سيئة

طارق القزيري

ليس جديدا أن تنتقد ظاهرة البرامج الغنائية التي تتخذ من سمة النجوع والبوادي، شعارا لها، وبرغم تعدد تلك الانتقادات، من اعتمادها غالبا على منطق ربحي وتسويقي، كتوظيفها لأسماء غير ليبية، وألحان ليست محلية، ولا حتى منتمية لسمة البداوة، إلا أن ما نريد أن نتحدث عنه يتجاوز قضية برنامج تلفزيوني ما بعينه، ويتخطى الاقتصار على عمل مفرد.

ما نريده هو ظاهرة (التنجيع الثقافي) أي رسم صورة فولكلورية لبلاد كاملة، بسمات جماعة محدودة منها، بل وبطابع فترة زمنية محدودة من حياة تلك الجماعة.

النجع والبادية ليس سمة ليبيا، وإن كان إحدى سماتها التي تشترك مع غيرها في تكوين الملمح الحضاري والثقافي الليبي، وما يقدم في ليبيا على انه أصالة وتراث، هو مصادرة لرصيد أكبر وأغنى من حياة الليبيين التاريخية، وتختزل هكذا - سواء لإرادة سياسية، أو طموح مثقفين مرتبطين بتلك الإرادة - في الخيام والإبل.

يحار المرء وهو يبحث عن أي سبب مقنع لتغييب حياة المدن وثقافة الحضر، من المشهد التاريخي، فلا يعود لنا إلا أن نفخر بـ "الصمادة، والعمامة" وأزياء ومظاهر لحياة في مناطق لم يعش فيها أحد منا على الإطلاق.

وأكثر من هذا أن تختصر الأخلاق والقيم المعنوية كلها، في البادية والنجع، والبدو الرحل، فلا يعود للمدينة، من الأصالة إلا تبعا لعلاقتها بالبادية، يصبح الكرم والشجاعة والمرؤة، وكل الايجابيات لنوع معين من البادية، وتصبح كل الأضداد الأخرى، من قرينة لقلة النخوة، والجبن، والنكران .. الخ!!.

هذه ليست مرافعة عن المدينة وحياة المدن، فأنا ممن يقول أنه بالكاد نحصل على منطقة واحدة في ليبيا تحوز على صفة المدينة كما تصنف بالمعايير السيكولوجية والاقتصادية الدارجة والمعترف بها.

ولكن ما يجري في ظاهرة " التنجيع" والافتخار بالنجع ليس انتقادا للمدنية كما تتبدى كظاهرة سلبية، بل هو أكثر ما يتضح نكاية في غير هذه الظاهرة، بشكل يبدو اقرب لعقدة النقص، ومن المؤسف أن المدينة نفسها سخرت ما لديها لتبرر وتدعم هذه الظاهرة، الثقافة والعلم ظاهرة مدنية، فإذا بالمثقفين يصيرون حوادي لإبل هذه الهوجة البدوية النوستالجية، حتى ظهر ناقد مسرحي – والمسرح من أكثر الأنماط الثقافية مدنية- يطالب بنزع الكراسي وحضور العرض بشكل يناسب البيئة أكثر، بكونها غير مدنية.

كيف يمكن تناسي أن لبدة و صبراته و شحات وكهوف اكاكوس، هي ظواهر مدنية، ولا تنتمي للبادية، وصورة الرحى، وهي أداة من مرحلة معينة في تاريخ تطور الآلة، لا يجب أن تصير هي سمة البلاد.

أنا لم اعش في النجع، ولا عاش احد من أجدادي فيه، ولا أشعر بأي انتماء نحوه، ولا يعنيني كشخص، واشعر أنني أفخر ببيوت غدامس المحفورة، وآثار شحات، وأسماء مثل قورينا وأويا، وتوباكتس، وحتى السرايا الحمراء، أكثر من النجع وتاريخه، برغم تسليمي أنه يمثل مرحلة في حياة إحدى الجماعات الليبية، وأحترمه بهذا الاعتبار فقط. فلم يتعين علي أن أوافق على جعله السمة الوحيدة، أو حتى الأبرز في ثقافة بلادي؟؟.

الأمر يتعدى قضية شعر شعبي، وثقافة شعبية، بل هو أكبر بكثير. وعمق القضية يمتد لثقافة استلاب تفرض على بلاد تعيش مسرحية طويلة جدا، ومملة، وبلا كراسي تريح الحضور، من عناء تفاهة السيناريو والممثلين.

Abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home