Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Saturday, 4 February, 2005

حماس والمراجعات : من المأزوم؟؟ ومن الملزوم؟؟

طارق القزيري

إذا ما تجاوزنا كون الفوز (الحمساوي)، تتويج جماهيري مستحق، وفوز لإدارة متفوقة للصراع على القيادة الفلسطينية، فإننا وبالنظر إلى علاقة ذلك بالاستحقاق الديمقراطي (في بلاد العرب)، ومدى أهمية فوز حماس في ترسيخ الواقع الديمقراطي، وتداولية الأطراف المجتمعية على الكرسي التنفيذي والتشريعي، فإنا نعتقد بأن فوز حماس رغم كل مظاهر الاكتساح، ليس هو الشرارة المطلوبة، لإيقاد شعلة الوعي الديمقراطي في المنطقة الشرق أوسطية (بمختلف أحجامها).
نعتقد نحن أن تجربة حماس ستظل مرتهنة بواقعها المحلي، ولا مجال لتصديرها واعتبارها مثلا يحتذى، بل إن هذا الفوز ربما كان (أقول ربما)، مما يحفظ ولا يقاس عليه، لا من جهة إمكانية تكراره في مكان أخر من عدمه، بل من جهة كونه حالة مؤثرة فيما عداها، على المدى الطويل خصوصا، إذا أن التكرار بحد ذاته، لا يعد دلالة تأثر، إلا بقدر القول أن تجربة حماس، متأثرة بتجربة الفيس (الجزائر)، أو إخوان مصر أخيرا !!!.ونحن هنا نحاول أن نقف على ملامح أفق تحليلي يتجاوز الراهن السياسي، واللحظي، ونحاول النظر إلى أفق أبعد، استنادا إلى ماهو جوهري وأصيل جدا، أي إلى الواقع من منظار إستراتيجي لا تكتيكي مزامن.

يكاد الجميع يتفق على أن فوز حماس كان ورطة لهذه الحركة الإسلاموية (الحديثة نسبيا)، وبالتالي فالقول الراجح الذي عرفناه، ينص على أن الحركة ليس أمامها إلا أن تمر بالتجربة الفتحاوبة، من حيث الإنفتاح على خيار التسوية السلمية، والتذرع بالخيار البرجماتي عند مقاربتها للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كطرف حاكم لا طرف مناضل مقاوم. نحن هنا إذا أمام مركب تطرحه جل المقاربات الراهنة لفوز حماس و (زلزالها السياسي) كما قيل، هذا المركب يتألف من:

  • صحوة انتخابية للتيار الإسلامي.
  • وانكسار ماهوي في التوجه الحماسي (الجهادي) في المناطق المحتلة أو المستقلة (نسبيا).

ونحن نرى بكل وضوح أن الأمر ليس كما يبدو للعيان، وأن ثمة معطيات – نطرحها هنا- تبدو مجتمعة كفيلة بتغيير وجهة الاستخلاص، لموقف نعترف أنه محير فعلا، لكنه يظل مفتوحا على جملة خيارات، ليس بينها على الإطلاق نهاية الأزمة، ولا إستنئافها الشامل، أي أن الوضع لن يعدو حالة (اللا حرب واللا سلم) التوافقية، دون إستنتاج عدم تطور الأداء السياسي والمناوراتي لحماس، بل مفاد الأمر وجود موانع حقيقية أمام حماس للقيام بتحولات دراماتيكية، يأملها خصوم حماس، بأسرع ما يمكن، هذه الحالة لو صح فعلا وقوعها هي المانع من تحول (الاكتساح الحمساوي) إلى علامة ورمز في المنطقة، إن عدم الانكسار عن الشعار، سيكون هو المانع من تحول حماس إلى أنموذج بديل، يلج مناطق العرب من بواباتها الديمقراطية وصناديقها الانتخابية، و نستبق الاعتراض هنا: بأن تكرار الحالة الحمساوية، لن يكون متأثرا بها، فمصر كانت مرشحة لأن تكون أكثر دلالة من فلسطين لو لم تتداخل العوامل (المعروفة والمفهومة)، للحيلولة دون ذلك، ومصر هي المنطقة الأساس، التي يمكن لها أن تتحول إلى أنموذج حقيقي، للتغير في الحقل السلطوي العربي، فلا مجال أمام الأطراف للقيام بدور الأنموذج في المنطقة العربية، إن البديل الديمقراطي لن يتاح له التمدد في المنطقة الشرق أوسطية، ما لم يمارس ويتعمق في المركز (أو المراكز الإقليمية)، وهذه نقطة جديرة بأن ننفرد بها ربما في ما يأتي من كتابات.

أما لماذا لن تتغير حماس؟؟ التغير الذي يتوقعه الجل الكبير من الخائضين في هذا الشأن، فنرى أن مرجعه لعدة عوامل منها :

  • ثقل المرجعية الرمزية: فحماس ليست تنظيم سياسي مبني على أسس برغماتية، ولا هو كيان قاد إليه التنظير، أو الوعي النظري، بل حركة شعبوية، ذات شعارات طهورية بالأساس، (أسوة بكل الكيانات الصحوية) وبالتالي فمرجعيتها في المسجد والجامع، ورموزها المحركة ليسوا قادتها السياسيين ولا الميدانيين، بل وبصورة فعلية يظل قادتها في المساجد نفسها، نعم ربما نختلف على مدى الأثر وكيفه وكمه، لكن أثر الرموز الأكليريكية، مؤثر بشكل واضح، وهولاء لا يتعاطون السياسة بمنظور برغماتي، بل هم دائمين محكومين بالإيديولوجية والمقولات الجاهزة والمعتادة وهذا المعطى نعتبره تكويني أكثر منه بنيوي بمعنى أنه خصيصة أساس في بناء الحركة، فالشعار ليس دعاية انتخابية، بل هو جزء من العقيدة السياسية لحماس، وإذا أمكن تغير البنية فإن المساس بالبعد التكويني هو مساس بماهية وجودها نفسه.
  • الرصيد السيكولوجي للقادة: وهذا العامل وإن لم يقد إلى الجمود السياسي، إلا أنه عامل كابح تماما أمام التناول القيادي الواقعي للموضوع، فهولاء يستحضرون دائما أنهم كانوا على شفا غارة أو كمين، أو محاولة تصفية طيلة مدد ليست بالقصيرة، وبالتالي فهم من لا يمكن لنا بسهولة توقع تخليهم عن التوجس في مثل ظروفهم، لنتأمل بالمقارنة حالة (فتح) التي أتاح لها البعد الجغرافي لقادتها عن إسرائيل إبان فترات متطاولة، وحرية تحركاتهم مساحة تفضي إلى تخفيف حجم التوجس المانع من التعاطي السلس مع المتغيرات السياسية، وهذا يتناول كذلك الحجم المؤثر للرموز التاريخية للحركة الذين سقطوا في المواجهات لفترة قصيرة جدا من الآن، وهولاء سيكون لهم الأثر البالغ، إذا ما راعينا الثقافة الملحمية لشعوب المنطقة خاصة في الظروف المماثلة.
  • المراهنة على الداخل: لا نتصور بسهولة أن الناخب وبالتالي المجموع الفلسطيني الغالب، قد أعطى حماس صوته، ليحاسبها بالقطعة، إن شعبا يختار حركة نمت في حجره يوما بعد يوم، هو مستعد لأن تراهن عليه الحركة في الصمود، لا نعني الصمود الانتحاري، بل صمود من شأنه أن يربك أوراق المتربصين بشكل كبير جدا، فالشعب الفلسطيني لا يبدو كما يظهر المتكلمون في السياسة هذه الأيام متعطشا بشكل فائق للنهاية أو متهالكا عليها، فربما كانت سوء الحالة: نفسها مبرر للانتظار، طالما أن تجربة البديل لم تؤد لشئ مختلف كثيرا عن المعاش، وكلما استطاعت حماس المراهنة على رصيدها وقواعدها المجتمعية، كلما كان أمام وقت ومتسع للابتعاد عن المراجعات الصميمية التي يتكهن بها المحللون هذه الأيام.
  • تخوف البديل، ومناهضة المنافس: في كتابه القيّم جدا (حماس) يذهب (د.خالد الحروب) إلى أن أهم الأسباب لتحول حماس من إستراتيجية الإخوان الأساسية (التمكين ثم التحرير)، إلى (التحرير أولا)، هو دخول حركة الجهاد الإسلامي على الخط المقاوم، بشكل عزز رصيدها في الساحة الإسلامية الفلسطينية، مما أدى لتخوف حقيقي في حركة الإخوان من فقدان الهيمنة الرمزية (الشقاقي إخواني بالأساس)، فإلى ذلك الوقت ظلت حركة (فتح) عنصر موازي ومنافس لا بديل ، فكان دخول (الجهاد) في المعادلة الداخلية هو المحرك الأساسي لتغيير الإستراتيجية وتدشين (حماس)، وبالتالي فحماس ليست مشغولة فقط بمنافسة (فتح) واستغلال تراجعها، بل وربما بدرجة أكبر ستكون مشغولة (بالجهاد)، طالما أن الجميع يرى استمرار الموقف الإسرائيلي والدولي، فلا مبرر لحماس من التخلي عن ما هي عليه، ليس لتفويت الفرصة على فتح فقط، بل خوفا كذلك من البديل الأخطر (الجهاد)، بين المنافس والبديل مساحة كبيرة، ولكنها تدفع لنفس الاتجاه التصلب قدر الإمكان، طالما أن السؤال يظل واحد: ماهي الفائدة من التراجع ؟؟؟
  • المراهنة الإقليمية: لن يحير المرء كثيرا لتقرير كم تبدو المنطقة متأزمة، ومضطربة، وساكنة على نوابض تفجير غير قليلة من لبنان إلى سوريا إلى العراق (الثغرة الأعمق)، إلى إيران، إلى تهديد القاعدة وأعوانها للخليج، إلى إمكانات تخلخل الاستقرار غير المؤكد للأردن، والدعم الثابت من مصر صاحبة أكثر رأي عام مؤثر في العمق الإسرائيلي الشعبي والرسمي، لا مبرر للتخمين بأن النظام الإقليمي – بكل أجزائه العربية- لن يضغط باتجاه استغلال الفرصة لوجود طرف في الحكم مثل حماس، للحصول على مواقع أفضل أمام الغرب وإسرائيل بحسب الموقف والحاجة، وهذا ما يمنح حماس فرصة واضحة للمناورة، يوفرها لها الرهان على البعد الإقليمي، وبدرجة أقل البعد العاطفي لقضية فلسطين عند جملة العرب والعالم الإسلامي، كذلك تيارات كثيرة حتى في الغرب نفسه ، تمنع الوصول لمرحلة كسر عظم أو حتى أقل منها كثيرا.
  • العقلية الإسرائيلية: هل نتوقع أن تكف إسرائيل عن طبيعتها الاستفزازية؟؟ هي لم تفعل ذلك مع الآخرين فما مبرر أن تفعل ذلك مع خصمها النموذجي، وهذا ما يوفر لحماس مبرر واضح، لتقليل الحاجة للتراجع وهذا أمر مفهوم جدا، ويوفر دعم كبير لثبات حماس.
  • البرغماتية الغربية: مبدئيا سيضغط الغرب (أوربا وأمريكا) بإتجاه لي الموقف الحماسي قليلا، لكنهم في كل الأحوال لن يصلوا لحد (الاستجابة الحرجة) وتفجير الموقف بشكل كامل، الإستقرار أو الهدوء مطلوب إستراتيجي حقيقي للغرب، والصدام مع حماس يفتح طاقات، لا يعلم مداها، من هنا يبدو ما نشرته (الغارديان) عن محاولة أمريكية لتوفير دعم مادي للسلطة الفلسطينية، من أطراف عربية، مؤشرا واضحا، على كون البرغماتية الغربية، لن تصل لدرجة القطعية الكاملة مع حماس، وهو ما تريده حماس تماما، بحيث يتوفر لها ما تريد دون أن يكون مطلب العلاقات الدولية مهما، في ظروف قيام جهات أخرى بذلك (الرئاسة) أو (التكنوقرط) ...الخ، وهل تريد حماس أفضل من هذا، دون أن ننسى المزايدات المحتملة من أطراف على هامش الغرب (روسيا الصين، الهند، وغيرهم) بشكل يمنع الغرب من الموقف الحاسم
  • وإذا ماأضفنا ( الرأي العام العربي والإسلامي) كقوة ضاغطة على الحكومات العربية، بل وموقف الحكومات نفسها فهي لن تجد بدا من الوقوف المعنوي والمادي إلى جانب حماس، ففلسطين ليست قضية حماس فقط، وهي تظل المشكل الأساس والقضية المركزية في الوعي لكل العرب والمسلمين، ومن غير الممكن تجاوز ذلك لمن أي نظام عربي مهما نأى بنفسه أو أنشغل....

كل ما سبق كفيل بأن يفرمل سرعة التوقعات بالانكسار الحمساوي المرتقب، صحيح أن حماس اليوم وغدا، ليست كما كانت من قبل، وصحيح إن الحركة ليست هي السلطة، لكن ثمة منازع كثيرة يمكن لحماس أن تعول عليها، وطالما أن التوتر غير المحسوب حدوده مرفوض، سيكون لحماس مساحة كبيرة من المناورة، ستصب في نهاية الأمر، في خانة التأجيل، وهو ما دعت إليه حماس فعلا وأسمته (الهدنة الطويلة) ولا نخال إسرائيل ترفض ذلك، مع مرور الوقت وهدوء حمى المزايدات الانتخابية بعد مارس القادم.

وفي السياسة لايمكن رسم الأفق بكامله: لنلحظ مثلا ما أقترحه (خالد الحروب) على حماس (الحياة 29/01/2006)، من زيادة 40 مقعد على مقاعد المجلس التشريعي، لتتخلص من عبء الأكثرية، وهي فكرة نلفت إلى ثوريتها فقط، إذ لابد من وجود أفكار كثيرة يمكن لها أن تنزع إلى تعديل الواقع وجعله أكثر مناسبة لحماس، منها توفير منظومة إدارة دولية للمساعدات تبتعد عنها حماس كليا، أو يديرها الرئيس نفسه، أو ربما هيئة تكنوقراط فلسطينية... والبدائل كثيرة...

لكننا نعود ختاما، لنقرر الحيرة، فالوضع ليس إطراديا، وواضحا، وتجربة حماس ستظل قاصرة عن الحالة الإنموذجية، القابلة للتصدير والتمثل، حماس ليست مأزومة بعد، والموقف كله ملزوم بالتسوية بشكل ما!!!

هل ساهمنا في إضاءة مختلفة؟؟ فقط نرجو ذلك .......!!!

abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home