Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Tareq Al-Gzeeri


Tareq al-Gzeeri

Tuesday, 1 April, 2008

هولندا : الرصيد الثقافي و إكراهات المعاش

طارق القزيري

ماذا يحدث في البلاد التي شهدت أول نسخة أوروبية مترجمة عن القرآن إبّان القرن السادس عشر؟؟ وفي الأرض نفسها التي كان ضحايا الحرب بين البروتستانت والكاثوليك، يهربون إليها ؟ بل في المساحة التي كان مثقفو مرحلة الأنوار الأوروبية يطبعون بها كتبهم، بعد أن ضاقت بهم بلدانهم خاصة فرنسا وألمانيا؟. البلاد التي هرب إليها إسبينوزا، واحتضنت اليهود في القرن الخامس عشر بعد أن ضاقت بهم القارة العجوز بما أتسعت !!.

لم يرتبط التسامح في تاريخ أوربا كما أرتبط بهولندا، بلاد حرب الثمانين عام التي خاضتها ضد التاج الإسباني، بسبب الضرائب، والتسلط الكاثوليكي، يقال أنها آمنت على الدوام بأنها أمة تقبل الاختلاف، كما لم تقبله أمة أخرى. رغم أن ماضيها الاستعماري وما أرتبط به من فضائع في أمريكا الجنوبية وأسيا وجنوب أفريقيا، لا يغيّب شاهدا على الاستثناء في كون شعب صغير وأمة محدودة العدد تملّكت الفرصة لتكون ظاهرة عالمية حقا، لكنه يشير من جهة أخرى إلى نسبية ذلك التسامح وتلك الثقافة بلا شك.

وإلى اليوم لازالت هولندا – ربما - الدولة الأكثر انفتاحا على اللغات الأوروبية الأخرى، فالانجليزية لغة أساسية للشعب الهولندي وبدرجة أقل الألمانية، ثم تأتي الفرنسية والإسبانية ... الخ . التلفزيون الهولندي - مع الجزء الهولندي من بلجيكا - الحكومي والخاص، لعله الوحيد في غرب أوروبا الذي يبث برامج ومسلسلات ناطقة بالإنجليزية (الأمريكية) دون "دبلجة" بل يكتفي فقط بشريط الترجمة المعروف.

وقد يصعب عليك التفريق بين الهولندي والإنجليزي من خلال اللهجة، عندما يحدثك بالإنجليزية. فالهولنديون وهم من أكثر الشعوب سياحة وسفر وهجرة، نسبة لعددهم (حوالي 16 مليون)، لا يجدون ما يجده الفرنسي والألماني تجاه اللغة الانجليزية أو غيرها.

وربما يقال أن ثقافة الفلاحين هي سبب رئيسي في تلك البشاشة والسهولة التي يقابلك بها الهولندي في موقف الحافلات، أو داخل قطار، أو في طابور انتظار بسوبر ماركت. لن تعجز إذ أردت أن تجره لحديث أن تظفر بتجاوبه التام وربما بأكثر مما ترغب. ترى هل يمكن تصور قبول الثقافة العامة في أي من الممالك الأوروبية أن زوجة ولي العهد من أمريكا الجنوبية، ويلاحق والدها إرث الطغمة العسكرتارية كما ذلك الأرجنتيني والد "ماكسيما" زوجة ولي عهد هولندا ؟؟.

الدراجات الهوائية تلك السمة الطاغية على شوارع هولندا، حتى أن طريق الدراجات الهوائية – بلونه الأحمر - يلف هولندا كلها سواء بسواء مثلما يفعل طريق السيارات المقطرن، دليل آخر على مدى البساطة التي يعيش بها شعب " آل الأورانج" الذين لم يعني لهم شيئا على الإطلاق أن يقابل مبنى البرلمان نصبا تذكاريا لخصم تاريخي طردهم من بلاد يحكمونها قبل أن يعودوا لحكمهم السليب بعد مقتله.

لكن مع هذا ثمة علامة جغرافية هي مع زهور التوليب والطواحين، أهم ما يميز هولندا والهولنديين واقصد الأراضي المستصلحة من البحر : "البولدر" التي تشكل نسبة معتبرة من أرض هولندا.

ثقافة "البولدر" (De polder)

يقول الإنجليز ((أن الله خلق العالم والدتش صنعوا هولندا)) كناية عن ما فعله الهولنديون من تجفيف أراضي بحرية واستصلاحها، منذ القرن الحادي عشر، الذي شهد أول أرض "بولدر" في هولندا. وفي يوم 1 يناير 1986 وبعد سبعين عاما من العمل أصبحت مقاطعات هولندا 12 بإعلان Flevoland إقليما جديدا، عاصمته "ليلستاد" مبني على بحر سابق، حيث المدخل لبحر لشمال في منتصف هولندا تقريبا.

لكن "البولدر" ليس مجرد مساحة محدودة من الأرض، فمن الواضح أن "للبولدر" ثقافته، بل لعله أهم ما شكل "المخيال الجمعي" لهذه البلاد.

رصد وملاحظة الانعكاس المثير لخصائص البولدر على سمات "الدتش" يمكن الاعتراض عليه في التفاصيل لكن يصعب معه القول بالضد، وإن كان تفسير الظواهر الاجتماعية والثقافية هو أبعد من الإحاطة به بشكل تعسفي، لكننا هنا نشير إلى ما نجعله انطباعات مجردة، ومحاولة لقراءة تأويلية لثقافة المجموع الهولندي.

• حينما تقف على البر الذي زحف على بحر بالقوة يمكن أن يعود في أي لحظة تكون مظنة العنف محايثة وكامنة على الدوام، رغم كل السماحة الموهوبة قسرا، يكون الجميع في حالة من التضامن والتكافل، الجميع يشعر أن المصير واحد فتستبطن الجماعة شعورا بالانتماء، وتقاربا بدهيا، في عام 2006 رأيت كيف يجمع الهولنديون التبرعات من البيوت لتزيين الشوارع - وهي شوارع جانبية في الضواحي - من اجل منتخبهم البرتقالي، لم يكونوا من هواة الكرة، لكن شعورهم عادة – خاصة في المناطق ذات النسبة الهولندية الخالصة، تشعرك بحالة من الشعور التضامني، ليست مما يعنيه مجرد فريق وطني لكرة القدم. بل أكثر من ذلك يمكنك أن تلاحظ التعاطف مع الآخرين بشكل جلي، في كارثة "تسونامي" بلغت التبرعات الهولندية نسبة لعدد السكان أعلى نسبة للدول الأوروبية.

• وعندما تقف على سطح يساوي قاع البحر تماما، في مقياس مختلف لما عليه طبائع الأمور، تكون المعايير مختلفة عن ما يمكن اعتماده ببداهة في الأراضي الأخرى، وثمة قابلية مفتوحة، لتصبح كل الاحتمالات ممكنات بل متاحة، وتصبح المبدئيات وتأثيراتها جد محدودة، أليست هولندا أي الدولة الوحيدة في العالم التي تبيح بيع المخدرات مثل الماريجوانا بشكل طبيعي، وتسمح بالكوكايين في ما يسمى بكمية الاستعمال الشخصي ؟؟

بل هناك الشوارع الحمراء حيث تعرض الغواني مثل الملابس خلف الزجاج. هو كسر للتقاليد بشكل يفوق أي مجتمع آخر على الإطلاق. وحتى الزواج المثلي تعد هولندا أولى الدول التي تصرح به قانونا، بل تعده من مقوماتها الثقافية وصارت تلزم الوافدين الجدد، بالقبول به كحق غير قابل للنقاش، وهناك أيضا "القتل الرحيم"، القانون الذي لا يزال يثير الكثير من الجدل عبر العالم، وقد تهكم مؤخرا سياسي ايطالي على الهولنديين الذين اقروا قبل أعوام قانونا يجيز للأطباء فعل ذلك في حالات محددة.

• وفي ارض "البولدر" الامتداد في الأفق، بلا تدرج، وبلا ترتيب ولا تفاوت. هي الأرض البسيطة، أرض بلا عقد، وهي بذلك أرض البداية الصفرية حينما لا يكون للأرض سابق فتكون أرض اللا تاريخ، و اللا ذاكرة. اليوم " الدتش" من أكثر شعوب العالم هجرة، بل تشير دراسات للجالية الهولندية في استراليا وهي جالية معتبرة، أن الجيل الثاني فيها تعد الانجليزية لغته الأولى وليس لغة والديه، وان الجيل الثالث لا يتكلم الهولندية تقريبا، وهذا بخلاف الجاليات الموجودة في استراليا. ولكن المثير أن هولندا لم تبحث في تاريخها إلا قبل سنوات قلائل، ومؤخرا ثار الجدل حول تصريح لزوجة ولي العهد – أرجنتينية الأصل – حينما قالت أنه لا يوجد هوية هولندية، بل احتدم جدل آخر حينما ارتبكت لجنة رسمية في تحديد الـ 50 شخصية الأكثر حضورا في تاريخ هولندا وذلك عام 2007.

• في أرض البولدر يعتمد الإدراك على النظر والرؤيا والمراقبة، مما يعمق مفهوم الصورة، بشكل أكثر توغلا في النفس من السمع، ولأن البولدر أرض الفراغ وانتظار المجهول، ربما لهذا السبب انتشرت في هولندا الفنون التشكيلية، بل لعل الثقافة الهولندية هي ثقافة بصرية، وهكذا تخلو قوائم جوائز نوبل للكيمياء والفيزياء من أسماء هولندية، لكن تاريخ الفنون التشكيلية يكشف دور الهولنديين حيث ساهم الفن التشكيلي للعصر الذهبي لهولندا حوالي ( 1600م) في طبع الثقافة البصرية الأوروبية لقرابة قرنين تاليين. والمثير حقا هنا انتشار مشاهد الكثبان الغربية على ساحل البحر، وكذلك مشاهد القنوات المائية التي تملأ البلاد. واستمرت هولندا معلما بارزا في تاريخ الفنون البصرية حتى العصر الحديث.

ولآن الثقافة البصرية ارتبطت بالتقنية والتكنولوجيا، يمكنك أن تشهد أن هولندا هي بلد تقني بامتياز، والحديث عن التقنية لا يتأصل بشي قدر تغلغل التقنية في المجتمع نفسه، حينما تصير التقنية جزء من الثقافة وليست مجرد أداة. وفي دراسة لمركز الإحصاء الأوروبي (يوروستات): أن المعدل الأوروبي للاستخدام العائلي للانترنت للدول السبع والعشرين هو 54%، بينما هو في هولندا (83%)، وتأتي دول اسكندنافيا بعدها بقليل حيث السويد (79%)، الدانمرك (78%)، وفي فرنسا (54%) وإيطاليا (43%). وربما هذا يشير كذلك للعقلية المنفتحة على الجديد، بما تعنيه "البولدر" من قابلية للجديد والمختلف، دون تجاهل العوامل الاقتصادية بالطبع لهولندا كدولة من دول الرخاء في أوربا والعالم.

والآن : استحقاقات التغيير

لحسن الحظ يتفق الجميع – تقريبا – على أن أزمة " المجتمع المتعدد " في هولندا لا ترتبط بشكل جوهري بأحداث كارثة 11 سبتمبر2001 الفظيعة، وإن كان ذلك سببا مساعدا ورئيسا بالتأكيد، من حيث هو حدث عالمي حاسم، على صعيد الوعي والذاكرة.

لكن الجدل وإن ظهر للسطح بشمل ثقافي ومعرفي في يناير 2000، إلا أنه كان موجودا في خبايا الوعي كما يظهر مثلا في استخدام باحثة اجتماعية " هيلدا يونكر" عام 1971 لمصطلح جيولوجي "Allochtoon" في وصف الهولنديين الذين يكون أحد آبائهم المباشرين – أو كلاهما – من أصول غير هولندية، مقابل " Autochtoon" وهم من ولد آبائهم في هولندا. برغم كون هذا الوصف يدخل الأغلبية العظمى من العائلة المالكة نفسها ضمن إطاره، لكن عمليا تم توظيف المصطلح بسببين الأول السمة الجسدية أو المظهر الدال على الانتماء الأثني، وثانيا اللغة غير المحلية، ففي كلتا الحالتين ينظر للشخص على أنه غير أصيل ولو كان من أصول هولندية حقة.

هذا المصطلح بما يشير إليه من دلالة جيولوجية حيث يحوي الخفاء فهو يتم في الباطن، وعنف عندما تنتقل الصخور لغير مكانها الأصلي، يولد فعلا إشارات عميقة عن الحالة النفسية تجاه قضية الأجانب، لا من حيت توليد المصطلح نفسه، بقدر ما لقيه من وفرة في الاستعمال، والجدل الذي لا يزال يثيره حتى الآن، عندما عرض وزير العدل "فبراير 2008" إلغاء هذا الوصف، ولازالت حجة البديل كافية ليستمر في الدلالة على التمييز بين فئات المجتمع الهولندي.

هذا المصطلح وكيفية توظيفه لاحقا، تجعل من مقال "بول سخيفر" في يناير 2000، بإحدى الصحف الهولندية المسمى " دراما التعدد الثقافي"، مجرد إعلان مباشر عن أزمة ظلت قابعة في حشايا المجتمع الهولندي، الذي على عكس كل المجتمعات الأوربية رفع شعار الإلحاق بدل الإدماج، إذ ظل يفخر بأن " نموذج أمريكي " على صعيد ثقافي، حينما تتمازج الأعراق والثقافات في بوتقة واحدة هي هولندا.
ولعل هذا كان مخالفا لثقافة البولدر، فالأرض المضافة والمستصلحة من البحر لا تعد أرضا إضافية، بل لا تختلف عن ما سواها وتسحب عليها هوية الموجودة قبلها طبيعيا، أي أنها تدمج في الأرض القديمة بلا فرق، فلربما يكون هذا التباين بين الحالتين سببا – بشكل ما – في فشل مشروع التعددية الثقافية في هولندا، الفشل الذي بات حقيقة شبة متفق عليها كما يقول كريستوف كالدويل في "الويكلي ستاندرد الأمريكية" بمقال "الدوار الهولندي" (27-12-2004).

هذا الأمر يجعل من مشروع المجتمع المتعدد، قد ولد ميتا، لكن الأماني فقط هي من جعله يستمر حيا في الأذهان، فمشكلة الأجانب في هولندا بدأت منذ السبعينات، بعد قدومهم في الستينات ضمن مرحلة إعادة الأعمار عقيب دمار الحرب العالمية الثانية.

لكن المشكلة الحقيقية أن يكون موضوع الجاليات هو المدخل لقراءة المشهد الثقافي والأخلاقي العام لمجتمع مثل هولندا، من الجيد القول أن ثمة تغيير حقيقي في صلب المزاج الثقافي والنفسي للمجتمع الهولندي، والأمر لا يتعلق فقط بالجاليات والأجانب، بل صار متعلقا بمواضيع ظلت على الدوام خصيصة هولندية، ومسحة ليبرالية يفخر بها – ربما – حتى من يعارضها دعونا نلاحظ :

• مجهودات بلدية أمستردام وسياستها الجديدة الرامية لإنهاء أو التقليل من الحي الشهير بالعرض السافر للبغاء، وسط العاصمة، وعدم تجديد عقود المنتهية، وتسليمها بدلا لذلك لمشاريع أخرى جمالية وثقافية.
• الميل المتزايد لإبطال سياسة هولندا الليبرالية والمتساهلة تجاه المخدرات، مع تزايد تأييد البرلمان لذلك، والبدء في إجراءات من شانها أن تعزز السياسة المضادة الجديدة.
• الاتجاه لتعزيز قانون العقوبات ضد الأحداث وصغار السن، والمطالبة بالعلنية وفسح المجال أمام الأعلام لتغطيتها، بعكس ما يحدث الآن من كون تفاصيلها محجوبة عادة عن الإعلام.
• الإجراءات الجديدة التي اتخذتها الحكومة ضد استخدام الألعاب النارية، حتى نقلت صحفا هولندية عن معارضي الحكومة قولهم "أن الحكومة تؤسس لدولة وصية على الناس مثل مربية الأطفال".

منظور جديد لحاجات جديدة :

وهكذا فثمة تغيير فعلي في المزاج العام، وهذا ربما يقود لمقولة "بول سيخفر" أن هولندا لم تكن متسامحة، بقدر ما كانت تغض الطرف عمّا يجري، فيما ظلت المكونات المجتمعية الهولندية تسير بشكل متوازي " تعايش بلا تفاعل" لدرجة أنها لم تفكر في الضرر الناجم من الإحباط الذي ينتاب الطبقات السفلى من الأجانب خاصة، وإهمالها التفكير في مدى جدية أن يكون المستقبل مضمونا والحالة كذلك. أو أن نلجأ لتفسير آخر للتسامح، ليس هو المفهوم المطلق واللا تاريخي للتسامح، والحالة الاستعمارية الهولندية وحوادثها ربما تعزز هذا الاستنتاج.

أو أن يكون ما يجري حاليا هو أكثر من الطاقة التسامحية للمجتمع الهولندي، وثقافته. وأننا بالفعل أمام حالة جديدة ومختلفة لم يعد يكفي فيها التغني بقيم تاريخية صارت تقترب من الأسطورة، ذلك أنها ربما تعزز استبعاد الآخر أكثر من المساعدة في قبوله والتفاعل معه.

والمشاكل من نوعية (فيلدرز – وهيرسي علي) وغيرهما وما تلقاه من أصداء، ربما تكون مجرد سدود تمنع النظر لحقيقة ما يجري في عمق الوعي – واللاوعي – الهولندي، فهل على الهولنديين فعلا التفكير في لماذا تواجه بلادهم مشاكل من نوعية لا تواجهها دول أخرى غربية مجاورة لها ؟ وإذا كانت الجاليات والتعددية المجتمعية والثقافية قدرا لامناص منه اليوم، فلربما يتعين التفكير في هندسة اجتماعية جديدة، لا تنتمي لما سبق، بل تقوم على أساس أخطائها وأوهامها بعد أن تكشفت في صخب مدوي، ربما يكون هو نفسه مصدر تغييب للوعي بأساس الإشكال.

رايزفايك – هولندا
05-03-2008
abusleem@gmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بموقع إذاعة هولندا العالمية ، الأحد 30 مارس 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home