Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Monday, 4 December, 2006

الجابري : هـل أصبح عـثرة فكر؟؟

طارق القزيري

في الفكر والعلم وحتى السياسة، ثمة مفاصل ومنعطفات لا يعود الأمر بعدها كما كان، فيتجاوز الأمر ما سبق، بمفاهيم أو نظريات أو أحداث، تنتج فلسفة وبنية ومجالا مختلفا، فعل ذلك السيد المسيح كما رسول الإسلام، و ديكارت وسميث وماركس ونيوتن كما مع نابليون، وهتلر ومع الشاطبي والغزالي وحتى علي عبدالرزاق وحسن البنا والقائمة لا تقصر وبنسب مختلفة وفائقة التفاوت.
ثمة ما يمكن قوله بخصوص مواصفات (الحدث ـ المفهوم ـ الفرضية) / المفصل، إذ كيف يكون هذا بالذات حاسما ومفصلياَ؟؟، وليس صحيحا أن الأمر يتوقف على القيمة الذاتية والأثر الواقعي فقط، فثمة كذلك المساندات الاجتماعية / النفسية، التي تعزز هذا الطرح أو سواه ليكون بوابة النقلة الجديدة في الفكر والواقع.
وللدكتور محمد عابد الجابري، مشروعه الشهير: الرامي للبحث في العقل العربي كما تكّون وكما تحدّد، وكما أنتج من نظم معرفية ساهمت بدورها في تأطير الأفق العقلي و (الأخلاقي) للثقافة العربية.

وعودة لحديثنا عن المفاصل المعرفية، فإن ما يكون ثوريا في مرحلة، ويخترق الحوائط ويهدم الأسوار المصمتة حاجبة الحقيقة، يصبح بعد نفاذ طاقته الدافعة، أو (القدرة على النفاذ به لمرحلة جديدة)، يصبح عائقاّ فكرياّ ونفسياّ أمام التجديد. التقليد ليس خاصا بالقديم فقط، بل ربما يلتصق بأحدث الموجودات، كلما غاب عن العقل الممارس ( إرادة وقدرة ) أحداث التجاوز المعرفي، وفق منظور أن لانهاية للممكن الإنساني.
اليوم وبعـد 24 عام عـلى صدور كتاب تكوين العـقل ، و24 عاما عـلى صدور كتاب بنية العـقل العربي، وأكثر من 16 عام عـلى نقد العـقل السياسي، أين هو مشروع الجابري في واقعه؟ ما هي نتائجه في الممارسة النقدية والفكرية العربية؟.
سؤال كهذا يستبطن أن مشروع الجابري فرض نفسه كقيمة معرفية فقط، ومن خلال نجاحه في إضاءة موضوعه ... لكننا نزعم أن هذا نوع من الاختزال وحتى التهميش لما وقع بالفعل !!! فعلى الدوام كانت هناك أسبابا على الهامش هي من ولّد الاهتمام والضجة الإعلامية (لا الفكرية) بمشروع الجابري.

أنتشر الطرح الجابري لا بسبب جودة ما طرح (رغم أقرارنا بأن لحظته تجاوزت واقعه تماماً)، فمواصفات واقع الخطاب لا تشي بكبير أمل في تواصل علمي، بل أنتشر بفضل خصومه بالأساس، فعلى ضفاف طرح د. الجابري ظلت هناك بؤر أستغلها خصومه في التشغيب على مشروعه أثمرت في النهاية تحويله إلى حدث أعلامي لا فكري، ومع خفوت أصوات الخصوم استبقت الحوادث صورة الانبهار، والإطراء المقارب للتبجيل فخسرنا اللحظة المناسبة للتجاوز وتأسيس مفصل أخر صعداّ نحو خرق الحائط البليد الذي يحبسنا.

وحتى لا يكون حديثنا في عماء لنعدد بعض تلك النقاط المذكورة التي ساهمت في تحويل مشروع الجابري من مشروع نقدي بامتياز إلى حدث أعلامي، وأداة أيديولوجية في مواجهات الخصوم، مع إقرارنا أن أقل من ربع قرن لا تعد فترة كافية للحكم على مشروع كهذا المشروع، ولكننا من جهة أخرى نقول أن حجم تأخر العقل العربي، يجعل أي قفزة مهما بعدت محدودة جداّ قياساّ لما هو ممكن من مجالات معرفية.
سنغفل هنا الموقف الثابت من كل طرح فلسفي، وكراهية التجديد في الخطاب بأي شكل كان، وهذه مظاهر الرفض (السلفوي) الدائم ... وسنهتم بأخريات منها ما كان بين ثنايا المشروع ومنها ما كان على هامشه أو من خلال مواقف المفكر بعيداّ عن مشروعه نفسه .....

1- القطيعـة : مفهوم القطيعة (الفوكوي) هو مفهوم محوري في مشروع الجابري حيث يكون نتيجتها وعي جديد يولد أسئلة مختلفة ورؤى ومنظور مختلف وإن استمرت الإشكاليات نفسها، ولكن الجابري رأى أن القطيعة حدثت في الأندلس والمغرب ألأقصى مع الشرق وحمولته البيانية والعرفانية، فتسلح الفقه والمعرفة عموما بالبرهان، ولأن الماضي هو ميدان معارك الحاضر، فقد أشتد المشارقة في التشنيع حتى اتهموا الجابري بالشعوبية، ولعل الحوارات التي دارت عبر صفحات (اليوم السابع الباريسية) بين الجابري / حنفي، وما تلاه من نقاشات بينت مدى التوتر الذي شاب تقبل المشارقة (خاصة المصريين طبعا) لمشروع الجابري من هذه الزاوية بالذات !!!

2- العـلمانية : كما نستغرب أن الفكر (الأسلاموي ـ القوموي) يرفض في آن واحد فكرة صدام الحضارات ومعها فكرة نهـاية التاريخ، بدون تركيز على التناقض بين المفهومين، فكذلك رُفض طرح الجابري حول العلمانية من العلمانيين وخصومهم معاّ، فالسلفيون لم يقرأوا في الجابري أساسا ما يقول فاعتبروه علمانياّ، أما (العلمانويون) فرفضوا أن العلمانية هي مفهوم مشرقي لا علاقة له بالتاريخ العربي كمجال عام، بل هو أزمة أنتجها الصراع الطائفي ضد العثمانيين، وبالتالي فهو خاص بمنطقة معينة، وإذا ارتبطنا (طبقا للجابري) بدعوى العلمانييين، فهذا المفهوم أصبح (صراعياّ) ولن يقود لجديد، وبالتالي لابد من استبداله بدعوى الديمقراطية والتنمية.

3- الأمازيغـية : لم يكن موقف الجابري من غزو الكويت فقط مثاراّ للسخط، بل كان موقفه من الأمازيغ ودعاواهم في بلد تعج وبقوة بالطرح الأمازيغي، والعودة للأصول الثقافية للجماعات السكانية الأصلية (السكان الأصليون وثقافة الهوية)، هذا الموقف والموقف المضاد له، جعل الاعتراض على الجابري وأطروحاته دائما، ومؤخراّ أعترض ناشطون أمازيغ على ترشيح الجابري لجائزة اليونسكو واعتبروا أن تكريم الجابري يعد "تراجعا فظيعا عن الصرامة الأخلاقية التي تتسم بها الفلسفة" و"خيانة للقيم الإنسانية العليا".

4- الرشدية : يعترف الجابري بقراءته الأيديولوجية، ويقول ليس ثمة مشروع بلا أيديولوجية، ويقول في كتابه عن فلسفة العلوم: ( .. أية كتابة مهما كانت، لابد أن تكون منحازة بوعي من صاحبها أو بدون وعي منه، هناك إذن رؤية موجهة، سواء في العرض أو التحليل، أو النقد وإبداء الرأي ص13 ). لكنه يرى أن انحيازه هو للفكر المعاصر المكرس للمعرفة العلمية ولتطوير الوعي وتحسين الرؤى!!!، ولهذا السبب كان موقف الجابري في الجهة العقلانية (كما يراها)، ومن هنا رأى في مشروع الغزالي إسفيناّ دق في وقت حاسم، وبالجسد المتراخي، فأكمل على بقايا الوعي وبوادره الناهضة معاّ، وكرس مرحلة (العقل المستقيل)، وأشتد بحث الجابري في أثر أبن رشد الأندلسي، الذي رأى لحظته الأعلى معرفيا، وهي صحبة الشاطبي مما يجب أعادة التأسيس عليه، ولكن نقد الغزالي أستتبع سخط من يعني لهم الغزالي سلاحا صراعياّ حاسماّ، كما هو في الصراع المستجلب من عصور بين الأشاعرة وخصومهم في ما يسمى (بـ علم الكلام) أو بقاياه ..!!، وهكذا فإن (عـدو حليفك عـدوك) .. وأضاف الجابري خضما أخر لسابق خصومه ...

وإذا كان للجابري خصوم فإن (لخصومه كذلك خصوم) فتحول المشروع النقدي المعرفي لسلاح ضد هولاء أو أولئك، وتبرأ منه الآخرون بإدانة مستمرة، لينزاح النقد عن المشروع، ويتحول إلى مدرج يجلس عليها وضده الفرقاء، بدون أي قدرة على المضي إلى ما بعد ... وبدون حتى رغبة ربما.

الصراع الذي يخوضه الجميع بالجابري ومعه وضده، ربما كان سببه الأساس أن الجابري بدأ أشبه بمن يسهب في شرح كيف يشتغل المحرك .. بينما العقل هو نوع خاص من المركبات، لا معنى لفهم كيف يعمل مالم تتمكن من قيادته .. ففقد القدرة على القيادة المنطقية والمعرفية ـ في واقع الخطاب ـ جعل المشروع يحمل بذور أعاقته عن دوره المناط به، لأنه أصبح مشروعا للصدام.
وهكذا تحولت النقطة التي بدت مفصلا، و( قطيعة) إلى نقطة استقطاب واحتقان ... لا بسبب المشروع نفسه .. بل ربما بسبب الفضاء الثقافي العام ... فهل ثمة سبيل أخر لشق الطريق مجددا، هذا هو السؤال المطروح باستمرار ..... مادام ثمة عقل ونقد .... وأزمة مصير !!!!

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home