Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

السبت 4 اكتوبر 2008

غـزوة المائدة والقمع الذوقي

طارق القزيري

نشير إلى فوق / كأننا نشحن أمتعة أعمارنا /
إلى بلد تتعجب من حبنا لها دون دعوتها للغداء !
.....
كل ما بأيدينا أن نشير إلى منحنى / سيرتد إلى سحناتنا الباهتة
أو الكامن فينا من رغبة امتلاك مغلولة إلى قانون العقوبات
...
ينبهنا ما ندونه من فواجع إلى حافة لزجة
تبرر أننا ما زلنا / ومن أول النص :
متقافزين / متقافزين ... في أماكننا !!
(مدونة عدم الفهم ـ صالح قادربوه)

(1)

أدركهم وقت الصلاة، ولا أثر يظهر للقيّم، فرفع أحدهم الآذان، ولم ينته إلا وقيّم المسجد يدخل مغتاظا، وبعد أن وفّى للمؤذن المتطوع حقه "اللائق"، توجه لمكبر الصوت وصاح : الآذان الأول بـــاطــل ... واستأنف آذانا جديدا .. "غير باطل"!!.

عندما كنت أتابع ما ينشر عن برامج التلفزيون الليبي الرمضانية "برامج المائدة" كان ذلك القيّم أو جوهر تصرفه يهيمن على المشهد أمامي.لا يختلف بعض كتّابنا، عن قـيّمنا أعلاه، ففي الغالب ليس هناك معايير للقبول والرفض سوى "الأنا". بالرغم من الافتراض أن المثقف يختلف عن العامّي بشكل أساسي في "البحث عن المعنى" مما يجعل نشاطه الفكري والخطابي موضوعيا، ولو بشكل نسبي.

(2)

لا أحد يتصور أن تكون الدراما أو الكوميديا الليبية بخير، إذ لا شيء – تقريبا - لدينا بخير. لكن الفشل أو الإخفاق ليس بالأمر السحري الذي يقوله الكاهن وتأخذه القبيلة على عواهنه!!. فهو تهمة صار لها أسبابها وقبل ذلك معاييرها، فعلم الاجتماع التربوي يحدد مثلا الإخفاق المدرسي– مع مراعاة اختلاف النظريات وخلفياتها المنهجية– بأمرين :

الأول : أن تكون حصيلة الطالب أو علامات اختباراته أقل من مستوى زملائه ( = النظائر).

الثاني : أن تكون حصيلة الطالب أو علامات اختباراته أقل من قدراته الشخصية المفترضة (= الإمكانيات).

وباعتماد هذين المعيارين هل يمكن الحديث عن فشل للدراما أو الفن والتمثيل الليبي ؟.

وإذا اعتبرنا أن هذه المعايير تشهد بالفشل – مثلا – فهل هو من قبيل الفشل المبرر والمتوقع ؟ أم أنه مفاجئ وسقوط غير محسوب؟ ثم هل هو فشل ينزل في رمضان ويرتفع قبله وبعده ؟ لينسى الكتّاب أزمة الإبداع التلفزيوني والمسرحي والفني عموما وسائر أيام السنوات الكبيسة والبسيطة !!.

(3)

في أغلب ما تقرأ من سخط على الأوضاع ثمة فاعل مستتر تقديره باللهجة الليبية " مش شوري" " وألعب أرضي" وهذا أمر طبيعي فلا يمكن إجبار الناس على الشجاعة أو تحمّل مالا يحتملون، ولكن عندما يرفع المرء شعارا كهذا أو يعمل به لا يحق له كيل التهم لأسباب فرعية وهو ما يسمى "الإخفاء بالعرض" إذ يخفي الكاتب والناقد الأسباب الحقيقية التي لا يجرؤ على البوح بها ويعرض ويهاجم أخرى إما هامشية أو هي نتائج لا أسباب. سوء التشخيص هو بوابة العلاج الخاطئ، وتدهور حالة المريض، وربما إصابته بأمراض أخرى، أو نهايته تماما !!.

(4)

ومما يشي بان الحملة أو "غزوة المائدة" التي تكيل كل هذه التهم لبرامج يتجمع عليها الليبيون تقليديا – رغم كل شيء - بل يبحث عنها حتى من هم في الخارج من منفيين أو مهاجرين أو طلاب أو عمّال، أن هذه الحملة هي نتاج نفسية الرفض المبدئي لما هو موجود ـ وكل آذان إلا آذاني باطل ـ أكثر من كونها صادرة عن رؤية نقدية وحس فني. مما يشي بذلك شواهد :

- أنك لا تقرأ نقدا فنيا يقوم على أبجديات النقد الدرامي والفني، بل هي مواجيد ذوقية - مجرد أعجبني ولم يعجبني - ليفرض السيد الكاتب ذوقه على الجميع لمجرد انه أوتي القدرة على الكتابة سوء لاستحقاقه أو"خلوة النجع".

- أن لا منطقة وسطى ولا ذكر لأي ايجابيات، فلا تسمع أو تقرا حديث عن وجوه جديدة واعدة، ولا أداء لأدوار يتفوق فيه البعض على نفسه.

- وأنك لا تجد - إذا قلنا أن الكتّاب ليسوا نقادا فنيين - لا تجد نقدا ثقافيا، أو مراجعة لبعض صور الثقافة من خلال تلك البرامج، وإلتقاطات لكيف نجحت أو فشلت تلك البرامج في عرض أو مقاربة مشكلات المجتمع، بغض النظر عن نجاحها فنيا من عدمه!!.

مثلا : أثار انتباهي الموقف من "الشرطة" في كل البرامج فهي إما غائبة، عندما يسيطر التصرف الفردي وحل المشاكل بشكل تلقائي أو حتى بقانون الغاب، أو التهكم عليها – الشرطة - وإدانتها بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه القضية كان يمكن أن تثير البعض ليجعلها علامة رصد لظواهر كثيرة تبرز في تلك الأعمال، مهما كانت قيمتها الفنية، فثمة مستويات عديدة للأعمال الفنية يمكن توظيفها والاستفادة منها، بدلا من ذلك الرفض.

(5)

لا أخفي طبعا أني كمشاهد استفزتني مقالات "غزوة المائدة الرمضانية" وإذا كانت هناك أعمال أعجبتني وتابعتها يوميا، فمن حقي أمام "الغزاة" أن أدافع عن ذوقي – طالما أن التهمة ذوقية – وذوق الكثيرين ممن أعرف أنهم يفعلون مثلي كل مائدة إفطار.

ومع كل ما قلنا لاننكر مشاكل الدراما والكوميديا الليبية، بل إن القول بصحتها تجديف وافتراء على الحقيقة ولكن تشبيهها بالميت، والمطالبة بتوقفها، هو قول ساذج، يتجاهل أن الثقافة - والفن من أهم تجلياتها - أمر تراكمي، وأن التوسع الأفقي هو وحده ما – يمكن – أن يضمن الصعود العمودي، والكم وسيلة لتحسن الكيف والنوع.

والعباقرة والمبدعين لم يكونوا في أي ثقافة أو حضارة أول من وصل، بل سبقهم الكثير، مما سمح لهم بالبناء والإبانة عن قدراتهم. والفلسفة تأتي دائما في المساء.

مشكلة الدراما الفنية في ليبيا ستتعزز وتترسخ بمشكلة "ثقافة التراجيديا" لدى الكثير ممن يكتبون، ثقافة مجتمع يرفض نفسه وينقم على نفسه، مجتمع يدخر كل النقمة في لاوعيه دون أن يشعر أن نقمته بالذات هي الوسيلة الأسرع لحفر أخاديد وخنادق تفصل بينه وبين العلاج ... وقرب الخلاص.

وكل عام والجميع بخير

Abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home