Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri
الكاتب الليبي طارق القزيري


طارق القـزيري

الثلاثاء 2 ديسمبر 2008

حرّام مكة

طارق القزيري

الحج هي الفريضة الأكثر هيبة في المخيال الشعبي، حتى كانت الوحيدة بين الأركان الخمسة، التي يسمى بها فاعلها. والحاج هو اللقب الاغلى إجتماعيا في عموم بلاد المسلمين. والفقهاء على أن حد الحرابة - وهو حد من يحارب الله ورسوله شرعا - لمن يقوم بقطع الطريق على الحجاج ونهبهم. وإعتبار ذلك داخلا في باب " الصد عن سبيل الله"، مهما كانت الدوافع مالا أو ثأرا أو سواه. ليستحقوا اللقب الاكثر إدانة : حرّام مكة.

وإذا كان لاشيء يسمح لك بحرمان الأخرين من حقهم طالما لم تحصل على ماتراه حقا لك، فهل يمكن إعتبار منع حجاج غزة من الوصول لمعبر رفح، داخلا تحت الاعتبارات الفقهية السالفة؟ طالما أن السبب الرئيس هو الخلاف السياسي لاغير؟. هذا أمر يقرره المشايخ والعلماء المسلمين.

ولكن سياسيا، وفي هذا الإطار ثمة منزعين رئيسيين في القضية، الاول يتعلق بالأنظمة السياسية للمنطقة، وخاصة مصر والسعودية، وبالضمن الأردن، والثاني يتعلق بحماس نفسها.

فالسعودية ترفض منح تأشيرات حج عبر حكومة غزة، معترفة فقط بحكومة تسيير الأعمال في رام الله. وهذا أمر يرتبط بمصالحها مباشرة، فإعترافها بحكومة حماس يتضمن الأعتراف عمليا بإستقلال القطاع كـ "دولة امر واقع" وهو امر مكلف على أكثر من صعيد، منها خسارتها الإقليمية، بمنحها موطأ قدم رسمي لإيران، وحتى سوريا – خصمها الراهن – ومن جهة أخرى يتضمن نصرا إسرائيليا بنزع المسؤولية عن منطقة هي تحتلها بالفعل، وتخنقها من كافة الاتجاهات حتى البحر.

ولذا كانت السعودية ومصر والأردن أكثر من يعارض استبدال "الشيكل الاسرائيلي" بأي عملة أخرى في القطاع، حتى الدولار كعملة رسمية ووحيدة. إضافة طبعا إلى أن هذا الاستقلال لن يرفع مشاكل القطاع بل يجعلها أكثر ديمومة.

فحماس لاتمثل – واقعيا – الفلسطينيين، ويرى الساسة العرب ان طريقة إدارة حماس للقطاع أبانت عن تصرف حزبي صريح، لايحتمل أن تكون معبرة فيه عن مجموع القاعدة السياسية للقطاع المحاصر. دون ان تترك الغمز من قناة شدة قبضتها، التي جعلت الصحافة الإسرائيلية نفسها تعذر الجيش الإسرائيلي، في مداهماته السابقة للقطاع والاراضي الفلسطينية عموما.

كما أن قضية الحصار، لم تعد تجد ذلك الصدى، بل صار ينظر إليه بشكل ما، كأحد اسلحة حماس ضد الأنظمة العربية. وحماس نفسها لم تتأثر كثيرا، ولم تتأخر ميزانياتها أو تضعف إطلاقا. ولازالت قواتها وأعضاءها يستلمون مرتباتهم بشكل طبيعي حتى الآن، وبل تدير شبكة علاقات وإعلام داخلي وخارجي، وبإقتدار.
والكثير من الفلسطينيين ينظرون لحماس رغم شعبيتها المناهضة لحركة فتح، بإعتبارها :

- آخر من رفع السلاح في وجه إسرائيل.
– وأقلّ فصيل قدّم "شهداء".
– وأقل فصيل لديه أسرى في سجون الإحتلال ... بالأرقام.

وهكذا فحكومة لحماس "مستقلة" لن تكون عامل استقرار، فهي لاتمثل سوى نفسها وقاعدتها، ولن تنهي المشاكل، بل الأرجح – كما يظهر - أن تجعلها أكثر وضوحا.

ومع أنه لادور لمصر في قضية منع الحجاج "مبدئيا" كونها تشترط "تأشيرة حج سعودية" للمغادرين. فإنها من جهة أخرى، لايمكنها التساهل أمام طموحات قادة حماس السياسية، لنفس الاعتبارات السعودية، إضافة لجوارها وشكها بحماس، كإمتداد للخصم الأول للنظام السياسي المصري "الإخوان المسلمين".

أما من جهة حماس فلربما يقال أنها مدفوعة بذلك الحرمان التاريخي السياسي، الذي تعاني منه جماعات الإخوان المسلمين عبر العالم العربي، في سعيها الكدود للإعتراف السياسي، أو السلطة.

ولكن هذا – إن صح- لايلغي كون الحركة ترى نفسها في مأزق حقيقي، فإستمرارها على هذا النحو منفردة في القطاع وإدارته، سينهكهها لاريب. وتسليمها بالأمر الواقع ورضوخها لخيار الإنتخابات سيضيع عليها ماتحصل عليه الآن، فأكثر المتفائلين لن يمنحها أغلبية في اي برلمان قادم وفق اي ظروف.

إضافة لكون القوانين التي غيّرها محمود عباس، كإعتماد التمثيل النسبي سيجعل عودتها قوية من صندوق الإنتخابات، أمرا مستحيلا.

تهكم محمود عباس على إنسحاب حماس من مفاوضات القاهرة، إحتجاجا على وجود سجناء سياسيين منها في الضفة الغربية، ليس لعدم وجود سجناء، فحكومة عباس ينالها من الخير بركات على صعيد الإنتهاك الحقوقي - وإن كان بشكل لايقارن بغزة طبعا – ولكن شرط حماس ظل لأكثر من عامين هو "مفاوضات بلا شروط مسبقة"، فجاءت الشروط ممن لايريدها، بل كان يراها العقبة الوحيدة. مما يعكس تخوّف حماس من اي مصالحة وتحت أي ظروف كانت.

ومأزق حماس ليس رفضها سلطة فتح فقط، بل في أن كل الخطوط تؤدي للخسائر. وحتى قبولها لاتفاق ما، ربما يفككها من الداخل فعلا. فهي ذاقت السلطة وجربتها، ولم يعد متصورا ان تسلمها لغيرها.

وليس لها سوى الإحتفاط بسلطتها الماثلة، تربصا لتغيير ما في المشهد الإقليمي او الدولي ، وعالمة ان الخريطة الجيوسياسية للمنطقة لن تتغير الأن.

عمليا لايتصور ان يوافق أحد على غياب محمود عباس، فليس من جيران حماس من يريد التعامل معها كممثل للفسلطينيين، ليس فقط لأنها لاتمثلهم، بل إنه وحتى في قمة تدهور لبنان سياسيا لدرجة أنه كان شبيها بالوضع الفسلطيني مع وجود سلطتين شرعيتين، لم تجرؤ أي دولة غربية أو غيرها، رغم كل الإعتبارات، على نقض شرعية الرئيس لحود، أو عدم التعامل معه، لأن سحب التعامل مع الأعلى يعني سقوط الأسفل بالضرورة.

وهكذا فما نشهده من منع الحجاج ربما يكون الشرارة لمرحلة اللاعودة، ان من يواجه كل المسلمين دفعة واحدة في ما يعتبرونه اقدس اقداسهم ولو في الخيال الشعبي، يعلم ان ليس لديه مايخسر، وما نشاهده من سفن ليبية وقطرية وتركية، هي محاولات لتدعيم مصلحة دولية مطلقة في الحفاظ على الجغرافية السياسية القائمة، لأن الجميع يعلم أنه لانقص في الغذاء المكدس على حدود غزة، بل في الإرادة السياسية لتسهيل وصول شاحناته لداخل القطاع.

القضية أكثر عمقا من جلسة مفاوضات، او وهم مصالحة. القضية هي في خريطة سياسية قارّة، وتوازنات اطراف اقليمية عصية حتى الآن عن التغييرمن جهة . وسياسة امر واقع، يعلم صاحبها أن كل الحلول غير ماهو موجود إنتحار سياسي لاشك فيه من جهة أخرى.

هي قضية التركة الديكتاتورية، وثقافة الإقصاء. الديكتاتورية لاتؤجل مواجهة الازمات فقط، بل تجعلها تتناسل وتتعمق، حتى تصل إلى ما وصلنا إليه. فلربما حتي الحج يمكن تحريمه، ليصبح الحاج خائنا لله ورسوله ... و يصير حرّام مكة هم المجاهدون .....

Abusleem@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home