Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Suaad Eltaif al-Faitouri
الكاتبة الليبية د. سعاد الطيف الفيتوري

Wednesday, 28 March, 2007

البحرين : غـيوم خريفية برلمانية تـلبد ربيع الثـقافة (*)

د. سعـاد الطيف الفيتوري

ما تزال الأوساط الثقافية والسياسية والفنية في البحرين مشغولة بالضجة التي أثيرت حول عرض أخبار مجنون ليلي الذي قدمه مطلع شهر آذار (مارس) الجاري الموسيقار اللبناني مارسيل خليفة في حفل افتتاح مهرجان ربيع الثقافة ، وهو العرض المستوحي من عمل وضعه الشاعر البحريني قاسم حداد عام 1996 بمشاركة الفنان التشكيلي العراقي ضياء العزاوي يحمل اسم مجنون ليلي .
وقد أثيرت الضجة بادئ ذي بدء عندما أطلق النائب في البرلمان البحريني عن كتلة المنبر الوطني الإسلامي، وهي إحدي الواجهات التي تعمل من خلالها جماعة الإخوان المسلمين في البحرين، محمد خالد نيران نقده علي هذا العرض الموسيقي والمسرحي الراقص معتبرا أنه يحتوي علي إيحاءات جنسية . واكتسب الجدل المثار حول العرض زخما جديدا مع تصويت البرلمان البحريني في 19 آذار (مارس) لصالح اقتراح من كتلة الأصالة، التي ينضوي في إطارها النواب السلفيون في البحرين، بتشكيل لجنة تحقيق حول المهرجان. وما بين المعترضين علي تقديم عرض مجنون ليلي والمدافعين عنه، يحفل المشهد البحريني باتهامات متبادلة يتراشق بها الطرفان. فالمعترضون اعتبروا أن بعض اللقطات الاستعراضية الراقصة التي رافقت الوصلة الموسيقية في العرض تثير الغرائز وتشجع علي ارتكاب الفاحشة ، علي حد تعبير رجل الدين البحريني الشيخ علي مطر في خطبة جمعة ألقاها مؤخرا، بينما طالب النائب خالد بأن يشمل المهرجان اختيارات تراعي التقاليد الإسلامية والاقتداء بما يقدم في بلدان مجاورة بدلا من اختيار فعاليات ذات نزعة غربية . أما المدافعون عن العرض فقد اعتبروا أن الضجة المثارة ترقي إلي خنق مناخ الحريات والإبداع في البحرين ، علي حد ما ورد في بيان صادر عن نحو 50 جمعية ثقافية وأهلية وسياسية في البحرين، من بينها 12 جمعية نسائية منضوية في إطار الاتحاد النسائي البحريني. وأعرب البيان عن خيبة الأمل لما آلت إليه الأوضاع في البحرين من هيمنة للفكر الأحادي والتوجهات الإقصائية الرافضة للآراء الأخري والتشهير بأصحابها والتشكيك فيهم . من حيث المبدأ، لا يمكن للمرء أن يجادل في الدعوة إلي أهمية الحفاظ علي منظومة القيم الأخلاقية أو الحرص علي التقاليد الإسلامية والعربية. فهذه القيم والتقاليد تشكل في المحصلة النهائية مكونا رئيسيا من مكونات الهوية التي تقوم عليها مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وهي الهوية ذاتها التي تشكل مرجعية حضارية وتاريخية تجعل من كل فرد منا يشعر أنه جزء لا يتجزأ من جماعة لها حضارة وتاريخ جديران بالاعتزاز. ولكن لا يمكن للمرء أيضا إلا أن ينظر بعين الريبة والشك إلي الحملة الشعواء التي يتصدرها الإخوان والسلفيون في البحرين ضد مهرجان ربيع الثقافة .
فلقد سبق لهم أن قادوا إبان فترة ولاية البرلمان السابق حملة شعواء مشابهة ضد دورة العام الماضي للمهرجان ما يوحي بأن لديهم موقفا سلبيا ورافضا من المهرجان أصلا وبالتالي فإنهم كانوا يضمرون نية مسبقة ومبيتة هذا العام لتصيد ما يمكن استخدامه من أعمال تقدم في المهرجان للتشهير به ومحاولة عرقلته إن لم يكن توجيه ضربة قاضية له. ومن حيث المبدأ أيضا، لا يمكن للمرء أمام هذا المشهد الذي يضج بأشكال من الجدل الحاد والتراشق بالاتهامات إلا أن يقف مرة أخري أمام ثنائية الثقافة والسلطة في تاريخنا العربي، قديمه وحديثه، مستحضرا صورا من ظلامية تسودها قرارات المنع والحظر والحرق في حق الكتب والكتابة والمفكرين والمبدعين، وتستلهم من محاكم التفتيش ألوانا شتي من القمع وحجب الفكر وتغييب الرأي الآخر ومصادرة الإبداع، وتسعي إلي تصفية حسابات مع الآخر-المختلف هي في أصلها وجوهرها ونسخها حسابات سياسية وإن تلبست بلبوس الدين وأشهرت سيوف الفتوي وحملت لواء الأخلاق الفاضلة. تلك هي العيوب العقلية والنفسية ذاتها التي تأسست علي ماض أليم يعج بشتي أنواع التهم بالتكفير وفساد الاعتقاد والزندقة والإباحية بغية اغتيال الإبداع والفكر الجديد والاختلاف، والتي شيدت في تاريخنا المعاصر صروحا إيديولوجية قمعية ونصبت في مجتمعاتنا العربية أسيجة الأحادية في التفكير وأرست أعمدة النرجسية الفكرية في مراكز السلطة ومنابع القرار السياسي لتبيح لنفسها بالتالي أن تخوّن الاختلاف وتجرد مقصات الرقابة أو تلقي ما يكفي من الذعر في الأوساط الفنية والثقافية لفرض الرقابة الذاتية. ولا يخلو الأمر من مفارقة صارخة تتجلي في أن ينبري برلمانيون في البحرين إلي الاعتراض علي عمل فني بحجة الدفاع عن ثوابت أخلاقية وإسلامية، في حين أن البلاد تنتشر فيها المراقص والكازينوهات والكباريهات. ثمة ازدواجية مقيتة في المعايير تتبدي في المشهد الراهن الذي يطفق فيه برلمانيون يمثلون الشعب إلي رفع لواء الفضيلة لمحاسبة أهل الفن والإبداع والثقافة بذريعة تقديم أعمال تخدش الحياء في بلد يبيح تجارة الخمور وتمتلئ فيه الفنادق والشقق المفروشة وعلب الليل ببائعات الهوي وبنات الليل. مشكلة بعض البرلمانيين في البحرين هي أنهم يعتقدون أن نصرهم الانتخابي يجيز لهم أن يفرضوا رؤيتهم للثقافة ومكوناتها علي الشعب بأكمله. هذا مع ملاحظة أن نصف أعضاء البرلمان البحريني ذي المجلســـــين فقط ينتخبون عن طريق الاقتراع في عملية انتخابية عرجاء في حـــــين أن النصف الآخر يعين من قبل ملك البلاد مما يثير ظــــلالا قاتمة من الشك علي الصفة التمثيلية للبرلمان وأعضائه المنتخــبين جملة وتفصلا. وقديما قيل من يعش رجبا ير عجبا . والعجب العجاب هنا أن يقوم برلمانيون، يفترض أنهم مؤتمنون علي الحريات العامة، بالتضييق علي حركة الإبداع الفني التي تعتبر من أبجديات الحرية وشروطها الضرورية. كان الحري ببرلمانيي البحرين أن يبدوا قدرا مماثلا من الاهتمام بمعالجة القضايا المصيرية التي تؤثر علي حياة الناس، مثل قضايا البطالة والفساد الإداري المستشري في أجهزة الدولة ومؤسساتها وأزمة السكن والتجنيس العشوائي الذي ينذر بتغيير التركيبة الديموغرافية في البلاد، وهو ما يهدد بالتالي بزعزعة الوحدة الوطنية في البلاد ويغلق آفاق العيش المشترك بين أبناء البحرين بشتي انتماءاتهم الطائفية والدينية.
أن يخضع أي عمل فني لمشرحة النقد ومباضع النقاد أمر لا غبار عليه. فلقد كان من الممكن جدا أن يحاكم العمل الذي قدمه الفنان الملتزم مارسيل خليفة من حيث نجاحه في تحويل النص الشعري إلي عمل مسرحي ترفده عناصر إبداعية فنية وموسيقية مختلفة تخاطب حاستي السمع والبصر لدي المتلقي. ولكنني لست أدري كيف يجيز أي طرف سياسي في البحرين، سواء كان له ممثلون في السلطة التشريعية أم كان خارجها، لنفسه أن يدعي احتكار المعايير الأخلاقية التي تصنف الأعمال الفنية أو الثقافية بأنها مقبولة أم غير مقبولة. فذلك يؤسس لعلاقة غير سوية بين البرلمان والقاعدة الشعبية تقوم علي مبادئ الاحتواء والإقصاء، ويؤدي في النهاية إلي تشويه عملية الإبداع الفني والثقافي في البلاد. فالعملية الإبداعية لا تزدهر إلا عندما تنفتح خيارات الوعي الفني والجمالي والمعرفي علي فضاء لا بل فضاءات من الحرية ما يتيح طرح الأسئلة والمساءلة والكشف وحتي الشك. وهي إن وضعت في أسار التدجين تحت أي ذريعة من الذرائع أو صودرت لحساب أي تصورات إيديولوجية فلن يؤول مصيرها إلا إلي اجترار المألوف وبالتالي التراجع والتخلف. وتطل علينا من خلال الجدل المحتدم في البحرين حول مهرجان ربيع الثقافة أشباح عقلية الثقافة الرسمية حيث تحتكر السلطة أو بعض أهلها وأربابها منافذ الإنتاج الفني أو الأدبي ما يجعل المثقف أو المبدع الفني موظفا لدي الحكومة أو مؤسساتها الثقافية ، أو تختزل العملية الإبداعية بالدولة أو من يختزل نفسه بها عبر سلطة الرقيب، لتنتج خرابا تدفع ضريبته أجيال من المثقفين والمبدعين الباحثين عن ضفاف آمنة للإبداع الثقافي في المنافي.
جميل أن تتطلع العملية الإبداعية إلي ما يزخر به التراث من أعمال صاغت الوجدان الشعبي علي مر القرون، من قبيل قصة مجنون ليلي . ولكن شد الرحال إلي التراث لا يعني بأي حال من الأحوال اجتراره. فمن مهام الثقافة والفن في كل عصر وأوان، إعادة انتاج التراث برؤية عصرية منفتحة ومرنة تسمح بتوظيف فنون وأدوات تعبيرية وتقنية مختلفة. وهذا ما تجلي في العمل الذي قدمه خليفة من خلال تقديمه للقصة في إطار فني متكامل جمع ما بين الأداء الشعري والغناء والرقص التعبيري والموسيقي والإضاءة. وهو في ذلك كله حاول أن يحافظ علي ما تحفل به القصة من احتفاء بالحب والجسد ، علي حد تعبيره. وقصة مجنون ليلي ليست نسيج وحدها في التراث العربي من حيث الاحتفاء بالحب أو الجسد أو إطلاق العنان للرغبات والأهواء والنزوات. ثمة الكثير من الأعمال التراثية، وبعضها من أمهات كتب التراث مثل ألف ليلة وليلة أو طوق الحمامة في الألفة والآلاف للفقيه الأندلسي ابن حزم الظاهري، التي تزخر بمشاهد من هذا القبيل أو تتحدث عن الجنس والعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة أو حتي عن الشذوذ الجنسي. ومن يراجع كتب الفقه، مثل الموطأ للإمام مالك بن أنس، أو زاد المعاد لإبن القيم الجوزية، أو إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، وحتي كتب الحديث المعتبرة، كالصحاح، فإنه يجد فيها الكثير مما يشير إلي تنظيم عملية المعاشرة الجنسية بين الرجل وزوجته، وبتفاصيلها الدقيقة أحيانا. ولم نسمع أبدا من يعترض علي ما تحويه كتب الفقه والسيرة من إشارات وفتاوي وروايات مفعمة بالحديث عن الجنس، تلميحا وتصريحا، وذلك من باب أن لا حياء في الدين .
ولا يسعني في الختام إلا أن أتساءل عما سيبقي من هذه الكتب التراثية لو طبقت عليها معايير خدش الحياء التي يحاول بعض برلمانيي البحرين تجريدها سيوفا تعمل طعنا وتمزيقا في مهرجان ربيع الثقافة . وأرفد التساؤل بالأمل في أن يكون موعدنا المقبل مع دورة العام القادم لمهرجان ربيع الثقافة موعدا آخر مع فصل ربيعي تزهر فيه براعم الإبداع وليس موعدا مع غيوم خريفية تلبد آفاق الحرية.

كاتبة من ليبيا
suaadone@yahoo.co.uk
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "القدس العربي" ، الأربعاء ، 28 مارس 2007م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home